في الوقت الذي أصبح العالم منشغلاً بالحرب في غزة وأزمة الحرب الوشيكة على الجنوب اللبناني، شهدنا تطوراً واضحاً، وهو تقاربٌ بين إيران وروسيا. بالنسبة لإيران التحالف غير الرسمي مع روسيا هو مغري جداً من الناحية الاستراتيجية. 

فطالما كانت إيران وروسيا خصمين منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، وكان المرشد الأعلى السابق يحتقر الشيوعية الملحدة وينظر إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره قوة عدوانية تسعى إلى تقويض النظام الثوري في إيران. إلا أن السياسة الدولية لا تعرف مبدأً ثابتاً ولا تقبل بالأوضاع المحكمة سلفاً. 

تجارب التقارب والتباعد بين الدول تخضع لمقياس المصلحة والمنافع السياسية وحسب. فاليوم تحتاج طهران إلى قوة عظمى داعمة، وروسيا هي التي تلبي متطلباتها. فمن ضمن المجالات التي أصبح التعاون الروسي الإيراني واضحٌ فيها هو مجال الطاقة. نحاول في هذه المقالة معرفة كيفية الاتفاقيات بين روسيا وإيران، ولمن اليد العليا في هذه الاستثمارات؟ وما هي الأرضيات المشتركة بين الطرفين؟

تطوير حقول النفط الإيرانية

حسب موقع “نور نيوز” الإيراني، فقد أكد وزير النفط الإيراني جواد أوجي، أن روسيا الاتحادية ستستثمر في حقول النفط الإيرانية. وقال أوجي في تصريح للصحفيين يوم الجمعة الماضي، إن جميع البنود المدرجة على جدول أعمال العلاقات بين البلدين خلال السنوات الثلاث الماضية تمت مناقشتها في الاجتماع مع رئيس اللجنة الاقتصادية المشتركة الإيرانية الروسية، ومن بينها استثمار روسيا في حقول النفط الإيرانية الجديدة. 

وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان (على اليمين) يحضر اجتماع وزراء خارجية بحر قزوين في موسكو، بحضور وزير خارجية أذربيجان في روسيا في 5 كانون الأول (ديسمبر) 2023. (تصوير سيفا كاراكان/غيتي)

خلال هذه الاجتماعات، نوقشت خطوات التقدم في مجال الصناعة والنفط والغاز ومحطات الطاقة ومحطة بوشهر النووية الثانية والخدمات المصرفية وممر الشمال والجنوب وخط السكك الحديدية رشت – آستارا. حيث تم التوصّل إلى اتفاقيات وقرارات جديدة خاصة في صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات. 

وفقاً لما تم تداوله، يجري حاليا تطوير سبعة حقول نفطية في إيران باستثمارات شركات روسية مختلفة. وقال أوجي، إن 220 ألف برميل من إنتاج النفط الإيراني اليوم تأتي من تلك الحقول في إيران التي استثمر فيها الروس. 

الخبراء الإيرانيون يقومون حاليا بتلبية متطلبات الشركات الروسية في مجالات المنبع والمصب لصناعة النفط، وفي المقابل تقوم الشركات الروسية بتلبية بعض متطلبات صناعة النفط والغاز الإيرانية. وعلى الرغم من ما يبدو من ملامح التعاون المشترك بين البلدَين إلا أن الاستثمارات بين البلدين فيما يقرب من 40 مليار دولار تظل اتفاقيات كلامية ينقصها الفعل والتطبيق. 

روسيا بحسب الباحث في الشؤون الإيرانية، عمار جلو، تسعى إلى أمرين هما:

أولا، أن هذه الاتفاقيات تمثّل محاولة واضحة من روسيا لاسترضاء إيران هذه الفترة. 

ثانياً، تسعى موسكو إلى السيطرة على سلاح الطاقة الإيراني، مما يعني امتلاك روسيا أول وثاني احتياطي نفطي في العالم وبالتالي الضغط على أوروبا. 

ما يدعم وجود قلاقل في مجال النفط الروسي الإيراني، وفق حديث جلو لـ”الحل نت”. التسريبات الخاص بوزير النفط الإيراني السابق حينما تحدث عن وجود متاعب وعقبات روسية تمنع وصول النفط الإيراني إلى أوروبا، هذا فضلا عن حرب التخفيضات التي تتم شرق آسيا وجنوبها والتي يتنافس فيها كلّاً من إيران وروسيا. إلا أن هذا لا يعني أن روسيا لا تستثمر في النفط الإيراني أو الحقوق النفطية، ما دام أن اليد الروسية هي العليا في هذه الاستثمارات.

النفط سلاح روسيا دوليا

 اعتزمت شركات النفط الروسية منذ نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي القيام بسلسلة من الاستثمارات الجديدة لتطوير احتياطيات النفط والغاز الضخمة في إيران، وفقًا لـ تعليقات حديثة من وزير النفط الإيراني، جواد أوجي. 

مليشيات الدم والنار كيف أصبحت إيران القوة الشيطانية في الشرق الأوسط؟ (1)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (وسط)، والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي (يمين) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) (تصوير مصطفى كاماتشي/ غيتي)

محاولات الاستثمارات من روسيا في حقوق النفط الإيراني ليس جديدة، فقد كانت أسس هذا التعاون المكثف قائمة بالفعل قبل أن توقّع إيران على خطة العمل الشاملة المشتركة أو “الاتفاق النووي” في عام 2015، حيث كانت العديد من الشركات الروسية تعمل بالفعل على الأرض في إيران في تلك المرحلة. 

على سبيل المثال، شركة “غازبروم نفط” وقّعت اتفاقيات أولية لاستكشاف وتطوير الحقول النفطية في حقلي (تشانجوله وتشيشمه خوش)، و شركة “زاروبيغنفت” لحقلي (أبان وبيدار غرب)، و شركة “تات نفط” لحقل (دهلوران). وكانت هذه الاتفاقيات إضافية لتلك الواردة في مذكرات التفاهم بين طرفين التي وقعتها شركة “لوك أويل” والشركة “الوطنية” الإيرانية للنفط والتي تركزت على دراسات حقلي النفط (أب تيمور ومنصوري).

المختص بالشأن الروسي طه عبد الواحد، قال لـ”الحل نت”، إنه منذ تولي بوتين الحكم في روسيا عمل على استعادة سيطرة الدولة على هذا القطاع، بعد أن استولت عليه شركات خاصة خلال فوضى مرحلة الخصخصة في تسعينيات القرن الماضي في روسيا. وقد نجح بوتين بهذا الأمر، وتم فرض سيطرة الدولة على قطاع الطاقة.

ويلعب إنتاج النفط والغاز دوراً مهما في السياسة الداخلية في روسيا، على الأقل باعتباره يوفر القدر الأكبر والرئيسي من الإيرادات للميزانية. في الوقت نفسه فإن قطاع الطاقة مهمٌّ جداً في السياسة الخارجية لروسيا، فهو عنصر رئيسي في علاقات روسيا الاقتصادية مع دول العالم، لاسيما، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أوروبا التي كان اقتصادها يعتمد حتى شتاء 2022 إلى حدٍّ كبير على امدادات الغاز الروسي. 

ونظراً للترابط الوثيق بين الاقتصاد والسياسية، فإن الطاقة، بالنسبة لروسيا كما وبالنسبة للدول الأخرى المنتجة للطاقة، أداة مؤثرة في السياسة الخارجية. وإذا أخذنا في الحسبان حديث إدارة معلومات الطاقة الأميركية لعام 2024، فإن روسيا تحتل المركز الثاني في صادرات النفط عالمياً، وهي شريك في اتفاق “أوبك+”، بالتالي يؤثر قرارها في مجال الطاقة على استقرار الأسواق العالمية، مع ما يحمله هذا من تداعيات على المستوى السياسي. 

ليس من المستبعد أن تخضع الاتفاقيات بين روسيا وإيران للعامل المهم هو عامل السلاح، فالسلاح عامل مؤثر بالنسبة لروسيا حالياً، وخاصة أن إيران هي الأكثر كفاءة في عمليات تهريب السلاح. 

المختص في الشأن الإيراني، عمار جلو

ليس ذلك فحسب، بل إن روسيا تستفيد من إيران في إهدار القوات الدفاعية للغرب التي يزوّد بها أوكرانيا، فطائرة “شاهد” من طراز 136 ثمنها لا يتجاوز 20 ألف دولار تم إطلاق صاروخ عليها أو أكثر بما يقدر بـ 50 مليون دولار ، فهذا يُعدّ أمرا فيه إرهاقا ماديا كبيراً للغرب فيما يتعلق بالدعم العسكري لأوكرانيا.

التحالف الروسي الإيراني ودوافعه

هناك أرضية تشكّلت عبر الوقت للاتفاقيات بين الجانب الروسي والإيراني، تمحورت حول تشكيل “جبهة روسية إيرانية” في مواجهة العقوبات والسياسات الغربية، حتى لو كان ذلك على حساب الإيديولوجيات الدينية والعقائدية للبلدين.

متظاهر يحمل لافتة عليها صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مظاهرة دعماً للجالية الإيرانية في مظاهرة “المرأة والحياة والحرية” ضد الإيرانيين النظام في 8 يناير 2023 في روما، إيطاليا. (تصوير ستيفانو مونتيسي/كوربيس)

وتابع  عبد الواحد قائلا، كما أن العلاقات في مختلف المجالات مع إيران، بما فيها ضمناً الاستثمارات الروسية في قطاع النفط الإيراني، عوامل غاية في الأهمية تسهم في تعزيز نفوذ روسيا على المستوى الإقليمي، في منطقة الشرق الأوسط، التي يحمل صاحب النفوذ فيها مفاتيح الأمن والاستقرار العالميين، في المجالات كافة؛ الاقتصاد والسياسة والأمن. 

داخل إيران استعان المرشد الأعلى، علي خامنئي، بنظريتي “الواقعية السياسية” لهانز مورغنثاو، و”الاعتماد المتبادل المعقد” لروبرت كيوهين وجوزيف ناي، التي تؤكد على أن الدول تتصرف وفقاً لمصالحها الوطنية. فروسيا وإيران قد تتجاوزان خلافاتهم الأيديولوجية لتحقيق مصالح استراتيجية مشتركة في مواجهة الضغوط الغربية.

وطبقا للاتفاقيات الأخيرة، يبدو أن كتابات ألكسندر ونت، حول البنائية الاجتماعية التي تشرح كيف تتشكل هويات الدول ومصالحها عبر التفاعل، كانت سببا في أن تكون المواجهة المشتركة مع الغرب قد أدت إلى إعادة تعريف الهويات والمصالح الروسية والإيرانية.

تعاطي خامنئي مع متطلبات بوتين، يسميه داخلياً خصوصا في خطاباته مع الشعب الإيراني، بـ”الخيار العقلاني”، وهو في ذلك يعتمد على فلسفة الجماعات الجهادية المتشددة، فصنّاع القرار يتخذون قرارات منطقية لتعظيم المنفعة. وهنا يرى القادة الروس والإيرانيون أن فوائد التعاون تفوق تكاليف الخلافات الأيديولوجية.

بالنسبة للجانب الإيراني، فمن المهم لطهران أن يكون لها حليف مثل موسكو، لاسيما بعد أن باتت على خصومة تكاد تصل حدّ العداء “والمواجهة الكبرى” عسكرياً مع الغرب. وبالتالي تتلاقى روسيا مع إيران في هذه النقطة، وجاهزة إلى أن تقدم الدعم حتى خارج حدود ما تسمح به مصالحها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات