في الحروب، يتجاوز السلاح وظيفته العسكرية، ليصبح رمزاً للوجود ومصدراً للنفوذ وشاهداً على سنوات القتال. وحين تنتهي الحرب، تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيداً، أين يذهب السلاح، وما مصير أصحابه، وكيف تنتقل القوة التي صنعتها المعارك إلى زمن الدولة؟
العراق يقف أمام هذه المرحلة، سنوات القتال ضد تنظيم “داعش” صنعت للفصائل المسلحة حضوراً واسعاً داخل المشهد العراقي، من مقاتلين وقتلى وجرحى وعائلات إلى قيادات وجمهور ونفوذ سياسي واجتماعي. وفي الوقت نفسه، تتجه الدولة إلى ترسيخ قرار عسكري مركزي لوضع السلاح تحت سلطة المؤسسات الرسمية.
اليوم يتقاطع المساران، حكومة علي الزيدي تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة ودمج الفصائل ضمن مؤسساتها، والفصائل أمام إعادة تعريف لموقعها داخل النظام العراقي. لكن القضية تتجاوز السلاح نفسه، لتصل إلى مصير المقاتلين والتضحيات والحقوق التي ارتبطت بسنوات الحرب.
فالمقاتل الذي خاض معارك ضد “داعش” لا يفقد تاريخه بمجرد دخوله مؤسسة رسمية، والشهيد لا تتغير مكانته بتغير موقع رفاقه، والجرحى وعائلات القتلى يحتاجون إلى ضمان حقوقهم مع انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة.
القوة التي تبحث عن مكان جديد
القوة العسكرية خارج المؤسسة الرسمية تمنح صاحبها مساحة من الاستقلال، لكنها تضعه أمام أسئلة تتعلق بمصدر القرار، وطبيعة العلاقة مع الدولة، وحدود استخدام السلاح، وموقعه من قرار الحرب والسلم.
أما القوة داخل المؤسسة، فتعمل وفق قواعد مختلفة. الرتبة تصبح جزءاً من نظام رسمي، والراتب حقاً وظيفياً، والتقاعد إطاراً قانونياً، والسلاح تابعاً للمؤسسة الرسمية، والقرار العسكري يمر عبر تسلسل قيادي معروف.
هذه النقلة قد تعني خسارة جزء من الاستقلالية بالنسبة إلى قيادات الفصائل، لكنها تمنح المقاتلين والأفراد إطاراً أكثر وضوحاً للاستمرار.
الصحافي والباحث السياسي محمد الناصري، يرى خلال حديث لـ”الحل نت”، أن انتقال الفصائل المسلحة إلى مؤسسات الدولة يمكن أن يحافظ على جزء من نفوذها السياسي والاجتماعي، معتبراً أن هذا النفوذ يمكن أن ينتقل من خارج المؤسسات إلى داخلها.
ويشير الناصري، إلى أن اندماج الفصائل في المؤسسات الأمنية يحتاج إلى ضمانات واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق المقاتلين والتمويل والرواتب، فيما يضع الناصري، الاقتصاد في قلب مخاطر أي تصعيد، محذراً من أن العقوبات والضغوط الدولية قد تؤثر في القطاع المصرفي وحركة الأموال، وتنعكس آثارها على المواطن العراقي.
هذه الرؤية تضع الدولة أمام مسؤولية موازية، فحصر السلاح يحتاج إلى عملية مؤسسية متكاملة، لا إلى مطالبة المقاتل بتسليم سلاحه ثم ترك مستقبله مجهولاً.
المقاتل يحتاج إلى معرفة موقعه الجديد وراتبه وتقاعده وحقوق عائلته، فيما تحتاج الدولة إلى تحديد موقع القيادات وآليات الانتقال، وضمان بقاء المؤسسة خاضعة لسلسلة قيادة واحدة. الاندماج ليس تغييراً في الزي؛ المشكلة تبدأ حين يتحول الاندماج إلى إجراء شكلي.
ارتداء الزي العسكري الرسمي لا يكفي لصناعة مؤسسة، والراتب الحكومي لا يكفي لإنهاء استقلال القرار. الاندماج الحقيقي يعني انتقال القرار من قيادات الفصائل إلى قيادة الدولة أيضاً.
الفصائل المسلحة.. بين من يدخل الدولة ومن يتمسك بالسلاح
من هنا تصبح ملفات القيادة والانتشار والسلاح والأوامر والترقية والمحاسبة أهم من مراسم الانتقال نفسها. الدولة تستطيع استيعاب آلاف المقاتلين داخل مؤسساتها، لكن نجاح العملية يرتبط بقدرتها على جعل هؤلاء جزءاً من النظام المؤسسي، لا امتداداً تنظيمياً لتشكيلات مسلحة سابقة.
أما إذا دخلت التشكيلات إلى المؤسسات مع احتفاظها بقياداتها وقرارها العسكري المستقل، فإن المشكلة ستنتقل من خارج الدولة إلى داخلها، وهو ما يجعل إعادة تنظيم القوة أكثر تعقيداً.
هذا المسار لا يجمع الفصائل كلها. “سرايا السلام” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” اتجهت نحو التعامل مع مسار حصر السلاح بيد الدولة، في حين بقيت “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء” ضمن أبرز الجهات الرافضة للتخلي عن قدراتها العسكرية بالشروط المطروحة، وتربط مستقبل السلاح بانسحاب “كل القوات الأجنبية وتحقيق السيادة”.
نجاح الاندماج يقترن بالخضوع للنظام المؤسسي وليس الامتداد التنظيمي
ارتبط خطاب الفصائل المسلحة على مدى سنوات بالتضحيات التي قدمها مقاتليها في مواجهة “داعش”. وهذه التضحيات تمثل جزءاً من الذاكرة السياسية والاجتماعية العراقية، لكن الاعتراف بالتضحيات يختلف عن طريقة إدارة القوة بعد انتهاء المعركة.
الناصري يرى، أن التاريخ سيحتفظ بما جرى خلال السنوات الماضية، إذا ذهبت الفصائل نحو الدولة ومؤسساتها، مؤكداً أن ما قدمه المقاتلون سيبقى جزءاً من الذاكرة.
يمكن الاعتراف بهذه التضحيات وحفظ حقوق أصحابها، وفي الوقت نفسه بناء دولة تحتكر القرار العسكري. فالمقاتل الذي قاتل ضد “داعش” يستطيع أن يصبح جزءاً من مؤسسات الدولة، والشهيد يمكن أن يبقى جزءاً من الذاكرة الوطنية، والجرحى وعائلاتهم يحصلون على حقوقهم عبر المؤسسات.
الصدام يغير معنى المرحلة.. كذلك الاقتصاد
أكثر ما يخشاه الشارع حالياً، هو سيناريو يتردد صداه كثيراً في البرامج التلفزيونية السياسية العراقية، وهو خيار المواجهة بين الفصائل والدولة، في حال استمرار تعنت الفصائل المتشددة برفض تسليم السلاح والاندماج، وهذا لو حصل، يعني انتقال العراق من ملف سياسي وأمني إلى أزمة داخلية مفتوحة.
المتخصص في الشأن السياسي عمر عادل يقول لـ “الحل نت”، إن الفصائل التي تدخل مؤسسات الدولة تستطيع أن تجعل قراراتها جزءاً من القرار الحكومي، بحيث تصبح القضايا المتعلقة بالسلم والحرب خاضعة للمؤسسات السياسية والدستورية وللقائد العام للقوات المسلحة.
ويرى عادل، أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة قد يدفع العراق إلى ضغوط سياسية واقتصادية، خصوصاً إذا ارتبط الملف بعقوبات أو مواقف دولية، لا سيما من قبل الولايات المتحدة الأميركية.
أما في حال تحول الخلاف إلى مواجهة مسلحة، فيعتقد عادل، أن الفصائل ستدخل اختباراً صعباً أمام جمهورها، مضيفاً، أن استمرار الصراع قد يؤثر في صورتها الاجتماعية والسياسية، فالفصائل التي تشكلت في سياق مواجهة الإرهاب ستجد نفسها، في هذه الحالة، أمام احتمال مواجهة مؤسسات وأبناء الدولة نفسها. وستكون الصورة مختلفة عن تلك التي ارتبطت بسنوات الحرب على “داعش”، وما قدمته تلك الفصائل من تضحيات.
يضاف إلى ذلك، أن الكلفة وإن كانت ستصبح باهظة الثمن، إلا أنها لن تكون عسكرية فقط، فالمؤسسات والاقتصاد والاستثمار والمواطن ستتأثر جميعها بأي أزمة أمنية واسعة.
اقتصاد العراق كما هو معروف وموثق في موازناته المالية السنوية، هو اقتصاد شديد الارتباط بعائدات النفط، وبالتالي فإن أي أزمة أمنية واسعة يمكن أن تترك آثاراً تتجاوز ساحات المواجهة.
الناصري يلفت إلى هذا الجانب، محذراً من احتمال توسع الضغوط المالية والمصرفية في حال تحول الخلاف إلى أزمة دولية، معتبراً أن آثار العقوبات قد تصل إلى القطاع المصرفي وجيب المواطن نفسه، وهذا الأمر سيجعل ملف السلاح مرتبطاً بملفات أخرى، بينها المصارف والتحويلات والاستثمار والعلاقات الدولية وثقة الأسواق.
لذلك فإن الصدام قد يجعل الفصائل نفسها أمام مشكلة تتجاوز الحفاظ على السلاح، وقد يضع البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها أمام ضغوط إضافية.
30 أيلول “محطة لا نهاية”.. التضحيات تحتاج إلى خاتمة تحفظ معناها
حكومة الزيدي سبق أن حددت موعد مسار حصر السلاح بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2026، فيما قال مستشار الحكومة الأمني قاسم الأعرجي في آب/ أغسطس الماضير إن 30 أيلول يمثل بداية التفاهمات مع الفصائل، وليس بالضرورة موعداً نهائياً لتسليم الأسلحة. والأربعاء المنصرم، قال زعيم “ائتلاف دولة القانون” نوري المالكي، إن برنامجاً وجدولاً زمنياً لحصر السلاح سيُعلنان في هذا التاريخ.
وذكرت تقارير صحفية قبيل أيام وجيزة، أن رئيس الوزراء علي الزيدي حدد 30 حزيران/ يونيو 2027 موعداً لاستكمال نقل أسلحة الفصائل إلى الدولة، بعد مرحلة أولى تتضمن وقف هجمات الفصائل لمدة 90 يوماً ضد أي طرف أو دولة.
وبذلك يبدو الملف أقرب إلى عملية سياسية وأمنية متدرجة، لا إلى قرار ينفذ في يوم واحد. آليات الدمج، وحقوق المقاتلين، ومستقبل القيادات، ووضع الأسلحة، وطبيعة العلاقة بين الحكومة وهيئة “الحشد الشعبي” والفصائل، كلها ملفات ستحدد شكل المرحلة المقبلة. لذلك فإن الاختبار يبدأ مع تنفيذ المسار، لا عند الإعلان عنه.
المسار الأمني ينطلق بجدول زمني يوازن بين سيادة الدولة وضمان الحقوق
لا يمكن محو ما قدمه المقاتلون خلال سنوات الحرب. التاريخ سيحتفظ بالقتلى والجرحى والمعارك والمدن التي شهدت القتال، لكن طريقة إدارة مرحلة ما بعد الحرب ستحدد موقع هذه التضحيات في المستقبل.
الانتقال إلى الدولة يمكن أن يجعل هذه التضحيات جزءاً من بناء مؤسسة رسمية، ويمنح المقاتلين حقوقاً واضحة، ويضع خبرتهم داخل منظومة قانونية، ويحفظ للعائلات ما تستحقه. أما تحول الخلاف إلى صدام داخلي، فقد يفتح فصلاً جديداً يجعل تلك التضحيات مرتبطة بكلفة سياسية وأمنية مختلفة عن السياق الذي قُدمت فيه.
لهذا، فإن القضية لا تتعلق بمصير السلاح وحده، وإنما بكيفية إدارة القوة التي نشأت خلال سنوات الحرب، وكيف يمكن نقلها إلى مرحلة جديدة من دون إهدار ما ترتب عليها من حقوق وذكريات وخبرات. القوة التي خرجت من ساحات القتال يمكن أن تجد مكاناً داخل مؤسسات الدولة، بينما يبقى تاريخ مقاتليها وضحاياها جزءاً من الذاكرة العراقية. وفي هذه النقطة، يصبح مستقبل السلاح مرتبطاً بمستقبل أصحابه وبالطريقة التي ستُكتب بها نهاية هذه المرحلة.
- صون التضحيات وبناء السيادة.. طريق الفصائل نحو مظلة الدولة العراقية
- أميركا تعيد 36 قطعة أثرية منهوبة من سوريا
- “لا مؤتمر إعادة إعمار سوريا”.. دمشق تنتقد غياب مسار دولي لتمويل مرحلة التعافي
- بعد إعلان توقيف أحد المتهمين.. ماذا نعرف عن “مجزرة العتيبة” بريف دمشق؟
- مفتي السعودية يدعو لتوحيد الصفوف ضد جماعة “الحوثي”

