“الحوثي” درة تاج “الثوري” الإيراني: كيف تخلت عنهم طهران؟

"الحوثي" درة تاج "الثوري" الإيراني كيف تخلت عنهم طهران؟ إيران اليمن صنعاء الحوثيين
"الحوثي" درة تاج "الثوري" الإيراني كيف تخلت عنهم طهران؟ إيران اليمن صنعاء الحوثيين

تُعتبر سياسة إيران تجاه الوكلاء جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها الإقليمية، وغالبًا ما يُنظر إلى هؤلاء الوكلاء على أنهم أدوات لتوسيع نفوذها وتحقيق أهدافها الأمنية والسياسية دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة. فـ “الحوثيون” في اليمن، الذين تلقوا دعمًا كبيرًا من إيران خلال الحرب الأهلية، تمكنوا من السيطرة على مناطق واسعة. 

منطقة الشرق الأوسط شهدت خلال العام المنصرم سلسلةً من الأحداث التي أدت إلى تغييرات في الخريطة السياسية الإيرانية؛ فبعد أن دعمت إيران الجماعات المسلحة في بعض الدول العربية بما يتماشى مع مصالحها، تسلم إيران اليوم هذه الجماعات وحدةً تلو الأخرى بما يتفق مع مصالحها وأمنها القومي. 

بعد القضاء على “حزب الله” وانحصار “الحشد الشعبي” في العراق، وإسقاط الأسد ونظامه، لن يبقَ لإيران سوى جماعة “الحوثي” التي ستعمل سريعًا على اقتلاع جذورها طالما يضمن ذلك لها امتصاص الغضب الأميركي وتحقيق هدفها الأهم وهو “برنامجها النووي”.

طهران: المصلحة أولاً

الجماعات المسلحة التابعة لإيران ليست سوى كبش فداء لنظامها وحساباتها الخاصة؛ فسياساتها الخارجية تجاه الوكلاء تتلون بلون المنافع الإيرانية. وعلى قدر ما يعكس ذلك جانبًا أصيلًا في السياسة الإيرانية، فإنه من جهة أخرى يكشف عن عدم الحنكة السياسية والبلادة الطائفية لدى الوكلاء دون استثناء. 

منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، ساد التوتر بين إيران وأميركا، بدءًا من تعطيل المفاوضات المتعلقة ببرنامجها النووي، وحتى الضغط عليها من خلال الوكلاء ومحاولة الحد من نفوذها الواسع في الشرق الأوسط. ومع احتدام الصراع على مستوى التصريحات بين المسؤولين من الطرفين والرسائل المتبادلة التي تحمل مضامين احتمالية نشوء حرب، تلجأ إيران إلى عدة محاولات لاحتواء الموقف الأميركي الغاضب العازم على الحد من التمدد الإيراني. 

جاءت محاولات إيران في شكل تصريحات من المرشد الأعلى علي خامنئي ينفي فيها علاقته بالجماعات المسلحة، والتأكيد على أن إيران ليست لها وكلاء؛ ومن خلال تصريح وزير الخارجية عباس عراقجي الذي أظهر استعداد بلاده لدخول مفاوضات دون شروط، أو من خلال الوساطة مع روسيا – الحليف الأول لطهران – ومحاولة إنقاذ الموقف بين البلدان قبل فوات الأوان. إلا أن الولايات المتحدة لم تستجب لكل هذه المحاولات الإيرانية، فلجأت إيران إلى التضحية بما هو أكثر ثمناً لديها الآن، وهو جماعة “الحوثي”.

فبحسب ما جاء الخميس الفائت في تقرير صحفية “تليغراف” البريطانية عن “مسؤول رفيع” في إيران، فقد قررت طهران سحب قواتها العسكرية من اليمن ووقف دعمها لجماعة “الحوثيين”، بالتزامن مع تكثيف الولايات المتحدة ضرباتها الجوية ضد “الحوثيين” وتحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران بضرورة وقف دعمها لهذه الجماعة. 

وأكد المسؤول الإيراني، الذي لم تُفصح الصحيفة عن هويته، أن هذا القرار اتُخذ بهدف “تجنّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في حال مقتل جندي إيراني”. وبحسب التقرير، فإن طهران تُعيد تقييم سياستها تجاه “الجماعات الوكيلة” في المنطقة، مع تركيزها الأساسي الآن على “التهديدات المباشرة من جانب الولايات المتحدة”. 

وشدّد المصدر ذاته على أن الموضوع الرئيسي في اجتماعات المسؤولين الإيرانيين حاليًا هو دونالد ترامب وكيفية التعامل مع سياساته، قائلاً: “في جميع الاجتماعات، يتمحور الحديث حول ترامب، ولم يعد هناك أي نقاش بشأن الجماعات الإقليمية التي كنا ندعمها سابقًا”.

يري ناجح النجار، الباحث في العلاقات الدولية، في تصريحه لـ”الحل نت”، أنه ليس من المستبعد إطلاقًا أن تضحي إيران بإحدى أذرعها في اليمن (الحوثي)، لما لها من تضحيات سابقة من قبل بقيادات كبيرة ومهمة في المنطقة مثل: حسن نصرالله زعيم “حزب الله”، والذي تبين أن من حدد موقعه لإسرائيل كان عميلًا إيرانيًا سواء كان ذلك بإيعاز رسمي من طهران أو غير رسمي. 

ويضيف النجار أن العلاقات الدولية مبنية على سياسة المصالح ومعادلة الربح والخسارة؛ مشيرًا إلى أنه إذا ما حصلت إيران على تفاهمات وضمانات من إدارة ترامب بشأن مستقبلها النووي ومستقبلها في المنطقة، يمكن أن تطرح مجموعةً من الاحتمالات، بما فيها احتمال التضحية بما تبقى لها في المنطقة، وهي جماعة “الحوثي”، في سبيل تحقيق أهدافها الاستراتيجية، خصوصًا وأنها عانت كثيرًا بسبب برنامجها النووي وتكبدت بسببه خسائر اقتصادية كبيرة.

طهران تسلم درة التاج 

قال المصدر الخاص لصحيفة “تليغراف”: “وجهة النظر هنا هي أن الحوثيين لن يتمكنوا من الصمود، فهم يعيشون أيامهم أو حتى شهورهم الأخيرة، ولذلك لا جدوى من إبقائهم ضمن قائمة دعمنا”. وأضاف: “إنهم كانوا جزءًا من سلسلة تعتمد على (الأمن العام السابق لحزب الله حسن نصرالله) و(الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد)، والإبقاء على جزء واحد فقط من تلك السلسلة للمستقبل لا معنى له”. 

إلا أنه بالنظر إلى تاريخ علاقة جماعة “الحوثي” بإيران نجد أن الأخيرة راهنت على صمود “الحوثيين” وجماعته، وذلك منذ حروب صعدة في عام 2004 باليمن؛ إذ تدعم إيران “الحوثيين” بكل الوسائل. وعندما بدأت الجماعة اليمنية الوصول إلى العاصمة وإسقاط الدولة في عام 2014، اطمأنت إيران إلى أنها ستضخ أفضل ما لديها من ترسانة وإمكانيات لـ “الحوثيين” على اعتبار أن اليمن ستكون اللاعب الأكبر لإيران، من خلال تشغيل العالم والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الأوروبية عبر السيطرة على منطقة البحر الأحمر، حتى تستطيع إيران تمرير مشاريعها السياسية والعسكرية وخصوصًا مشروعها النووي. 

ولهذا فإن “الحوثيين” هم درة التاج الإيراني، وليس “حزب الله” أو غيره من أذرع إيران، لأكثر من سبب؛ أولًا، كانت منطقة “حزب الله” جغرافية محدودة؛ ثانيًا، كان “حزب الله” مخترقًا من قبل الاستخبارات الإسرائيلية؛ ثالثًا، سوريا منطقة صراع دولية منذ اللحظة الأولى للثورة بين روسيا وأميركا وتركيا؛ ورابعًا، العراق، الذي يشهد محاولات انغلاق ذاتية مستمرة بالإضافة إلى الحضور الأميركي في السياسة العراقية، منع إيران من الانفراد الكامل بالعراق.

بالنظر إلى “الحوثيين”، تعلمت إيران من لحظات الدعم الأولى لهم أن اليمن تتمتع بمساحات جغرافية واسعة على عكس “حزب الله”، وإلى جانب ذلك، تتواجد كتلة سكانية كبيرة جدًا يبلغ عددها حوالي 19 مليون نسمة، بالإضافة إلى الطبيعة الجغرافية التي تتسم بالتلال والجبال والمرتفعات والمعسكرات، والإرث الذي ورثه “الحوثيون” من الجيش السابق من التحصينات والبنية التحتية. 

كما أن هناك نقطة أخرى، وهي بُعد المسافة بين اليمن وإسرائيل مقترنةً ببقية الذراع الإيرانية التي تقع على الحدود مع إسرائيل؛ فكل هذه الاعتبارات جعلت إيران تعزز من قدرتها، لأنها تدرك منذ وقت مبكر أن “الحوثيين” هم أكثر الأذرع استمرارية وصمودًا.

ربما تكون إيران محقة في حساباتها في حالة واحدة، وهي غياب الضغط والتواجد الأميركي؛ فهذا التواجد والضغط الدولي دفع بإيران إلى تغيير معادلتها، تاركةً ذراعها الأخيرة تعاني من الغارات الأمريكية التي وصفها ترامب بأنها “ناجحة بشكل لا يُصدق”.

أشار النجار إلى أنه من الواضح جدًا انحدار التوجه الإيراني في المنطقة، وانكشاف خداع طهران، إن صح التعبير، تجاه القيادات التي تتساقط تباعًا. ولفت النجار إلى أننا قد رأينا منذ واقعة اغتيال إسماعيل هنية في الداخل الإيراني، والذي تم عبر عملاء إيرانيين يعملون لحساب الكيان الصهيوني، ولم نجد أي تحرك من دولة المرشد الإيراني؛ فلم يتحرك سوى التصريحات والوعيد.

المصير الأخير

اعتبرت الإدارة الأميركية الجديدة أن القضاء على جماعة “الحوثي” هو أحد الوعود الأولية التي قطعها ترامب عند توليه منصبه في الولاية الثانية. ولهذا صدر أول قرارٍ متعلق بالجماعة اليمنية من “البيت الأبيض”، وهو تصنيفها منظمةً إرهابيةً، متضمناً عقوبات إضافية تستهدف قيادات الجماعة. 

ولم تكن هذه أول مرة أدرجت فيها إدارة ترامب “الحوثيين” كمنظمة إرهابية أجنبية في كانون الثاني/يناير 2021، إلا أن إدارة بايدن ألغت هذا التصنيف بعد توليها السلطة. لكن خلال السنوات اللاحقة، أدى نهج الإدارة الأميركية إلى تصعيد هجمات “الحوثيين”، حيث استهدفوا سفناً حربية تابعة للبحرية الأميركية عشرات المرات، ونفذوا هجمات على بنية تحتية مدنية في “دول حليفة”، بالإضافة إلى أكثر من 100 هجوم استهدف سفناً تجارية في باب المندب.

إلا أن هذه التصنيفات لم تكن رادعة لجماعة “الحوثي” ولنشاطها في البحر الأحمر. ومع منتصف آذار/مارس الفائت، بدأت الولايات المتحدة غارات متوالية على جماعة “الحوثي” في غياب كامل لإيران.

المقاتلات الأميركية، نفذت ليلة الأربعاء وفجر الخميس، 25 غارةً جويةً على أهداف قالت واشنطن إنها تابعة لـ “الحوثيين” في أربع محافظات يمنية، في تصعيد هو الأوسع منذ انطلاق العمليات في منتصف آذار/مارس الماضي. 

وتركزت 21 ضربةً جويةً في محافظ صعدة، معقل “الحوثيين”، شملت مواقع لوجستية وعسكرية في محيط مدينة صعدة ومعسكر كهلان، وأسفرت عن مقتل أكثر من 20 شخصًا في مركز تدريب. كما استهدفت غارات أميركية قاعدة عسكرية في مديرية كتاف، وفي الحديدة شملت الضربات تدمير ثلاث منصات لإطلاق مسيرات هجومية مخفية قرب مبنى حكومي في بلدة الصنيف، وغارةً أخرى دمرت مدخل نفق في جبل المعرب قرب رأس عيسى. كما نفذت القوات الأميركية أولى غاراتها في محافظة إب، حيث دمرت برج اتصالات ومنظومة تشويش إلكتروني في جبل نامه، مما أسفر عن مقتل عنصر من الحراسة.

واستهدفت غارةٌ بطائرةٍ مسيرة سيارة تقل قياديًا ميدانيًا ومرافقيه بين مديريتَي بلاد الروس وسنحان، في هجوم اعتبره مراقبون مؤشرًا على استهداف مباشر للهيكل القيادي لجماعة “الحوثي”. 

ورغم عدم تقديم تفاصيل دقيقة حول الحملة وأهدافها، كشفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، يوم الثلاثاء، أن إجمالي الضربات تجاوز 200. وقالت: “إيران أصبحت ضعيفة للغاية نتيجة لهذه الهجمات، وقد رأينا أن القصف استهدف قادة حوثيين رئيسيين. تم القضاء على شخصيات مهمة كانت مسؤولة عن شن هجمات على السفن الحربية والتجارية، ولن تتوقف هذه العمليات حتى يتم استعادة حرية الملاحة في هذه المنطقة”.

الحوثيون يواجهون الآن كامل قوة النيران الأميركية وحلفائها وحدهم. ومع تراجع إيران، يرى الخبراء العسكريون أن أيام المتمردين باتت معدودة.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم