تخفيف بلا فعالية للعقوبات الأوروبية.. ماذا بعد مجازر الساحل السوري؟

العقوبات الأوروبية

اعتمدت الدول الغربية مسارًا تدريجيًا لتخفيف العقوبات على سوريا، حيث لم ترفعها بشكلً جذري، لتبدأ بتخفيف بعض القيود على قطاعات محددة وبشكل مشروط، وكأنها مرحلة جسّ نبض للتأكد من هذه الشروط. 

وجاء التخفيف الأوروبي للعقوبات كخطوة لوضع “الإدارة السورية الجديدة” تحت المراقبة، فالرفع الكامل للعقوبات مرهونٌ بنهجها خلال إدارتها لهذه المرحلة الجديدة في سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. 

تردد أميركي وأوروبي 

ترددت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في رفع العقوبات عن سوريا قبل حدوث انتقال سياسي واضح، ديمقراطي، يشمل الأقليات السورية والمجتمع المدني، في الوقت نفسه، تحتاج البلاد بشدة إلى المال لإعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب، وانتشال الملايين من براثن الفقر، خاصة وأن تقديرات “الأمم المتحدة” أشارت إلى أن نحو 90 بالمئة من سكان سوريا يعيشون في فقر. 

من جانبها تكافح “الإدارة الجديدة” في سوريا بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، لإقناع الولايات المتحدة وأوروبا برفع العقوبات لبدء إعادة بناء البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب، فتعتبر أن تلك العقوبات تعيق تعافي الاقتصاد السوري المنهك من تداعيات العقوبات والحرب. 

اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ 14 تشرين أول أكتوبر 2024 - إ ب أ
اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ 14 تشرين أول أكتوبر 2024 – إ ب أ

وجاءت العقوبات الأوروبية على سوريا ردًا على سياسات نظام الأسد الإجرامية تجاه الاحتجاجات السلمية ضده منذ عام 2011، وشملت هذه العقوبات حظر الأسلحة وحظر استيراد النفط والمنتجات النفطية السورية، وقيودا مالية تضمنت تجميد أصول “البنك المركزي السوري” ومنع المؤسسات المالية من فتح فروع في أوروبا، بالإضافة إلى قيود على تصدير المعدات والتكنولوجيا التي قد تُستخدم في القمع الداخلي أو لمراقبة الاتصالات. 

كما استهدفت العقوبات مئات الأفراد والكيانات المرتبطة بالنظام السوري، وشملت تجميد الأصول وحظر السفر. 

تخفيف للعقوبات، ولكن!  

في 24 شباط/ فبراير 2025، أعلن الاتحاد الأوروبي تعليقًا للعقوبات المتعلقة بقطاعات الطاقة والبنوك والنقل، وأوضح مجلس الاتحاد، في بيان، أنه قرر “تعليق الإجراءات التقييدية في قطاعي الطاقة بما في ذلك النفط والغاز والكهرباء والنقل”. 

اقتصر تعليق العقوبات الأوروبية على بنوك تؤدي خدمات داخلية للمواطنين، كالإقراض والإيداع، فمعروف عن هذه المصارف أنّها لا تستخدم نظام السويفت الأميركي الخاص بالتحويلات المالية، حتى إنها لا ترتبط بأي بنوك مراسلة في العالم. 

كما أنه لم يفك تجميده للحسابات السورية في بنوك أوروبا، حيث إنه لم يحرر “المصرف التجاري” الذي يستحوذ على 70 بالمئة من النشاط المصرفي المحلي من عقوباته. 

قرر المجلس أيضًا “رفع 5 جهات هي المصرف الصناعي، ومصرف التسليف الشعبي، ومصرف الادخار، والمصرف الزراعي التعاوني، ومؤسسة الطيران العربية السورية، من قائمة الجهات الخاضعة لتجميد الأموال والموارد الاقتصادية”. 

وقرر المجلس أيضا السماح بوضع الأموال والموارد الاقتصادية (لتلك الجهات) تحت تصرف “البنك المركزي السوري”، ويسعى الاتحاد الأوروبي -كما يقول- للمساعدة في إعادة بناء سوريا بعد سنوات من الحرب الداخلية. 

