من الحرب إلى غلاء المعيشة.. كيف يصمد السوريون أمام تكاليف المائدة الرمضانية؟ 

شهر رمضان

يأتي شهر رمضان هذا العام في ظل أوضاع مختلفة يعيشها السوريون عقب سقوط نظام الأسد الذي حكم البلاد لأكثر من خمسين عاما، بعد أن انتقل الحكم من الأسد الأب إلى الابن بشار، وسنوات عمّتها الصراعات والنزوح، ليستقبل السوريون الشهر في أجواء أكثر حرية. 

وعلى الرغم من التغيرات السياسية التي تشهدها سوريا منذ كانون الأول/ يناير الماضي، إلا أن تداعيات الأوضاع الاقتصادية المُعقدة ظلت مستمرة بعد دمار طال البنية التحتية، خلال حرب عصفت بالبلاد، على مدار أكثر من عقد، لتنغّص على السوريين فرحتهم بانتصار الثورة وسقوط النظام البائد. 

تحديات تؤثر على العادات الرمضانية

تؤثر التحديات والصعوبات التي تثيرها الأزمة الاقتصادية الحادة في سوريا، على طقوس وعادات السوريين واحتفالاتهم بشهر رمضان، حيث تتقلص فرص قدرة المواطن على الإنفاق المالي خلال الشهر. 

تقول أرقام برنامج الغذاء العالمي، إن نحو 13 مليون سوري، يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يمثل أكثر من نصف السكان، مع وجود نحو 3 ملايين شخص في ظروف جوع حادة. 

بينما كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الخميس، عن ارتفاع معدل الفقر بين السوريين من 33 بالمئة قبل الحرب إلى 90 بالمئة حاليًا، بينما بلغت نسبة الفقر المدقع 66 بالمئة،  كما أن 9 من كل 10 أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وإن واحدًا من كل أربعة عاطل عن العمل، بسبب التداعيات السلبية للحرب خلال الأعوام السابقة. 

في العام الذي سبق اندلاع الحرب، كان الناتج المحلي الإجمالي لسوريا 62 مليار دولار، وكان لديها معدل نمو يتجاوز 5 بالمئة على مدار الخمس سنوات السابقة، أما حاليًا، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي أقل من نصف ذلك، بحسب الأمم المتحدة. 

أسعار السلع الغذائية 

على الرغم من الانخفاض الطفيف في أسعار السلع الغذائية، منذ سقوط نظام الأسد، إلا أن ضعف رواتب الموظفين، ما زال يثقل كاهلهم، وجعل من بعض المواد الغذائية الأساسية ترفًا بعيد المنال بالنسبة للكثيرين. 

تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الغنم 150 ألف ليرة سورية (15.54 دولارا أميركيا)، في حين يبلغ سعر كيلو اللحم المفروم 130 ألف ليرة (13.47 دولارا أميركيا)، أما الدجاج، وهو البديل الأرخص تقليديًا، فقد أصبح هو الآخر مكلفًا، حيث يباع الكيلو بـ 55 ألف ليرة (5.69 دولارات)، بينما يصل سعر الدجاجة الواحدة إلى 30 ألف ليرة (3.1 دولارات أميركية). 

وبلغ سعر كيلو الغرام من الأرز 10 آلاف ليرة سورية (1.03 دولار أميركي)، بعد أن كان 16 ألف ليرة (ما يقارب 1.6 دولار) في عهد النظام السوري السابق، أما الزيت النباتي، فقد انخفض إلى 17 ألف ليرة للتر الواحد (1.7 دولار) بعد أن كان 25 ألف ليرة (ما يقارب 2.5 دولار). 

وبحسب سعر صرف اليوم الأربعاء، فإن كل دولار أميركي بسعر 9,850 ليرة في السوق الموازي، بينما استقر السعر المنشور من قبل “المصرف المركزي” عند 13,200 ليرة مقابل الدولار. 

هذا وبلغ التضخم مستويات قياسية مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بأكثر من 2000 بالمئة، وفي ظل هذا الوضع انخفض دخل العاملين بشكل كبير، حيث أصبح راتب الموظف الحكومي لا يتجاوز 30 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي سوى لبضعة أيام. 

تكلفة وجبة الإفطار  

تختلف تكلفة وجبة الإفطار من عائلة لأخرى، لكن هناك تقديرات بأن تكلفة وجبة إفطار لعائلة صغيرة خلال شهر رمضان تكون بمتوسط 150 ألف ليرة سورية (ما يقارب 15 دولارًا). 

وبحسب “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة”، فإن متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، تجاوز حاجز 14 مليونًا و500 ألف ليرة سورية، فيما وصل الحد الأدنى لتكاليف المعيشة إلى نحو تسعة ملايين و100 ألف ليرة سورية، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين مستويات الدخل ومتوسط تكاليف المعيشة الآخذة بالارتفاع باستمرار. 

رغم إعلان “الإدارة السورية الجديدة” رفع الرواتب بنسبة 400 بالمئة، وهو ما لم يطبق بعد، فإن قيمة الرواتب لا تزال أدنى بكثير من حجم احتياجات العائلة التي باتت تقترب من عشرة ملايين ليرة سورية، ومن المتوقع أن يصل أقل راتب للموظفين بعد الزيادة الأخيرة إلى مليون و200 ألف ليرة سورية (120 دولارًا). 

وأرجع تقرير صادر عن مركز “حرمون للدراسات الاستراتيجية”، انخفاض أسعار السلع والمواد الغذائية في معظم مناطق سوريا، مقارنة بما كانت عليه أيام النظام البائد، إلى تراجع سعر صرف الدولار، وإزالة الحواجز الأمنية التي كانت تفرض إتاوات على السلع، إضافة إلى دخول منتجات من الدول المجاورة مثل تركيا والأردن. 

تراجعت العملة السورية أكثر من 99 بالمئة من قيمتها منذ اندلاع الحرب، بعدما كان التداول يجري بواقع 47 ليرة للدولار، وبلغت مستوى 28 ألف ليرة مقابل الدولار في أواخر عهد النظام. 

معطيات تعكس الوضع السيء  

السوريون اعتادوا على الاستعداد لاستقبال شهر رمضان بالتسوق واكتظاظ الأسواق، لكن اختفت تلك المظاهر نسبيًا وسط تساؤلات عما إذا كان المواطن السوري سيلجأ إلى التقشف والاكتفاء بأبسط الأطعمة، وكيف سينفق خلال الشهر في ظل كل تلك المعطيات. 

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السوري، شريف شحادة، في تصريحات خاصة لموقع “الحل نت“، إن شهر رمضان بدا على الأبواب والسوريون لن يكونوا قادرين على الإنفاق والتكيف مع تكاليف الشهر، مؤكدًا أنهم سيواجهون وضعًا سيئًا. 

وأفاد بأن معطيات المشهد تؤكد أن سوريا تواجه أزمة اقتصادية ومالية غاية في الصعوبة، وأن المواطن السوري يواجه صعوبات كثيرة، منها عدم ثبات الأسعار وتذبذب سعر الدولار بين الارتفاع والانخفاض، إضافة إلى المقاطعة التي كانت مفروضة على سوريا من “الاتحاد الأوروبي” والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول العربية. 

وأضاف أيضًا أن هناك نقصًا بالعمالة السورية التي هاجر معظمها خارج البلاد التي وصلت إلى حدّ المأزق الاقتصادي، مما انعكس على المواطن السوري، كما سلط الضوء على وضع “البنك المركزي”، موضحًا أنه يعاني إفلاسًا، ولم يدفع رواتب الموظفين منذ ثلاثة إلى أربعة أشهر. 

وقال إن الشعب السوري قبل عام 2011 كان يعيش في أوضاع اقتصادية جيدة وكان الوضع الأمني والاستقرار سيد الموقف، بينما الآن الوضع الأمني غير مستقر وليست هناك خطة اقتصادية من قبل الدولة لإنعاش السوق السوري، مشددًا على ضرورة أن تقوم “الإدارة السورية” بدراسة بدائل للنهوض بالاقتصاد السوري. 

ارتفاع القوة الشرائية 

بدوره، أكد الخبير الاقتصادي ماجد المصطفى، أن السوريين عامة وبشكل خاص موظفي القطاع العام يواجهون صعوبات مالية كبيرة، ناجمة عن تأخر الرواتب من قبل الدولة، في حين أن العاملين في القطاع الخاص أوضاعهم وعوائدهم المالية أفضل. 

وأشار الخبير الاقتصادي، خلال تصريح خاص لموقع “الحل نت”، إلى أن أسعار سلّة المواد الأساسية لاسيما المواد الغذائية، شهدت انخفاضًا ملحوظًا، لتتأثر القوة الشرائية بالارتفاع في المقابل مقارنة بعهد نظام الأسد البائد. 

يرجع الانخفاض بالأسعار إلى توقف الضرائب والاتاوات التي كانت مفروضة من قبل رجالات النظام السابق، وكذلك دخول منتجات من الشمال السوري بأسعار أرخص، مما أجبر بعض التجار على تخفيض أسعار بضائعهم. 

الخبير الاقتصادي ماجد المصطفى

وقال إن من الملاحظ زيادة وتيرة عودة الأهالي إلى بلدانهم ومدنهم، وهو ما يزيد من معدل الدورة الاقتصادية والحركة في الأسواق، كما لوحظ عودة النشاط الزراعي في الريف بشكل أكبر مما سبق. 

وذكر أن عادةً ما تشهد أسعار بعض المواد في شهر رمضان ارتفاعًا نتيجة لزيادة الطلب، لكنه استبعد ذلك لوجود زيادة في معدلات التنافسية، قائلًا إن بعض المنتجات قد تتأثر بارتفاع طفيف ناتج عن التذبذب بأسعار الدولار اليومية نتيجة للمضاربة فيه. 

فرص متعددة 

أوضح الخبير الاقتصادي، أن كثيراُ من السوريين يعملون بعدة وظائف لتحسين دخلهم، والآن هناك فرصًا متعددة لم يكن مسموحا بها سابقا وأُتيح العمل بها ريثما يتم تنظيم الأسواق ويستغلها المواطن. 

وتوقع أن يشهد المستقبل القريب في ضوء البناء بجهود ودعم التجار ورجال الأعمال السوريين، إضافة إلى جهود العائدين إلى سوريا، حركة أفضل للاقتصاد السوري، وزيادة القوة الشرائية، خاصة بعد رفع العقوبات جزئيا من “الاتحاد الأوروبي”. 

وأكد ختامًا أن الشعب السوري صمد في فترات أصعب من الوضع الحالي وأوجد حلولا، كما تمكن من اجتيازها، وقادر الآن على ذلك أيضا. 

يجدر الإشارة إلى أن “حكومة تصريف الأعمال” رفع الدعم عن الخبز والمحروقات والغاز المنزلي، وارتفع سعر ربطة الخبز من 400 إلى 4000 ليرة سورية بعد إلغاء “البطاقة الذكية”، بينما تم رفع السعر مؤخرا بنسبة 20 بالمئة نتيجة تقليل الوزن إلى 1200 غرام بعد أن كان 1500. 

هذا وارتفع أيضًا سعر الغاز المنزلي إلى نحو 12 دولارا للأسطوانة الواحدة، بعد أن كانت تباع للمواطن بسعر مخفّض، لكنها أصبحت متوفرة إلى حدّ ما، مقارنة بفترة ما قبل سقوط الأسد. 

من جهتها توعدت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق وريفها، بفرض رقابة مشددة على الأسواق مع اقتراب شهر رمضان، بهدف ضبط الأسعار ومنع التلاعب بها. 

وبحسب المشرف على مديرية التجارة الداخلية في دمشق وريفها، غياث بكور، فإن من المستبعد حدوث ارتفاع في أسعار المواد الغذائية خلال شهر رمضان، معلّلًا بأن المواد تخضع للعرض والطلب كما أنها تشهد وفرة بالأسواق. 

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم