منذ بداية العام 2026 الجاري، وخاصة بعد انتهاء الربع الأول، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة بشكل متزايد على المستويين الاقتصادي والاجتماعي في سوريا. فقد تصاعدت سياسات تقليص الدعم في مجتمع يعيش فيه ما يقارب 90% من السكان تحت خط الفقر الدولي، بينما لا يزال نحو 13.3 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
وعلى الرغم من التوقعات بتحسن إنتاج القمح هذا العام، جرى تخفيض موازنة برنامج الأغذية العالمي الخاصة بسوريا إلى النصف، في حين ساهمت سياسات تسعير القمح الحكومية، إلى جانب غياب شبكات الحماية الاجتماعية الفعّالة، وغياب السياسات الاقتصادية التي تدعم الزراعة في تعميق الأزمة. وفي الوقت نفسه، فُرضت على المواطنين أعباء إضافية من خلال الضرائب غير المباشرة والضرائب الاستهلاكية، إلى جانب تعرفة جمركية جديدة ذات طابع حمائي.
ووفقاً لبيانات غير منشورة رسمياً تم الإطلاع عليها من قبل كاتب هذه المقالة، “لم تتجاوز مساهمة الضرائب المباشرة 7% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة خلال عام 2025، مقارنة بـ26% من الضرائب غير المباشرة و39% من الرسوم الجمركية بحسب الموازنة المنشورة”. ما يعكس تزايد الاعتماد على أنماط ضريبية غير عادلة تقع أعباؤها بشكل أساسي على الفئات ذات الدخل المحدود.
وقد أدّى التراكم المشترك لهذه السياسات إلى تدهور كبير في الظروف المعيشية، وإلى تصاعد حالة السخط الشعبي، التي بدأت تتجلى بشكل أوضح في الاحتجاجات المتفرقة وفي حالة الاستياء والغضب المنتشرة سواء في الشارع أو على منصات التواصل الاجتماعي.
سياسات مالية ونقدية تعمّق الاختلالات الاقتصادية
لكن كل أزمة تخلق فرصاً أيضاً. غير أن هذه الفرص، حين لا يتم استغلالها، تتحول غالباً إلى أزمات أعمق وأكثر تعقيداً من المشكلة الأصلية نفسها. ولعل أول ما يجب الاتفاق عليه هو أن المؤشرات التي ظهرت خلال عام 2026 كانت شديدة الخطورة. ويمكن تناول بعضها وفق عدة نقاط رئيسية.

على المستوى النقدي، فقد بدأ العام منذ يومه الأول بقرار استبدال العملة. وبغض النظر عن مدى صحة القرار اقتصادياً، إذ استقبلته الأسواق بتوقعات مرتبطة بالتوسع النقدي. وتصاعدت المضاربات، وازداد الطلب الاحترازي على الدولار، ما وضع ضغوطاً إضافية واضحة على سوق الصرف.
أما على المستوى المالي، أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع خلال آذار/مارس الفائت توقعات شديدة التفاؤل لنمو اقتصادي يبلغ 35%، في حين قدّر البنك الدولي النمو بنحو 1% فقط، وقدّره “المركز السوري لبحوث السياسات” بحوالي 0.3% لعام 2025.
ولم تقدّم وزارة المالية بالحكومة السورية الانتقالية أي تفسير اقتصادي مقنع لهذه الفجوة الهائلة، بل انعكس هذا الخطاب بشكل غير مباشر في موازنة عام 2026، التي توسعت بحوالي 209% مقارنة بموازنة 2025، رغم أن الأخيرة كانت ذات طابع انكماشي نسبياً نتيجة وجود فائض مالي وسياسات تقليص الدعم وتقليص مساهمة الدولة في الإنفاق على وظائفها الاجتماعية.
أما اقتصادياً، لا يُعتبر التوسع المالي بحد ذاته مشكلة. لكنه يصبح خطيراً حين يحدث داخل اقتصاد يعاني ضعف الإنتاج، وتراجع الاستثمار، وهشاشة القدرة التمويلية، وضعف القدرة على توليد العملات الأجنبية. وبعد الزيادات الكبيرة في الأجور والرواتب خلال عامي 2025 و2026، وإقرار موازنة توسعية بهذا الحجم، كان من الطبيعي أن تتفاعل الأسواق مع توقعات ارتفاع الطلب النقدي والاستهلاكي، من دون أي توسع موازٍ في القدرة الإنتاجية المحلية.
وفي مثل هذه الحالات، يتحول الإنفاق التوسعي غالباً إلى ضغوط تضخمية، وارتفاع في الطلب على الدولار والواردات، وضغط إضافي على سعر الصرف، لينتهي الأمر بتآكل سريع في الأجور الحقيقية والدخول، بدلاً من تحسينها.
تآكل القدرة المعيشية وتزايد الغضب الشعبي
ويبدو أن الاستجابة لهذا الوضع المعقد، الناتج عن هذه السياسات الفوضوية، اتجهت نحو تشديد الانضباطين المالي والنقدي على حساب القدرة الشرائية للمواطنين، من خلال تعميق القيود على السيولة والاستمرار في تقليص الدعم عن السلع الأساسية مثل الوقود والخبز، في محاولة لاحتواء الضغوط النقدية والعجز المالي.
وفي الوقت نفسه، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات حقيقية على الإنفاق الاستثماري الذي وُعد به في موازنة 2026، ما عزّز الانطباع بوجود فجوة متزايدة بين الأرقام المعلنة وبين القدرة الفعلية على التمويل والتنفيذ.
وبالطبع، رافق هذا المشهد منذ آذار/مارس الماضي ضغوط جيوسياسية مرتبطة بالحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، وساهمت بدورها في تضخم مستورد زاد الوضع سوءاً. وفي المحصلة، فإن ما نشهده اليوم لا يمكن وصفه إلا بأنه وضع مقلق للغاية، يفترض أن يدفع القائمين على إدارة مؤسسات الدولة إلى حالة من القلق الجدي.
نافذة إصلاح ممكنة قبل الوقوع في أزمة أعمق
ومع ذلك، فإن الفرصة لا تزال قائمة وممكنة، إذ تمتلك سوريا فترة تقارب ثلاثة أشهر لتنفيذ مجموعة من الإصلاحات شديدة الأهمية. فمع التوقعات بارتفاع التحويلات المالية، والنشاط السياحي الموسمي، وتراجع الطلب على الدولار خلال الصيف، خاصة إذا هدأت التوترات الجيوسياسية، قد تنشأ نافذة مؤقتة من الاستقرار النسبي تسمح بتنفيذ إصلاحات كان يفترض أن تبدأ منذ اليوم الأول.
ويكمن الإصلاح الأول في ضرورة استعادة الحد الأدنى من الثقة بالمؤسسات الاقتصادية. وهذا يتطلب من الجهات الحكومية المعنية نشر بيانات شفافة وقابلة للتحقق تتعلق بالإيرادات والعجز والإنفاق الفعلي والكتل النقدية، لأن الأسواق تخشى الغموض أكثر مما تخشى الأزمات نفسها.
بينما يتمثل الإصلاح الثاني في إعادة توجيه الإنفاق العام بعيداً عن النفقات الجارية والاستهلاكية نحو الإنفاق الإنتاجي والاستثماري، خاصة في قطاعات الزراعة- بما في ذلك رفع أسعار شراء القمح- والطاقة، من خلال تخفيض الفاقد وتحسين مرونة الدفع، والاستفادة من تراجع أسعار الطاقة عالمياً لتخفيض أسعار المحروقات محلياً بما يساهم في تنشيط الصناعة والنقل، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية.
ويجب أن يترافق ذلك أيضاً مع مراجعة شاملة للرواتب والتعويضات المدفوعة لموظفي “حكومة الإنقاذ” سابقاً، ومعظمهم منتمون لـ”هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، وما يسمى “الخبراء” الذين يتقاضون تعويضات مرتفعة للغاية، والتي بلغت وفق بعض التقديرات نحو 4.3 ترليون ليرة سورية، أي ما يقارب 378.85 مليون دولار وفق السعر الرسمي. فمن خلال تضييق هذه الفجوات، تستطيع الحكومة تعويض جزء من الأعباء التي خلقتها زيادات الأجور الأخيرة، بالتوازي مع إصلاح هيكل الرواتب بطريقة أكثر عدالة واستدامة.

أما الإصلاح الثالث، وهو شديد الإلحاح، فيتعلق بالقطاع المصرفي، العام والخاص معاً. فقد تأخرت إعادة هيكلة القطاع المصرفي كثيراً. ولا يمكن لأي محاولة جادة لإنعاش الاقتصاد، إعادة الإعمار، وجذب الاستثمار أو تحقيق الاستقرار النقدي أن تنجح دون قطاع مصرفي فعّال. حيث إن إعادة بناء الثقة بالنظام المالي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمصارف نفسها.
فالسوريون بحاجة ماسة إلى التمويل، بينما لا تزال المصارف تعاني ضعف الرسملة وغياب أدوات التمويل الحقيقية. وللتوضيح، فإن الحديث هنا لا يتعلق ببرامج إقراض بمليارات الدولارات، بل بتمويلات متواضعة نسبياً لكنها قادرة على تحريك الأسواق والتخفيف من الضغوط الركودية التي تسببت بها سياسة البنك المركزي بتقييد السيولة وسقوف السحوبات.
والإصلاح الرابع، فهو مرتبط إلى حد كبير بالسياسة الخارجية. إذ يجب على سوريا أن تعمل بجدية واستمرار من أجل الخروج من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”. فهذه ليست قضية ثانوية، بل تمثل عقبة رئيسية أمام الاقتصاد السوري والقطاع المصرفي، إلى جانب وجود سوريا على القائمة الرمادية لـ”مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)”.
معالجة مسألة القائمة الرمادية تتطلب إصلاحات تشريعية وتنظيمية ومؤسساتية واسعة، خاصة في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والشفافية المالية، والرقابة المصرفية، وإنفاذ معايير الامتثال، وهي بطبيعتها عمليات طويلة الأمد. لكن الخروج من تصنيف “الدول الراعية للإرهاب” يبقى هدفاً ممكناً وضرورياً للغاية، لأنه يشكل حاجزاً رئيسياً بين سوريا وصندوق النقد الدولي.
ووفقاً للقانون الأميركي، لا يستطيع صندوق النقد الدولي الدخول في اتفاقيات أو إطلاق برامج مع الدول المصنفة كـ”دول راعية للإرهاب”. وهذه مشكلة كبيرة، لأن دور الصندوق لا يقتصر على التمويل فحسب، بل يتعداه إلى منح إشارات ثقة ومصداقية للأسواق والمؤسسات الدولية والدول المانحة والمستثمرين بشأن جدية الإصلاحات واستقرار المسار الاقتصادي.
وفي الحالة السورية تحديداً، فإن أي محاولة لجذب رؤوس الأموال أو تشجيع الاستثمار أو إعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي ستبقى شديدة الصعوبة من دون تحقيق تقدم في هذا الملف.
اليوم، لا تزال هناك نافذة ضيقة يمكن من خلالها احتواء هذه الاختلالات قبل انزلاق الاقتصاد إلى أزمة أعمق بكثير. لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة طويلاً. وعليه، فقد تواجه سوريا بحلول شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل أزمة سيولة وأزمة اقتصادية حادة، إذا لم يتحقق تقدم ملموس في هذه الإصلاحات. ولذلك أيضاً، فإن الأشهر القادمة إما أن تشكل بداية مسار إصلاحي حقيقي، أو تتحول إلى فرصة ضائعة جديدة ربما يدفع السوريون ثمنها لسنوات قادمة.
- العراق يستكمل استجواب عناصر “داعش” المنقولين من سوريا
- ارتفاع أسعار الخبز في القامشلي.. هل تبدأ فاتورة توحيد الأسعار؟
- المرصد: 179 قتيلاً في سوريا خلال آب وسط استمرار هشاشة الوضع الأمني
- “دمشق الجديدة”.. حلم الـ7 مليارات يصطدم بواقع الاقتصاد السوري
- قتيل وإصابات باشتباكات بين الأمن الداخلي والحرس الوطني في السويداء

