المقاتلون السوريون في ليبيا: كيف توظف روسيا وجودهم كورقة ضغط على دمشق؟

روسيا ليبيا سوريا المقاتلون السوريون في ليبيا كيف توظف روسيا وجودهم كورقة ضغط على دمشق؟
روسيا ليبيا سوريا المقاتلون السوريون في ليبيا كيف توظف روسيا وجودهم كورقة ضغط على دمشق؟

صاغت روسيا في مخيالها السياسي سبيكةً منتظمةً من الأهداف الاستراتيجية، تمتد من قواعدها العسكرية في سوريا نحو شمال إفريقيا، وتحديدًا ليبيا، حيث توجد قوات “الفيلق الروسي الإفريقي” و”المرتزقة السوريون” في غرب ليبيا، مما يمنحها حضورًا فاعلًا في شرق المتوسط ونفوذًا في قلب الشرق الأوسط، يُوازِن به الحضور الميداني للقوات التركية في مدن غرب ليبيا.

غير أن سقوط نظام الأسد كان له أثر واضح في العبث بتلك الأهداف ونثرها في الهواء، مما أبرز احتياج النظام لمقاربات جديدة وتأويلات مختلفة عما كان سائدًا مع حليف الرئيس السابق بشار الأسد.

الوجود العسكري السوري في ليبيا

تشير بيانات صحفية إلى أن الفترة التي امتدت خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي شهدت تعاقب عدة رحلات جوية من قاعدة حميميم على الساحل السوري، حاملةً ضباطًا من النظام السوري السابق باتجاه ليبيا. وفي هذا السياق، أشارت مصادر ليبية إلى رصد وصول عناصر سورية وروسية إلى قواعد في مناطق شرق ليبيا، تخضع لسلطة القائد العام للقوات في بنغازي، خليفة حفتر.

يقابل ذلك حضورٌ دالٌّ لمقاتلين سوريين في الغرب يتبعون تركيا، التي دفعت بمجموعات سورية معارضة – أبرزها فصيل “السلطان مراد” – وفق اتفاق مع حكومة “الوفاق” السابقة برئاسة فايز السراج، لصد هجوم قوات “الجيش الوطني” على العاصمة طرابلس في عام 2019. ولم تخرج هذه القوات خلال تلك الفترة، غير أن بعض المعلومات تشير إلى تحرك مجموعةٍ منها داخل المدن الليبية بحثًا عن عمل أو للهروب نحو أوروبا، لا سيما بعد تخفيض الرواتب منذ توقف الحرب.

يتزامن ذلك أيضًا مع ترجيح مصادر قيام روسيا بنقل قوات تابعة للفرقة 25 السورية، المدربة والممولة من قبل موسكو، للقتال لصالحها في إفريقيا.

يرى طه عبد الواحد، الكاتب الصحفي المختص بشؤون روسيا والجمهوريات السوفياتية سابقًا، أن الحديث يدور حول معلومات تناقلتها وسائل الإعلام بشأن نقل ضباط وعساكر سوريين تابعين لقوات النظام السابق إلى ليبيا عبر مطار حميميم، للقتال ضمن “الفيلق الروسي الإفريقي” إلى جانب قوات حفتر.

ويستطرد في حديثه لموقع “الحل نت”: “أرجح أن مصير هؤلاء لن يتقرر بسهولة، وذلك نظرًا لتعقيدات المشهد الليبي بالدرجة الأولى وتنافس مصالح اللاعبين الخارجيين هناك. غير أن هذا لا يعني استبعاد أن تطرح السلطات السورية الجديدة مسألة إعادتهم، لا سيما من يواجه منهم اتهامات بارتكاب جرائم ضد السوريين منذ بداية الثورة على يد نظام الأسد”.

وفي السياق ذاته لم يستبعد عبد الواحد إمكانية دمج هذا الملف مع ملف الضباط الذين هربوا باتجاه روسيا، وسيُبحث لاحقًا في مرحلة متقدمة من مراحل تنظيم دمشق لعلاقاتها مع موسكو بعد فرار رأس النظام البائد.

وأشار عبد الواحد إلى أن روسيا لن تستخدم أسلوب الضغط على دمشق في ملف الضباط السوريين في ليبيا، ولا في أي ملف آخر، فهي حاليًا معنية إلى حد كبير بالحفاظ على التوجه الإيجابي لمسار استئناف العلاقات الثنائية، بعيدًا عن الضغط أو الابتزاز الذي قد يؤدي إلى جفاء في العلاقات؛ وهو ما لا يتوافق مع مصالح روسيا، ويفضل تجنبه بالنسبة لسوريا في هذه المرحلة.

مفاوضات تحت الطاولة

من جانب آخر، يشير طه عبد الواحد، الباحث في الشأن الروسي، إلى انتقاد موسكو لأسلوب الابتزاز الغربي، بما في ذلك مسار العلاقات مع دمشق؛ حيث أشار المسؤولون الروس إلى أن أوروبا طالبت دمشق بإغلاق القواعد الروسية كشرط لرفع العقوبات عن سوريا. ورأى عبد الواحد أن “موسكو لن تقوم بخطوة تجعلها تمارس سياسة الابتزاز الغربية ذاتها التي تنتقدها”. وبالتالي، فإنه يرجح أن يُبحث موضوع تسليم الضباط الفارين المطلوبين للعدالة بين السلطات السورية والروسية بعيدًا عن الصخب الإعلامي.

تمدد إيران في إفريقيا ما قصة الاتفاقيات دون بنود معلنة؟ (4)
أفراد عسكريون يشرفون على وصول طائرة نقل تابعة للحرس الثوري الإيراني من طراز إليوشن إيل-76 تابعة للحرس الثوري الإيراني في مدينة درنة شرق ليبيا، في مطار بنغازي في 16 سبتمبر/أيلول 2023. (تصوير كريم صهيب/وكالة الصحافة الفرنسية)

أما بخصوص احتمال عودة هؤلاء الضباط أو إعادتهم إلى سوريا، قال الباحث المختص بالشأن الروسي: “كل شيء ممكن في عالم السياسة”، مشيرًا إلى أن الأمر يتوقف على إمكانية توصل موسكو ودمشق إلى اتفاق بهذا الخصوص، وعلى ما إذا كانت دمشق ترغب في استعادتهم أم لا.

وبكل الأحوال، يستبعد عبد الواحد أن يكون هذا الملف من الملفات الرئيسية المطروحة في المرحلة القادمة، لكنه قد يُطرح بقوة في مرحلة لاحقة، أي في فترة ما بعد الانتخابات وصياغة الدستور في سوريا. كما أن هذا الأمر مرتبط بصورة مباشرة بمدى حاجة روسيا لهؤلاء الضباط والعسكريين؛ فإن طرأت تحولات إيجابية في ليبيا، فقد لا تبدو روسيا بحاجة إليهم، وعندها تكون الظروف مناسبة لبحث مصيرهم مع دمشق.

ويختتم طه عبد الواحد، الباحث في الشأن الروسي، حديثه لموقع “الحل نت” بالإشارة إلى أن “دمشق ستعمل على محاكمة كل من يثبت تورطه في جرائم ضد السوريين وتسوية وضع من لم يتورطوا من الضباط الموجودين في ليبيا أو في روسيا، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لضباط وعناصر الجيش الأسدي والأجهزة الأمنية الذين لم يغادروا الأراضي السورية”.

أداة ضغط

من جانبه، يشير الحقوقي إبراهيم عبد الرحمن إلى أن وضع المرتزقة السوريين من قوات الدفاع الشعبي والميليشيات المحسوبة على النظام البائد، الذين جندتهم روسيا في ليبيا، يعتبر غير قانوني. ويوضح عبد الرحمن في حديثه لـ”الحل نت” أنهم، من ناحية القانون السوري، يخضعون للقانون الجنائي المحلي بسبب مشاركتهم في أعمال قتالية أدت إلى وقوع جرائم قتل وإصابات لمواطنين ليبيين، حيث تتراوح العقوبات الجنائية بين السجن والإعدام.

طائرات حربية روسية في مطار حميميم - انترنت1
طائرات حربية روسية في مطار حميميم – انترنت

ويرى المحامي السوري إبراهيم عبد الرحمن أن استخدام هؤلاء “المرتزقة” من قبل الدولة الروسية الاتحادية كأداة ضغط سياسي على الحكومة السورية لن يأتي بنتائج مثمرة للجانب الروسي، نظرًا لتشابك حضور المقاتلين الأجانب في عموم الجغرافيا الليبية. ووفقًا للقانون السوري، تُعد الأعمال القتالية المأجورة وإنشاء العصابات القتالية من الجرائم التي يُحاسب عليها القانون. كما أن اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية المدنيين والعسكريين في النزاعات المسلحة لم تذكر المرتزقة في بنودها؛ فإذا توافرت الأدلة على ارتكابهم جرائم حرب، فستُطبق عليهم أحكام مشددة.

لذا يمكن القول إن الانضمام إلى جماعات مسلحة خارجة عن القانون يُعدّ جريمة يُحاسب عليها القانون السوري. وفي حالة المرتزقة، هناك العديد من الجرائم المرتكبة، مما يجعلني لا أعتقد أن الحكومة السورية الحالية تولي أهمية لعودتهم؛ ومع ذلك، فهي تترقب سيناريوهات توظيفهم لإثارة القلق في الداخل أو انخراطهم في أي تحالفات تهدد سلامة البلاد.

ويلفت عبد الرحمن الانتباه إلى التعقيدات الأمنية والعسكرية الكبيرة التي تواجهها الحكومة السورية من جهة، وعدم وجود إمكانية قضائية لمحاكمتهم ووضعهم في السجون، حتى لو توفرت الإرادة السياسية لذلك من جهة أخرى.

سبعة آلاف سوري

عمومًا، الارتزاق ظاهرة قديمة؛ حيث يشارك أشخاص أجانب في النزاعات والحروب الأهلية بعد أن يتم تجنيدهم من قبل أحد أطراف النزاع ضد الطرف الآخر، وذلك مقابل المال فقط، أي أن المشاركة في الأعمال القتالية تكون بدافع مادي بحت. لذلك، فإن المرتزق لا يتمتع بالحماية القانونية التي تُمنح للمدنيين والأسرى في الحروب؛ وفي النهاية، الشخص الذي يقاتل دون وجود عذر قانوني يرتكب جنايات تُعاقب عليها الدول التي وقعت فيها الجرائم، أو حتى بلاده الأصلية.

في الثامن والعشرين من شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أجرى وفد من حكومة عبد الحميد الدبيبة زيارة إلى دمشق بعد سقوط الأسد؛ حيث التقى خلالها القائد العام للإدارة الجديدة في سوريا، أحمد الشرع. وترأس الوفد وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية، وليد اللافي، وضم إلى جانبه كلًا من وزير العمل علي العابد ومدير الاستخبارات العسكرية اللواء محمود حمزة. قال اللافي إن التنسيق الأمني بين ليبيا وسوريا ضروري لتفعيل العلاقات بين الدولتين.

وفي نهاية كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، التقى رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، السفير نيكولا أورلاندو، والوزير اللافي في العاصمة طرابلس. ووفقًا للمكتب الإعلامي للبعثة، تناول اللقاء تأثير الأحداث في سوريا على الوضع الليبي، وتم التأكيد على أهمية انسحاب جميع المقاتلين والمرتزقة الأجانب من الأراضي الليبية.

من جانبه، ذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” في مطلع العام الماضي أن عدد عناصر المرتزقة السوريين في طرابلس (غرب ليبيا) تجاوز سبعة آلاف، لكن فرّ منهم نحو ثلاثة آلاف وتحولوا إلى لاجئين في شمال إفريقيا وأوروبا.

نحو ذلك، يشدد الدبلوماسي الليبي الشتيوي الجدي على أن وضع المرتزقة السوريين في ليبيا يقع تحت دائرة صراع دولي وإقليمي. ومن هنا، لا أرجّح أن تضغط روسيا على دمشق بشأن المرتزقة السوريين في ليبيا، أولًا؛ فضلًا عن كون موسكو تتطلع إلى استمرار حضورها العسكري في سوريا بأي صورة، ولو كان ذلك بشكل مخفّف عمّا كان عليه الحال في زمن الأسد. وسيكون التفاوض حول المرحلة القادمة تبعًا لتطور الأمر بين موسكو وواشنطن من جهة، وتوظيف الآليات المتاحة في الداخل السوري من جهة أخرى.

ويلفت الدبلوماسي الليبي الشتيوي الجدي إلى أن تركيا تمارس جميع أهدافها في المنطقة الغربية الليبية بحرية تامة، فلا شيء يمكنه ردعها أو إجبارها على التخلي عن المرتزقة السوريين المتمركزين في ليبيا.

ويختتم تصريحاته لموقع “الحل نت” قائلًا: “إن تقديري يستقر على أن روسيا ستركز في المرحلة الحالية على ما يسمح لها بالإبقاء على قواعدها القائمة في حميميم وطرابلس، ومراقبة علاقات الإدارة الحالية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وكيفية تعاملها على هامش تلك العلاقة”.

رامي شفيق

رامي شفيق

كاتب وباحث مصري مختص في شؤون التطرف الديني

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم