على مدى الأشهر السابقة، اتهمت طهران دمشق بأن الخروقات والتسريبات الأمنية التي أدت إلى اغتيال قادة “الحرس الثوري” في سوريا وكذلك بعض كوادر “حزب الله”، تحظى بغطاء سياسي وأمني على مستوى عالٍ.

حادث لونا الشبل المستشارة الخاصة للرئيس السوري، بشار الأسد، والذي أدى إلى مقتلها، جرت بعض التكهنات حوله، أبرزها أن الأخيرة كانت تقود خليه داخل القصر الجمهوري، تسرّب معلومات إلى إسرائيل عن تحركات الإيرانيين واللبنانيين داخل سوريا، ويعاونها في ذلك أخوها العميد ملهم الشبل.

إلا أن الغريب وعقب إعلان وفاة الشبل بيوم، اقتنصت إسرائيل أرواح أبرز شخصين كانا متواجدين حاليا في سوريا بعد الاستهداف الذي وقع على مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، وهو بما لا يدعُ مجالاً للشك أنها رسالة من تل أبيب فحواها: “الجاسوس ما زال في دمشق”.

على طريق يعفور

على ذات الطريق الذي وقع فيه حادث لونا الشبل، وبعد إنهاء حياتها وفريقها ونشر أنه وراء التسريبات حول تحركات القيادات الإيرانية في سوريا مما أدى لقتلها بضربات إسرائيلية، تعود اليوم تل أبيب لتوجيه ضربة قاصمة.

مقتل المرافق السابق لنصر الله بغارة إسرائيلية قرب دمشق – إنترنت

بطائرة مسيرة استهدفت سيارة قرب حاجز للفرقة الرابعة في منطقة جديدة يابوس بريف دمشق، وذلك أثناء مسيرها على طريق بيروت – يعفور، بالقرب من مفرق الصبورة. 

الغارة أدت إلى احتراق السيارة بشكل كامل، ومقتل ثلاثة أشخاص كانوا  بداخلها، السائق السوري والقيادي في “الحرس الثوري” الإيراني العميد علي أكبر سوهاني، والحاج أبو الفضل قرنبش، المرافق السابق للأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصرالله. 

وفقاً لحسابات لبنانية وعراقية مطلعة، فإن القتيل الأبرز في الضربة الإسرائيلية عبر الصورة التي يتم تداولها لما يسمى سوهاني، هو قائد القوات البرية في الجيش الإيراني كيومرث حيدري، وأن مرافق حسن نصرالله كان مجرد حارس شخصي. وإذا صحت المعلومة فهذا يعني أن الجيش الإيراني الرسمي دخل على خط العمليات في سوريا ولبنان.

أما مرافق نصرالله الذي شيّع بعد ساعات من مقتله في مقام السيدة زينب بدمشق، فاسمه الحقيقي هو ياسر نمر قرنبش، من مواليد عام 1970 من بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان، وكان يلقب بـ”درع الأمين” كناية عن حراسته لقائد “حزب الله”.

قرنبش ووفق المتداول، هو مسؤول التنسيق بين هيئة العمليات في الجيش السوري و”حزب الله”، وقائد الوحدة المسؤولة عن نقل السلاح إلى لبنان، وعلاقته مقتصرة على المستوى الأعلى في الجيش السوري. 

خلية التجسس

في نيسان/أبريل الفائت، كشفت صحيفة “الجريدة” الكويتية عن معلومات متفجّرة تهدد بقلب موازين القوى في المنطقة. فقد وجّهت طهران أصابع الاتهام نحو حليفها المفترض في دمشق، متهمة إيّاه بالتواطؤ في عمليات اغتيال قادتها على الأراضي السورية.

الاستهدافات الإسرائيلية في دير الزور وحلب القضاء على فائض القوة الإيرانية؟ استهداف إسرائيل سوريا دير الزور حلب إيران
سفير إيران لدى سوريا، حسين أكبري (وسط) يسير بالقرب من مبنى ملحق بالسفارة بعد يوم من غارة جوية في دمشق في 2 أبريل/نيسان 2024. (تصوير لؤي بشارة/وكالة الصحافة الفرنسية)

وفي تسريب دراماتيكي من قلب المؤسسة الأمنية الإيرانية، أفاد مصدر رفيع المستوى في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بأن الأجهزة الاستخباراتية قدمت تقريراً مثيراً للقلق. هذا التقرير، الذي يبدو وكأنه مستوحى من رواية تجسس، يشير إلى احتمال تورط السلطات السورية في سلسلة من عمليات الاغتيال التي استهدفت كبار القادة الإيرانيين على الأراضي السورية.

وفي تطور دراماتيكي يكشف عن تصدعات في العلاقات الإيرانية-السورية، كشفت مصادر مطلعة عن خلافات حادة تعصف بتحالف طال أمده بين دمشق وطهران. وفي قلب هذه العاصفة السياسية، يبرز ملفّان شائكان: قضية “جواسيس دمشق” المثيرة للجدل، والموقف من الصراع في غزة.

مشهد يشبه لعبة شدّ الحبل الدبلوماسية، تبادلت دمشق وطهران الضغوط، مستخدمة الورقة الاقتصادية كسلاح في هذه المواجهة الصامتة. فمن جهة، لوّحت إيران بورقة الديون المستحقة، مطالبة الحكومة السورية بتسديد فواتير دعمها الطويل. 

وفي المقابل، يبدو أن دمشق تستخدم سياسة المماطلة في التعامل مع ملف الجواسيس المزعومين داخل منظومتها الأمنية، في خطوة تبدو وكأنها ردّ فعل على الضغوط الإيرانية.

وفي تعقيد إضافي لهذا المشهد المتوتر، تظهر قضية الاستثمارات الإيرانية في سوريا كنقطة خلاف أخرى. فبينما تسعى طهران لتعزيز نفوذها الاقتصادي في الأراضي السورية، يبدو أن دمشق تتردد في فتح الأبواب على مصراعيها أمام هذه الطموحات الإيرانية. 

وفق مصادر صحفية، فإنه بالتزامن مع حادث تحطّم مروحية الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، في مايو/أيار الفائت، قامت استخبارات “الحرس الثوري” الإيراني بعملية مداهمة جريئة للقصر الجمهوري، مستخدمة سيارات إسعاف كغطاء، لاعتقال شبكة من الضباط المقربين من لونا الشبل، المستشارة الخاصة للرئيس بشار الأسد.

وسط هذه الأجواء المشحونة، برزت أسماء بارزة في قائمة المعتقلين، من بينهم العقيد جعفر الصالح من لجنة مكافحة الفساد، والعقيد منهل سليمان من “الحرس الجمهوري”. 

وفي تطور لافت، وقبل أسبوع اعتقلت استخبارات “فيلق القدس” العميد ملهم الشبل شقيق لونا الشبل، وتم الكشف عن اتهامات خطيرة بالتجسس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يضيف بُعدًا جديدًا لهذه القضية المعقدة.

عملية الاغتيال الأخيرة تشير بما لا يدعُ مجالا للشك، أنها رسالة إسرائيلية تقول بأن “الجاسوس ما زال في دمشق”، فبينما تتصاعد التوترات بين طهران وتل أبيب، يبدو أن دمشق قد وجدت نفسها في عين العاصفة، وهذه الرسالة المشفرة، التي تحمل في طياتها تهديدًا مبطّناً وتحدياً صريحًا، تثير تساؤلات عديدة: مَن هو هذا الجاسوس؟ وما هي المعلومات التي يمتلكها والتي تجعله ذا قيمة كبيرة لدرجة أن تتفاخر إسرائيل بوجوده في قلب العاصمة السورية؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات