لماذا تتوسَّع دائرة الجوع بين السوريين؟

سوريا

مر ما يقارب من أربعة أشهر على سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وصعود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، لتشهد سوريا خلال هذه الفترة منذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي تحسنًا في أسعار المواد الغذائية لكن دون ترجمة هذا التحسن ويكون له تأثير على الأمن الغذائي للسوريين.

 ويواجه المواطنون تفاقمًا مستمرًا في الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة المرهقة التي باتت شبه مستحيلة في ظل ظروف تنعدم فيها إمكانات تأمين الاحتياجات.

تفاقم الفجوة بين الدخل والتكاليف

سجلت أسعار المواد الغذائية انخفاضا بنسبة 21.7 بالمئة في شباط/ فبراير المنصرم مقارنة بالعام 2024، خاصة في أسعار اللحوم التي انخفضت بنسبة 17.6 بالمئة والخضراوات التي انخفضت بنسبة  18بالمئة، فيما انخفض سعر كيلو الدجاج (الفروج) الحي والمذبوح والقطع بنسبة 40 بالمئة، وسعر الزيت النباتي بنسبة تفوق 40 بالمئة، إذ وصل سعر ليتر زيت دوار الشمس قبل سقوط النظام في بعض المناطق إلى 45 ألف ليرة سورية لينخفض بعد تخفيف القيود إلى ما دون 20 ألف ليرة، ليستقر مؤخراً على 24 ألف ليرة.

وعلى الرغم من هذا الانخفاض الملحوظ في الأسعار إلا أن تلك الأسعار لا تزال بعيدة عن متناول غالبية السوريين، خاصة مع تراجع الإنتاج المحلي واعتماد البلاد على الواردات التي تعيقها الأزمات الاقتصادية.

وتعكس البيانات تفاقم الفجوة بين الدخل والتكاليف، إذ لا يتجاوز متوسط رواتب الموظفين الحكوميين 325 ألف ليرة سورية (حوالى 32 دولاراً) حتى آذار/ مارس الماضي، بينما يصل في القطاع الخاص إلى 750,000 ليرة، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية ثمن الخبز الشهري لعائلة مكونة من خمسة أفراد في حالة الموظف الحكومي، وبالكاد يكفي الاحتياجات الأساسية لموظف في القطاع الخاص تتألف أسرته من خمسة أفراد.

“الراتب الشهري الذي أحصل عليه بالكاد يكفي ثمن الخبز وأجور النقل إلى دائرتي.. والأسعار انخفضت قليلاً، لكنّها ما زالت خيالية مقارنة بدخلي”، وفق ما نقل موقع “العربي الجديد” عن أحد موظفي الحكومة بشأن الفجوة بين دخله وتكاليف المعيشة.

 فيما تقول موظفة حكومية أخرى: “كنّا نطبخ العدس والبطاطا كل يوم، اللحم أصبح حلماً، حتى الخضروات التي يُقال إنها رخيصة، هي مرتفعة بالمقارنة مع رواتبنا”، متسائلة: “كيف نعيش؟ الحكومة تتحدث عن انخفاض الأسعار، لكننا نعيش على التبرعات والموائد الخيرية”.

انحدار معيشي وغذائي خطير

من جهته يقدر الخبير الاقتصادي، عاطف عزام، الحد الأدنى للنفقات الشهرية لأسرة من خمسة أفراد بقيمة 2.5 مليون ليرة سورية (ما يعادل 250 دولاراً)، بينما لم يتجاوز الحد الأدنى للأجور 280 ألف ليرة (28 دولاراً) أي هناك فارق تكاليف يزيد عن 890 بالمئة بين الدخل والمصروف، وبالتالي فإنّ الدخل بالكاد يغطي 18 بالمئة فحسب من تكاليف الغذاء، وفق ما نقل عنه موقع “العربي الجديد“.

فجوة كارثية، إذ لا يغطّي متوسط الدخل للموظف الحكومي من الشريحة العمالية الأكبر العاملة داخل سوريا أكثر من 3 بالمئة من متوسط تكاليف المعيشة.

الخبير الاقتصادي، عاطف عزام

وأرجع الخبير الاقتصادي هذا الانحدار المعيشي والغذائي للمواطن السوري، الذي يصفه بالانحدار “الخطير جداً” إلى عدد من العوامل المُتفاقمة وعلى رأسها الانهيار الاقتصادي، موضحاً أنه وبالرغم من تراجع معدل التضخم من 120 بالمئة في آذار/مارس 2024 إلى 36 بالمئة في شباط/فبراير 2025، إلّا أن الوضع الاقتصادي بقي هشاً بسبب انخفاض قيمة الليرة، وحبس السيولة.

كما وضع عامل البطالة والفقر في الدرجة الثانية من التأثير، إذ إن 90 بالمئة من السوريين لا يزالون يعيشون تحت خط الفقر، فيما لا يزال يعتمد نحو 75 بالمئة منهم على المساعدات الإنسانية.

وفق تقديرات أممية حديثة، يعاني 9 من كل 10 سوريين من الفقر، بعد 14 عاماً من النزاع، وربع السكّان هم اليوم عاطلون عن العمل، والناتج المحلي الإجمالي السوري هو اليوم أقل من نصف ما كان عليه في 2011، وفقاً للتقرير.

أزمة غذائية كبيرة

كان للتغيّر المناخي دورُ حيث أن موجة الجفاف التي امتدت من تشرين الثاني/نوفمبر 2024 إلى كانون الثاني/يناير 2025 أثرت على الحياة الزراعية للمواطن التي تعتبر الرافد الثاني لتأمين الغذاء ذاتياً للمواطنين، بحسب ما أكد الخبير الاقتصادي.

قدّرت تقارير منظمة الأغذية ومنظمة الزراعة إنتاج الحبوب في سوريا عام 2024 بنحو 3.4 ملايين طن، أي أقل بـ 13 بالمئة من متوسط السنوات الخمس الماضية، وبنحو 33 بالمئة من المعدل الذي سبق اندلاع الثورة السورية.

كما اعتبر أن ارتفاع أسعار الغذاء الذي رافق شهر رمضان 2025، شكل أزمة غذائية كبيرة، مشيراً إلى أنه مع دخول شهر رمضان هذا العام، ارتفعت أسعار معظم السلع الغذائية بنسبة 15 بالمئة، فيما كان الحد الأدنى لتكلفة افطار عائلة مكونة من خمسة أفراد هو مئة ألف ليرة في حال لم تشتمل الوجبة على لحم وفير، وهو ما يفوق قدرة غالبية الأسر السورية.

وبحسب تقارير لمنظمات أممية منها “منظمة الغذاء العالمي”، فإنّ أكثر من نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 9.1 مليون شخص في حالة انعدام أمن غذائي حاد، ويحتاجون إلى مساعدات عاجلة.

تواجه أزمة الغذاء في سوريا تحديات عديدة ومتفاقمة تحول بين الإدارة الجديدة وحكومتها الانتقالية وتمكنها من تحقيق الأمن الغذائي وإنقاذ ملايين الأسر السورية من براثن الجوع، بفعل الأوضاع الاقتصادية الهشة واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي وتغير المناخ.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم