تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة السورية دمشق ولقاء بشار الأسد، لتحمل رسائل بعضها معلن والبعض الآخر خفي. فالزيارة بدأت من لبنان مرورا بسوريا في ظل التصعيد الإسرائيلي العنيف منذ مقتل زعيم “حزب الله” حسن نصر الله والاستهدافات المتواصلة في الضاحية الجنوبية لبيروت، سواء للقادة البارزين أو البنية التحتية العسكرية، وهي تشي بأن طهران ظاهريا تريد القول إنها تصطف لجوار “محور المقاومة”.
كما تسعى إيران إلى تهدئة صورة الانتقادات التي تطاولها بأنها تتخلى عن وكلائها وتبتعد عن الحرب والمواجهة المباشرة مع إسرائيل. غير أن الجانب الخفي، يبدأ في سوريا، والتي على ما تبدو “لم تعد آمنة للمحور الإيراني وهي جبهة إضعاف”، على حد تعبير مصدر سياسي لبناني.
مخزن أسرار “حزب الله” انفتح بسوريا
ويقول المصدر (فضل عدم ذكر اسمه) لـ”الحل نت” إن الحكومة في دمشق تواجه أزمة غير مسبوقة بعلاقتها مع النظام الإيراني، وهناك “معلومات متداولة على نطاق ضيق بأن مخزن أسرار حزب الله انفتح في سوريا بواسطة دوائر أمنية واستخبارية في أجهزة النظام”.
كانت زيارة عراقجي لدمشق ضرورية باعتبارها الحديقة الخلفية بعد الوضع الهش في لبنان، وبحث إمكانية إعادة التموضع في سوريا، والانطلاق من الأخيرة بعد تحديد الخريطة الآمنة وحدودها ومواقعها وعمليات التعيين الجديدة لمنع مزيد من الاستنزافات الاستراتيجية.
وأشار المصدر ذاته إلى أن “الصراع المكتوم نتيجة تعدد الولاءات والبحث عن الامتيازات فتح ثغرات قوية يمكن التسلل إليها وتشكيل ولاءات موازية للحصول على معلومات أدت لما حدث من نجاح عملية الاستهدافات الإسرائيلية المحددة والدقيقة في مناطق نفوذ حزب الله بلبنان وكذا مناطق سيطرة وتواجد الحرس الثوري بدمشق”. يلفت المصدر إلى أن زيارة وزير الخارجية الإيراني كانت تحمل “رسالة قاسية” من المرشد الإيراني إلى الأسد، وهي المرة الثانية، لكنه يعاود التأكيد على أن المرة هذه “إنذارية”.
والمرة الأولى كانت بسبب الإلحاح على ضبط النفوذ الروسي، وشعور طهران بتهميش وضعها في ما يخص إعادة الإعمار، فضلا عن المطالبة بالهيكلية الأمنية لأسباب منها أيضا التنافس الروسي، ووضع شخصيات أكثر ثقة في ظل الاتهامات العديدة بإفشاء الأسرار و”العمالة لإسرائيل”، وهو ما حدث بتحويل جهازي الاستخبارات العسكرية والمخابرات الجوية لجهاز واحد، طبقا للمصدر نفسه.
ليس ثمة شك أن سوريا كانت ساحة عمل سياسي وميداني وعسكرية لـ”حزب الله” بصورة تكاد تكون أكبر من غيرها أمام الميلشيات التابعة لإيران، ويمكن أن تكون الميلشيات العراقية في المرتبة الثانية، فالأولى تربطها بسوريا علاقات متجذرة وتاريخية لا سيما مع فترة التواجد السوري بلبنان، ويشترك الطرفان في ناحية الترابط الحدودي مع سوريا والحدود المشتركة مع العراق ولبنان.

لكن هذه المساحة رغم ما بدا أنها تعكس قدرة “الحرس الثوري” الإيراني على إدارة نفوذه بالمنطقة بحرية وتحت غطاء أمني وعسكري (إيران) من دون أن يعيقه طرف، إلا أنها كانت فخا تكتيكيا سمح بانكشافه، أي انكشاف قدراته وإمكاناته العسكرية واللوجيستية أثناء نقل العناصر الميلشياوية وتهريب الأسلحة وكذا صنع الأنفاق والظهور أو الاختفاء منها، ولهذا، كانت “قوة الردع” التي حازتها طهران عبارة عن قوة زائفة لا تملك أرضا ثابتا إنما رمال متحركة.
وبالعودة للمصدر اللبناني، فعباس عراقجي حمل إلى سوريا رغبة بلاده أو تخوفاتها من عدم تأمين قادة “حزب الله” بعدما فر بعضهم بواسطة الأنفاق لسوريا، وقد ألمح إلى أن الاستهدافات المتواصلة على سوريا رغم ابتعاد “الأسد” عن أي دعم للمحور الإيراني في حرب غزة، يتصل بالبنى الأمنية والشبكات الخفية من الأنفاق الحدودية بين لبنان وسوريا، ولهذا صعدت إسرائيل من عملياتها التي طاولت الارتكازات الحدودية بين البلدين، تحديدا في حمص من الجهة السورية أو منطقة المصنع من جهة لبنان.
مراوغات إيران وأهداف إسرائيل
وواصلت إسرائيل استهدافاتها التي طاولت منطقة المصنع الحدودية، بدعوى تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان، وشمل الاستهداف غارة على نفق يستخدم في عمليات التهريب المماثلة، وذلك وفق بيان الجيش الإسرائيلي، نهاية الأسبوع الماضي.
وقال البيان إنه “بتوجيه استخباري دقيق من هيئة الاستخبارات العسكرية أغارت.. مقاتلات سلاح الجو على نفق أرضي عابر للحدود اللبنانية السورية بطول حوالي 3,5 كم كان يستخدم من قبل حزب الله لنقل الكثير من الوسائل القتالية ولتخزينها تحت الأرض، وكان النفق تحت إشراف الوحدة 4400 التي تتولى المسؤولية عن نقل الوسائل القتالية من إيران وفروعها المختلفة إلى حزب الله في لبنان”.
وتابع: “في إطار هذه الغارة تم تدمير مبان عسكرية ومخازن أسلحة ومنشآت إرهابية أخرى كما تم الهجوم هذه الليلة الماضية على بنية تحتية في معبر المصنع الحدودي بين سوريا ولبنان كانت تستخدم لنقل الوسائل القتالية إلى حزب الله”.
وأشار بيان الجيش الإسرائيلي إلى أن “هذه الهجمات تضاف إلى عملية تصفية قائد الوحدة 4400 محمد جعفر قصير الذي تم القضاء عليه في وقت سابق من هذا الأسبوع”. ومؤكدا أنه “سيواصل مهاجمة أي محاولة أو موقع يخص تهريب الأسلحة وغيرها من الوسائل القتالية التي من المخطط استخدامها ضد قوات جيش الدفاع والمواطنين الإسرائيليين”.
تزامن مع زيارة وزير الخارجية الإيراني انكشاف آخر لافت ومهم بخصوص الانتقالات المثيرة والتغييرات القائمة للميلشيات الإيرانية في سوريا، ويمكن تسميتها بإعادة تموضع في ظل الظروف العسكرية الراهنة الصعبة والمعقدة.
وفي حين أوضح الناطق بلسان الخارجية الإيراني أن “عراقجي سيبحث مع المسؤولين السوريين خلال الزيارة التطورات الإقليمية والعلاقات الثنائية”، فإن الوزير الإيراني ألمح إلى إمكانية وقف إطلاق النار وفق مباحثاته مع المسؤولين اللبنانيين، لكن بشرطين أولاهما احترام المقاومة وقبولها بمسألة وقف إطلاق النار بما يجلب حقوق الشعب اللبناني، والثاني هو تزامن ذلك مع وقف مماثل وكامل في غزة.
وتابع: “أوضاع لبنان ليست طبيعية لتكون زيارتي إلى بيروت عادية.. وجودي في بيروت، التي تقصف كل لحظة، دليل على أن طهران تقف إلى جانب حزب الله بكامل ثقلها”.
من جهته، أوضح بشار الأسد أثناء لقاء الوزير الإيراني أن الضربات الصاروخية لطهران ضد إسرائيل تمثل “ردا قويا”. وتابع: “المقاومة ضد كل أشكال الاحتلال والعدوان والقتل الجماعي هي حق مشروع، وهي قوية في ظل الاحتضان الشعبي لها والإيمان بها.. الرد الإيراني كان ردا قويا، وأعطى درسا للكيان الإسرائيلي بأن محور المقاومة قادر على ردع العدو، وأنه سيبقى قويا ثابتا بفضل إرادة وتكاتف شعوبه”.

تصريحات وزير الخارجية الإيرانية تكشف عن عطل زمني حاد، وكأن حسابات الزمن لديه متوقفة عند الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي، عندما قرر حسن نصرالله أن تكون هناك “جبهة إسناد” في جنوب لبنان، ذلك ما يعطي دلالة بأن ثمة رغبة إيرانية في وقف الحرب وفك الارتباط بغزة، لكن بضمانات تجعل حزب الله لا يفقد كل مكتسباته السياسية بلبنان، ولهذا الإعلان عن “وقف إطلاق النار” بحد ذاته من قبل إيران هو موقف سياسي ورسالة لمن يهمه الأمر.
ثم الحديث عن شروط هو لـ”حفظ ماء الوجه” أمام القواعد الشيعية، بحيث لا يبدو الأمر وكأنه إعلان هزيمة واستسلام، لا سيما وأن التصريح بذلك يحدث والغارات الإسرائيلية لا تتوقف عن استهداف رؤوس التنظيم وقادته العسكريين التاريخيين ولم يتبق منهم أحد.
بالتالي، كانت زيارة سوريا ضرورية باعتبارها الحديقة الخلفية بعد الوضع الهش في جنوب لبنان، وبحث إمكانية إعادة التموضع في سوريا، والانطلاق من الأخيرة بعد تحديد الخريطة الآمنة وحدودها ومواقعها وعمليات التعيين الجديدة لمنع مزيد من الاستنزافات الاستراتيجية.
مرتزقة إيران الجدد بسوريا
من ثم، تزامن مع زيارة وزير الخارجية الإيراني انكشاف آخر لافت ومهم بخصوص الانتقالات المثيرة والتغييرات القائمة للميلشيات الإيرانية في سوريا، ويمكن تسميتها بإعادة تموضع في ظل الظروف العسكرية الراهنة الصعبة والمعقدة، وقد كشف مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان” رامي عبد الرحمن أن “حزب الله سحب العديد من مقاتليه في سوريا، ونقلهم إلى لبنان أو إلى مناطق حدودية بين البلدين، فيما عزز الوحدات المتواجدة في الداخل السوري بمقاتلين سوريين مرتزقة”.

ويقول مدير “المرصد السوري” إن هؤلاء المرتزقة يختلفون عن عناصر “حزب الله” المسلحين “إذ إننهم يدينون بالولاء لمن يدفع أكثر، وليس لولاية الفقيه” وفق عبد الرحمن في حديثه لموقع “الحرة” الأميركي، كاشفا عن “خطورة على جميع الميليشيات الموالية لإيران في سوريا”. وقال إن هناك “مجموعات تعمل مع الحرس الثوري الإيراني في سوريا تعمل على نقل مستودعات الأسلحة من مراكز حزب الله، ونقلها إلى مستودعات أخرى حتى لا يتم استهدافها. كما يتم تسليم بعض نقاط التمركز التي كان حزب الله يتحكم بها إلى مليشيات إيرانية أخرى، مثل ميليشيا لواء “فاطميون” الأفغانية”.
ويلمح مدير المرصد الحقوقي إلى أن “تواجد حزب الله في سوريا كان يمثل ركيزة هامة، ويمارس دورا قياديا بين الميلشيات الموالية لإيران. كما أن سحب المسلحين التابعين لحزب الله من سوريا يؤثر على ما يعرف بـ (طريق طهران بيروت) والذي كان يسهل وصول الأسلحة بين الميلشيات”.
ونقل عبد الرحمن عن مصادر خاصة قولهم إن الميلشيات التابعة “للحرس الثوري” الإيراني “أنهت إنشاء معبر جديد يمتد عبر نفق تحت الأرض في بادية البوكمال شرقي سوريا، ويربط بين العراق وسوريا، لتفادي استهداف الطائرات المسيّرة التي تتعقب شاحنات نقل الأسلحة والذخائر”. وكانت الميلشيات قد بدأت في حفره قبل نحو أربعة أشهر، وهو يربط مناطق حدودية بين سوريا والعراق، ويعول عليه لنقل الأسلحة، كما يضم في بعض أجزائه “مخازن للأسلحة ومناطق لتخزين المخدرات”.