الموقف البريطاني والأميركي 

هذا وأعلنت بريطانيا في 6 آذار/ مارس الجاري، حذف 24 كيانًا سوريًا، بينها البنك المركزي وبنوك أخرى وشركات نفط، من قائمة العقوبات، وأوقفت تجميد أصولها. 

وبررت لندن هذه الخطوة بأنها تهدف إلى مساعدة السوريين في بناء اقتصادهم وبلدهم، والمساهمة في تخفيف المعاناة الإنسانية. 

ومن أبرز الكيانات السورية التي حُذفت من قائمة العقوبات البريطانية، “مصرف سوريا المركزي”، والخطوط الجوية السورية، وشركات للطاقة، وهي قطاعات توصف بالحيوية للاقتصاد السوري. 

أما بالنسبة للعقوبات الأميركية فلم يتغير الوضع بشأنها حتى الآن، حيث أصدرت في كانون الثاني/ يناير الماضي، قراراً بإعفاء من العقوبات على المعاملات مع المؤسسات الحاكمة في سوريا لمدة ستة أشهر بعد نهاية في محاولة لتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، حيث يسمح ببعض معاملات الطاقة والتحويلات الشخصية إلى سوريا حتى السابع من تموز/يوليو. 

فعالية تخفيف العقوبات على الاقتصاد

تخفيف العقوبات الغربية عن قطاعات محددة في سوريا وعلى الأخص القطاع المصرفي، يثير التساؤلات حول جدوى فعاليتها والمخاوف بشأن عدم اكتمالها. 

لن يكون لرفع بعض الدول الغربية الجزئي للعقوبات على سوريا أي تأثير اقتصادي ملموس، في ظل استمرار العقوبات الأميركية 

الدكتور مخلص الناظر

وعزا الأكاديمي والمستشار لدى “البنك المركزي السوري”، الدكتور مخلص الناظر، ذلك إلى أن الدول الغربية لن تخاطر بإعادة العلاقات المصرفية مع سوريا دون ضمانات واضحة من وزارة الخزانة الأميركية، وخوفًا من تعرضها إلى عقوبات ضخمة أو حتى فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي، وهو أمر لا تستطيع أي مؤسسة مالية كبرى تحمله. 

وأوضح أنه لا يمكن للمصارف الاستفادة من أي رفع جزئي للعقوبات تقوم به أي دولة غربية، طالما أن الخزانة الأميركية لم تطلب من مصارفها أن تعمم على كل المصارف بأنها لا تمانع أن تعيد العلاقات المصرفية مع كل المصارف السورية وليس بعضها، ذلك خلال منشور له على موقع التواصل “فيسبوك”. 

قانون قيصر 

أكد الناظر، أن أي إشارات دبلوماسية أو تخفيف للعقوبات من بعض الدول لا قيمة عملية لها طالما أن الولايات المتحدة لم تقرر إعفاءً رسميًا ومباشرًا يسمح بإعادة التعامل المصرفي دون مخاطر قانونية، وهذا لم يحدث حتى الآن. 

وأفاد بأن العقوبات الأميركية، خاصة تلك المفروضة بموجب “قانون قيصر” وما تبعه من تشريعات، تعتمد على العقوبات الثانوية، والتي تعني أن أي مؤسسة مالية، حتى لو لم تكن أميركية يمكن أن تواجه عواقب وخيمة إذا تعاملت مع كيان مُدرج في قوائم الولايات المتحدة السوداء أو مع طرف يتعامل مع هذا الكيان. 

‏أما الكاتب الصحافي والمحلل السوري، شريف شحادة، قال إن الانفتاح الأوروبي على سوريا بدأ ولكن ليس هناك استعداد للحكومة السورية الحالية وهي حكومة مؤقتة لذلك، خاصة وأنها متّهمة وهناك شكوك حولها بشأن انتهاك حقوق الإنسان، ما يعيق تحركاتها في ظل هذه الأجواء. 

وأكد خلال حديثه لـموقع “الحل نت” أن الإدارة السورية باتت أمام أزمة حقيقية، بعد أن حقق الانفتاح الأوروبي فعالية جيدة على الاقتصاد السوري، لكنه مهدد بأن لا يستكمل طريقه، قائلًا إن الاقتصاد السوري الآن بات لا يستطيع أن يستوعب الاستثمارات ولا الانفتاح الأوروبي.  

تأثير أحداث الساحل 

أفاد شحادة، بأن أوروبا قوة اقتصادية قوية، لكنها تضع الإدارة الجديدة والأوضاع في سوريا تحت المجهر، فإذا ما كانت الأوضاع مستقرة ستدعم الاقتصاد السوري بقدوم الشركات والمستثمرين الأوروبيين وفتح مكاتبها. 

 وأكد أن الدولة السورية يمكنها الاستفادة من تخفيف العقوبات إذا أرادت ذلك، لكن كل الأجواء الموجودة أجواء توترات ويسيطر عليها انتهاكات حقوق الإنسان، لكن في المحصلة لا أحد يأتي إلى سوريا في ظل هذه الأوضاع السيئة وغير مشجعة على الاستثمار، لافتًا إلى أن أوروبا لا تريد أن تدخل في صراع سياسي مع سوريا. 

شهدت سوريا في الأيام الماضية وتحديدًا بمنطقة الساحل السوري، أسوأ موجة اقتتال منذ فرار الأسد، راح ضحيتها أكثر من 1383 شخص في منطقة الساحل السوري، معظمهم من المدنيين العلويين الذين قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنهم قُتلوا في أعمال انتقامية بعد هجمات على قوات الأمن. 

وقتل هؤلاء في “عمليات إعدام على يد قوات الأمن ومجموعات رديفة لها”، وفقا للمرصد الذي أوضح أن هذه العمليات تركزت “يومي 7 و8 مارس”.  

وهناك مخاوف من أن تعيق أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري محاولات رفع العقوبات في المستقبل القريب، فقد أصدرت الولايات المتحدة والأمم المتحدة بيانين يُدينان قتل المدنيين، الذي وصفه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنه من تنفيذ “إرهابيين إسلاميين متطرفين، بمن فيهم جهاديون أجانب”، داعيًا “الإدارة السورية” إلى محاسبة الجناة. 

وعبر “الاتحاد الأوروبي”، في بيان له، عن “قلقه العميق” حيال موجة العنف الأخيرة التي اجتاحت المنطقة الساحلية في سوريا، وقالت الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، أمام جلسة “مجلس الأمن” أمس الثلاثاء، إن “الفظائع التي شهدناها خلال الأيام الأخيرة غير مقبولة وتظهر مدى هشاشة الوضع. ولا يمكن أن تتكرر مرة أخرى. ولا بد من تقديم الجناة إلى العدالة”.

كما وأدانت كالاس الإعدامات الميدانية التي يُزعم أن جماعات مسلحة تدعم السلطات الانتقالية نفذتها، ودعت إلى تحقيق سريع وشفاف، مطالبة بالسماح للجنة التحقيق الدولية المستقلة بالتحقيق في الانتهاكات لضمان العدالة، مشددة على ضرورة وقف العنف وحماية المدنيين من جميع الطوائف والأعراق، وفق بيان نشره “الاتحاد الأوروبي”.

حذر غربي تجاه “الإدارة الجديدة” 

طبيعة السلطة الجديدة في سوريا تجعل الغرب حذرين تجاهها، حي لا تزال “هيئة تحرير الشام” التي كان يتزعمها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مصنفة منظمة إرهابية بسبب ماضيها، وحكمها الاستبدادي في إدلب، وخلفيتها الإسلامية. 

وأعلن الشرع، الأحد، تشكيل لجنة مكلفة بالتحقيق في أحداث العنف في المناطق الساحلية، بما في ذلك “الانتهاكات ضد المدنيين”، وأخرى مكلفة بـ”الحفاظ على السلم الأهلي”. 

وقال الشرع في بيان مصور إن اندلاع العنف يأتي في إطار “محاولات فلول النظام السابق بدعم من جهات خارجية لخلق فتنة جديدة وجر بلادنا إلى حرب أهلية بهدف تقسيمها وتدمير وحدتها واستقرارها”. 

وقال إن السلطات الجديدة في البلاد “لن تتسامح مع فلول الأسد الذين ارتكبوا جرائم بحق قوات جيشنا ومؤسسات الدولة”، ووعد “بمحاسبة كل من تورط في دماء المدنيين أو أذى شعبنا بكل حزم ودون هوادة”. 

ولم يتبين بعد ما إذا كانت هذه الإجراءات ستنجح في تهدئة الوضع وطمأنة السوريين والمجتمع الدولي. 

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم