كشف تحقيق حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، بناءا على مقابلة مع أحد المتورطين في المجازر التي ارتُكبت ضد مدنيين علويين في قرية صنوبر جبلة الساحلية خلال آذار/مارس الماضي، أن هذا الشخص وزملاءه من المدنيين كانوا تحت إشراف مباشر من جهاز “الأمن العام” التابع للسلطات في دمشق، أثناء وجودهم في المنطقة.
وأوضح المصدر ذاته أن التعليمات التي تلقوها كانت تقضي بعدم استهداف المدنيين، لكنه أقرّ لاحقا، في مقطع مصوّر، بقتل رجل يبلغ من العمر 64 عاما، بزعم أنه كان من “فلول النظام”، غير أن الفيديو الذي صوّره للحادث لا يدعم روايته.
بينما، نفت الشرطة العسكرية لـ”بي بي سي” وجود أي تنسيق بين قوات الأمن العام والمقاتلين المدنيين الذين توجّهوا إلى الساحل السوري بدعوى مقاتلة “فلول الأسد”. ومع ذلك، ارتُكبت مجازر بحق مدنيين من أبناء الطائفة العلوية، وقد وُجهت الاتهامات إلى قوات تابعة للإدارة الجديدة في دمشق بالمسؤولية عن هذه الانتهاكات، حيث نشرت العديد من وسائل الإعلام ومنظمات حقوقية تقارير تفيد بتورط قوات تابعة لدمشق بهذه المجازر. وقد نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، أواخر نيسان/أبريل الماضي، تحقيقا يوثق انتهاكات ارتُكبت ضد مدنيين في الساحل، خلال آذار/مارس، وتُظهر مقاطع مصوّرة تورّط رجال تابعين للحكومة السورية الجديدة في هذه المجازر.
إشراف “الأمن العام” على المسلحين المدنيين
تشير تقديرات جماعات حقوق الإنسان إلى أن ما يقرب من 900 مدني، معظمهم من العلويين، قتلوا على يد القوات الموالية للحكومة السورية في مختلف أنحاء المنطقة الساحلية السورية في أوائل آذار/مارس الماضي، وفق تحقيق الـ”بي بي سي”.

تم إغلاق المنطقة الساحلية السورية – معقل النظام السابق – إلى حد كبير، لكن فريق “بي بي سي” تمكن من الوصول إليها، وتحدث إلى شهود عيان ومسؤولين أمنيين حول ما حدث في صنوبر بريف جبلة الساحلية.
وجاءت المجازر في الساحل بعد يوم من شن عناصر موالين للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، هجمات على قوات الأمن العام، إلا أن مجازر على أساس طائفي وانتمائي ارتكب بحق المدنيين وعوائل بالكامل.
وأفاد شهود عيان لـ”بي بي سي” أن عدة جماعات مسلحة مختلفة استهدفت العلويين بعمليات إعدام ميداني. وعندما اندلعت أعمال العنف على طول الساحل السوري، كانت قرية صنوبر في طريقها. قُتل نحو 200 شخص من هذه القرية العلوية الصغيرة، على مدار بضعة أيام في أوائل آذار/مارس.
وبعد مرور ما يقرب من شهرين على عمليات القتل، لم تقام أي جنازات لهؤلاء في صنوبر جبلة، وفق تحقيق الـ”بي بي سي”، الذي أشار إلى أنه توجد الآن مقبرة جماعية على جانب طريق قرية صنوبر المتعرج. وأصبحت هذه القرية الآن قريةً مليئةً بالنساء والأسرار. لا تزال معظم الناجيات يخشين التحدث بصراحة.
وقالت إحدى الناجيات من صنوبر لـ”بي بي سي”: “طوال اليوم، دخلت مجموعات كثيرة منزلنا. لم يكونوا من المجموعات (العسكرية) المتمركزة هنا، بل من إدلب وحلب وأماكن أخرى. بعضهم كان يرتدي زيا مموها. لكن من قتلونا كانوا يرتدون زيا أخضرا مُقنعا”.
وأردفت: “سرقوا كل شيء، وأهانونا، وهددوا الأطفال”، متابعة “وصلت المجموعة الأخيرة حوالي الساعة السادسة مساءً. سألوا: (أين الرجال؟) وأخذوا والدي وأخي علي. توسلنا إليهم ألا يقتلوهما. قالوا: (أنتم علويون يا خنازير)، وأطلقوا النار عليهما أمام أعيننا”.
“انتقمت لأخي”
سافر فريق هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) إلى إدلب، معقل “هيئة تحرير الشام” التي يتزعمها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، للقاء المسلح المدني الذي قتل الرجل العلوي ذات الـ 64 عاما.
وأُجري اللقاء مع المسلح المدني ويدعى “أبو خالد”، والذي يخضع حاليا للاحتجاز من قبل الشرطة العسكرية في انتظار التحقيق. وخلال المقابلة، زعم “أبو خالد” أن القتيل لم يكن مدنيا بل من “فلول النظام”، إلا أن الفيديو الذي صوره بنفسه للحظة إطلاق النار – والذي تحقق فريق “بي بي سي” من توقيته وموقعه – لا يدعم هذه الرواية.

هذا ويحظر القانون الدولي قتل المدنيين أو الجرحى أو المقاتلين العزل. وبحسب تحقيق الـ”بي بي سي”، فإن “أبو خالد” لا يشعر بالندم على ما فعله، وذلك بسبب أخيه الصغير، الذي قُتل في قصف شنه جيش نظام الأسد السابق عام 2018، وأضاف “أبو خالد” بالقول: “لو كنت أريد الانتقام مما فعلوه بنا لما تركت أحدا منهم (يقصد أبناء الطائفة العلوية، حيث يتحدر الأسد منها)”.
وقد أجرت منظمة العفو الدولية “أمنستي” تحقيقات في عشرات الهجمات التي قالت إنها “متعمدة” و”غير قانونية” واستهدفت المدنيين العلويين.
ويظهر أحد مقاطع الفيديو من قرية صنوبر جبلة بالساحل مقاتلا مواليا للحكومة بدمشق يسير عبر القرية وهو يهتف “تطهير عرقي، تطهير عرقي”، وفق “بي بي سي”.
“قتل على أساس طائفي”
وتتضمن قوائم الضحايا من القرية، التي جمعها ناشطون محليون، أسماء أكثر من اثنتي عشرة امرأة وطفلا، بما في ذلك طفل يبلغ من العمر 11 عاما، وامرأة حامل، ورجل من ذوي الاحتياجات الخاصة.
قالت الناجية التي شاهدت مسلحين يقتلون والدها وشقيقها إن العائلة أظهرت لقاتليها بطاقات هويتهم المدنية لإثبات عدم انتمائهما لـ”جيش الأسد”. لكن ذلك لم يُحدث فرقا؛ إذ قالت إن اتهامهم الوحيد للعائلة هو أنهم “خنازير علوية”.
وبحسب معلومات منظمة “العفو الدولية”، “قامت ميلشيات تابعة للحكومة السورية الانتقالية بقتل أكثر من 100 شخص في مدينة بانياس الساحلية خلال يومي 8 و9 آذار/مارس الفائت”، واستند التقرير إلى معلومات من 32 عملية قتل متعمدة وموجهة ضد الأقلية العلوية، دون أي مبرر قانوني.
وأكد شهود عيان للمنظمة الحقوقية أن رجالا مسلحين كانوا يسألون الأشخاص عما إذا كانوا علويين قبل تهديدهم أو قتلهم، وفي بعض الحالات ألقوا باللوم عليهم في انتهاكات يُزعم أنها ارتُكبت في عهد نظام بشار الأسد المخلوع.
كما أفادت الشهادات بأن السلطات الجديدة أجبرت عائلات الضحايا على دفن أحبائهم في مواقع جماعية دون مراعاة الشعائر الدينية أو إقامة مراسم دفن علنية.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

