تبدو روسيا منخرطة في تصوراتها الخاصة نحو مناطق تموضعها في الشرق الأوسط، رغم كافة التغيرات التي حدثت في هذا الشأن، خاصة ما طالعته في سوريا عقب سقوط حليفها بشار الأسد. إذ وقع انزياح هام ولافت في مراكز القوى الإقليمية التقليدية التي تمركزت في سوريا خلال عقد كامل، مع سقوط نظام بشار الأسد صريعًا في أيام معدودات، مما جعل أفق الحضور الروسي في سوريا المستقبل محل سؤال هام وعميق في ورقة امتحان السلطة الجديدة في دمشق.
السلطة الجديدة في دمشق، وعلى رأسها أحمد الشرع، الذي استقبل مكالمة هاتفية من نظيره الروسي فلاديمير بوتين لمناقشة مستقبل الحضور الروسي في سوريا، لا سيما من خلال قواعده العسكرية الجوية والبحرية في حميميم وطرطوس، أجابت بقدرتها على الانفتاح على الجميع، وأن المصلحة العامة هي التي ستحسم الأمر، مما يعني أن ثمة اتفاقًا يلوح في الأفق بشأن تموضع الوجود الروسي في سوريا.
يمثل الامتحان الذي ينبغي على رجال السلطة في دمشق تجاوزه بنجاح اختبارًا في هيئتين؛ على المستوى الداخلي، حيث يترقب السوريون حياةً وصيغة حكم عادلة بحق الجميع، كما ينظرون إلى سلطات بلادهم الجديدة وهي تمتلك القدرة على الانفتاح السياسي والدبلوماسي دون الوقوع في فخ الإملاءات والتوصيات المباشرة، خاصة من الدول التي تحالفت بالكلية مع نظام الأسد الأب والابن، وتُعد شريكًا رئيسًا في كل جرائمه ضد الشعب السوري.
براغماتية غير محسوبة
على المستوى الإقليمي والدولي، حيث يتوجب على السلطة الجديدة ضبط بوصلة علاقاتها ونمط توجهاتها الاستراتيجية ضمن الجغرافيا السياسية لبلد هام وحيوي ومؤثر كسوريا، سواء إقليميًا أو دوليًا. وربما من الصعوبة بمكان أن تنظر الدول الأوروبية بارتياح إلى السلطة الجديدة في دمشق، وهي تنتوي المضي قدمًا في عقد أي اتفاق مع موسكو بشأن وجودها العسكري أو استقبال دعم اقتصادي والمشاركة في جهود إعادة الإعمار.

لا شك أن منسوب العلاقات الأميركية-الروسية بلغ درجة من التوتر الأقصى على هامش الحرب الروسية-الأوكرانية، وما أفضت إليه من تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي والدولي. إذ يرى البعض أن مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يمنح فرصة ومساحة استثنائية لموسكو وللرئيس الروسي بوتين من جديد في مشهدية الشرق الأوسط، لكن ذلك أمر عسير المنال، ويواجه تحديات عميقة ترتبط بديناميات السياسة الأمريكية الداخلية، فضلاً عن تعقيدات الموقف الأوروبي ورؤيته لمحددات الدور الروسي، اتساقًا مع تفاعل الدور الأوروبي داخل سوريا، خاصة فرنسا وألمانيا.
هذا الأمر يجعل النظر إلى تلك الفرضية مسألة ليست باليسيرة، فضلاً عن الرأي العام المحلي في سوريا، الذي راكم مشاعر القطيعة مع نظام الأسد خلال عقود، وهي تتماهى مع موسكو وطهران، مما يدفع المجتمع السوري لوضع الإدارة الجديدة في دمشق محل معارضة متى ما شرعت في الانخراط بشكل إيجابي مع موسكو خلال الأفق المنظور.
إلى ذلك، تبدو واشنطن غير راغبة في منح إدارة الرئيس أحمد الشرع الصلاحية المطلقة ورفع ثقل العقوبات دون التيقن من ممارسات الواقع السياسي، وكيفية التعامل مع الملفات العديدة التي تواجهها. غير مرة خلال الشهرين الأخيرين، ومنذ لحظة سقوط نظام بشار الأسد، تحدث مسؤولون أوروبيون عن مسألة رفع العقوبات عن سوريا، وارتباط ذلك بغياب أي نفوذ جديد لموسكو في سوريا المستقبل. وهو الأمر الذي ترجمه مؤتمر باريس مؤخرًا بحزمة من الإجراءات الداعمة للمرحلة الانتقالية في سوريا، بيد أن ذلك سيصبح محل تساؤل إذا ما سمحت إدارة الشرع، ببراغماتية غير محسوبة، لروسيا بمعاودة الظهور من جديد في الفضاء السوري.
قمّة الرياض
ثمة أنباء نقلها موقع “بلومبيرغ” خلال الأسبوع الماضي – عن مصادر مطلعة – تفيد بأنه من المرجح أن تحتفظ روسيا بوجود عسكري مخفض في سوريا، في ظل اقتراب موسكو من اتفاق مع الحكومة الجديدة يسمح لها بالاحتفاظ ببعض الموظفين والمعدات في البلاد.

وفي هذا السياق، أوضح وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، سابقًا أن بلاده منفتحة على استمرار الوجود العسكري الروسي في قاعدتي طرطوس وحميميم، متى كان ذلك يخدم المصالح السورية، بحسب ما قاله في لقاء مع صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية. بينما ألغت الإدارة السورية الجديدة خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي عقدًا مع شركة روسية لإدارة وتشغيل ميناء طرطوس غربي البلاد، كان قد أُبرم خلال عهد نظام الأسد.
ربما يمكن فهم هذا الأمر، وتلك التسريبات بشأن اتفاق مرتقب بين موسكو ودمشق لاستمرار الحضور العسكري الروسي، ولكن بشكل “مخفض”، ضمن مسار التحرك التكتيكي للشرع للضغط على الأوروبيين والأمريكيين بشأن رفع العقوبات، مما يجعل حالة الضغط الأقصى بين كل الأطراف فاعلة وحاضرة في الأفق المنظور.
في هذه الأثناء، جمعت العاصمة السعودية الرياض قمة روسية-أميركية على مستوى وزراء الخارجية لمناقشة الحرب في أوكرانيا، والحد من سباق التسلح، وما يتصل بمنسوب الأمن والسلام في الشرق الأوسط.
فهم البعض هذا اللقاء باعتباره خطوة أولى قد تفضي إلى اجتماع على مستوى الرئيسين الأميركي والروسي قبل نهاية هذا الشهر، وما يحمله من تصورات تتعلق بآمال السلام بين موسكو وكييف، والطريق الطويل الذي ينبغي أن يقطعه الطرفان للوصول إلى تلك اللحظة.
هل ترفع العقوبات؟
حسم توم حرب، مدير التحالف الأميركي شرق أوسطي للديمقراطية، تقديره بشأن القمة التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض بين الروس والأميركيين، بأنها لم تتطرق إلى الوضع السياسي والاستراتيجي في سوريا.

وتابع توم حرب، عضو الحزب الجمهوري، حديثه إلى “الحل نت”، قائلًا إن القضية المركزية في تلك المباحثات تعلقت بمسألة وقف القتال في أوكرانيا، وصيغة المفاوضات المقبلة بين الرئيسين بوتين وترامب بشأن الوضع هناك. ويرى حرب أن الاستفادة الكبيرة من تلك المباحثات تمثلت في سعي إدارة ترامب إلى فك الارتباط بين روسيا وإيران، والعمل على تفكيك برنامجها النووي، وكذلك الوضع في غزة.
كما أشار عضو الحزب الجمهوري إلى أن هناك دورًا عربيًا يتشكل بين إدارة ترامب والرياض، وربما تلك المساحة الممنوحة قد تعطي المملكة العربية السعودية القدرة على المضي نحو تنفيذ عملية التطبيع مع إسرائيل. مشيرًا إلى أن سيناريوهات الوضع السياسي في سوريا واستراتيجية العمل في الأفق المنظور لا تزال قيد الدراسة في البيت الأبيض ومراكز الأبحاث، وكذا في إدارة ترامب، لتصبح قيد المناقشة والحسم خلال الفترة المقبلة.
ويقول حرب إن ثمة تضاربًا في الآراء بين الأوروبيين والولايات المتحدة بخصوص أوكرانيا، لكنه يشير إلى أن الرئيس الأوكراني لم يدرك المتغيرات التي طرأت بعد فوز الحزب الجمهوري في انتخابات مجلس النواب، وأن الشعب الأمريكي، خاصة الجمهوريين، كان لهم صوت واضح بوقف المساعدات إلى أوكرانيا، وذلك لاقتناعهم بضرورة إنهاء هذا القتال.
ويضيف أن الأميركيين انتخبوا رئيس مجلس نواب جديدًا ليعكس مطالبهم، لكن زيلينسكي لم يفهم هذا، كما أن الأوروبيين لم يدركوا توجهات الشعب الأميركي حتى الآن. كما أن ملامح رؤية واشنطن لسوريا من خلال تحوط أميركي مرتبط بتوجهات الإدارة الجديدة، ومراقبة الرئيس الجديد أحمد الشرع، كون البعض في إدارة ترامب يقولون: “الجهادي ليس بإمكانه أن يصبح ديمقراطيًا”، ومن خلال ذلك، قد تبدو آلية العقوبات ومراحل رفعها مرهونة بذلك الترقب.
ماذا بعد؟
تدرك روسيا جيدا أن إعادة إنتاج الماضي قد يبدو صعبًا للغاية ومطالعة ميزان القوى في سوريا لصالحها أمر بعيد المنال، خاصة وأن المتغيرات التي عرفتها المنطقة خلال الشهور الأخيرة معقدة، الأمر الذي يجعل من سيناريو الحضور الروسي في الجغرافيا السورية كما كان في نظام الأسد ليس يسيرًا ولا متاحًا، وذلك بفعل ديناميات بعض القوى الفاعلة إقليميا ودوليا في الملف السوري.
لغة البراغماتية التي تنتهجها الإدارة الجديدة في ملف علاقاتها بالدول الفاعلة، خاصة على مستوى روسيا وإيران، وتغير منسوب هذا الحديث على لسان الرئيس ووزير الخارجية لن يحقق لهم فائض قوة في إدارة السياسة الخارجية لسوريا المستقبل، كون حجم التغيرات التي بدت على المنطقة عقب أحداث تشرين الأول أثقل بكثير من تصور قدرات سلطة في مرحلة انتقالية ممارسة تأويل الأحاديث.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

