استلهم الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع، خطة مارشال الأميركية التي ساعدت في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ليعيد طرحها من جديد سعيًا لإعادة إعمار سوريا بعد سنوات من النزاع، والتي تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز العلاقات مع الدول الغربية، وتقديم رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة السورية على أسس اقتصادية وسياسية عادلة.
وتتزايد المؤشرات على سعي الشرع لأن يطرح تلك المبادرة ضمن المباحثات المحتملة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال جولته التي انطلقت اليوم إلى ثلاث دول خليجية “المملكة العربية السعودية- قطر- الإمارات”، بوصفها رؤية استراتيجية متكاملة لإعادة إعمار سوريا، وإعادة ضبط التوازن الإقليمي عبر التنمية لا النزاع.
بصيص أمل ونموذجاً بديلاً
وفقًا لمصادر إعلامية مطّلعة، قد يمهّد هذه المقترح الطريق لعقد لقاء بين الرئيس الانتقالي السوري وترامب، في العاصمة السعودية الرياض، يوم الأربعاء، ما يضع الملف السوري ضمن أجندة ترامب خلال جولته وتكون البداية لرفع العقوبات الأميركية عن سورية، وتتزايد مؤشرات إتمام هذا اللقاء خاصة بعد أن ألمح الرئيس الأميركي بإمكانية تخفيف العقوبات عن سوريا قبل انطلاق جولته الخليجية بساعات.
ويقدم “مشروع مارشال السوري” بصيص أمل ونموذجاً بديلاً، لا يقوم على تقاسم النفوذ، بل على شراكة تنموية حقيقية، والتي تتوقف نجاحها على عاملين أساسيين أولهما يتمثل بوجود إرادة سياسية سورية صادقة منفتحة على الجميع، وشبكة إقليمية- دولية ترى في سوريا فرصة للتّعافي، لا ساحة للصراع المفتوح.

بحسب الرئاسة السورية، تحدث الشرع مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الأحد، وقال شخص مقرّب من الرئيس السوري بعد ذلك إن لقاء ترامب والشرع لا يزال ممكنا في السعودية، لكنه لم يؤكد ما إذا كان الشرع قد تلقّى دعوة.
ظلت سوريا تدفع منذ أكثر من عقد ثمن الحرب حتى غرقت مُدنها في دمار واسع، وتشرّد ملايين من أبنائها، بينما تواصل جراحها في ذاك النزيف على مدار سنوات خاصةً في ظل انهيارها الاقتصادي.
وهناك اهتمام كبير لمعرفة تفاصيل بشأن “خطة مارشال السورية” التي طرحها الشرع، ورؤيته في إعادة الإعمار من خلالها.
ما هو “مشروع مارشال”؟
هو برنامج اقتصادي ضخم أُطلق عام 1947 لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية/ سُمّي المشروع باسم وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جورج مارشال، وتم تقديمه رسميًا في 5 حزيران/ يونيو 1947. بلغت قيمته 13 مليار دولار، وامتد تنفيذه من نيسان/ أبريل 1948 حتى حزيران/ يونيو 1952.
خلال هذه الفترة، استعادت غالبية دول أوروبا الغربية عافيتها الاقتصادية، وأعادت بناء قدراتها الإنتاجية الصناعية والزراعية، وتمكنت خلال أربعة أعوام من تحقيق معدلات نمو عالية للناتج القومي الإجمالي تراوحت بين 15و25 بالمئة.
كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد ذكر “مشروع مارشال” خلال زيارته الأخيرة إلى فرنسا، في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس إيمانويل ماكرون، وأعرب عن رغبته في تعزيز العلاقات مع الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، من خلال رؤية لإعادة إعمار سوريا على غرار “خُطّة مارشال”.
وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” فإن الشرع بعث برسائل إلى “البيت الأبيض” عبر وسطاء، يعرض فيها رؤيته لإعادة الإعمار، وطلب عقد اجتماع مع الرئيس الأميركي ترامب خلال جولته إلى الخليج.
نجاح هذا المشروع مشروط بدعم غربي جادّ، ليس من أجل سوريا فحسب، بل من أجل إعادة هندسة توازنات الشرق الأوسط على أسس تنموية تشاركية، بديلًا عن التنافس العسكري التقليدي. كما أن الاتحاد الأوروبي يرى فيه وسيلة لاحتواء تداعيات ما بعد سقوط نظام الأسد، سواء من حيث موجات اللجوء، أو التهديدات الأمنية.
خطة مارشال السورية
يستعير المشروع اسمه من الخطة الأميركية، لكنه لا يكتفي بالمساعدات أو إعادة الإعمار التقليدي، بل يطرح تصوّرًا شاملًا لإعادة بناء الدولة السورية على أسس سياسية واقتصادية عادلة، من خلال تأسيس بنى مؤسساتية مدنية، ودعم العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية، إضافة إلى تنمية الاقتصاد الإنتاجي بعيدًا عن الرَّيعية، وإطلاق بنية تحتية تكنولوجية وسياحية فاعلة.
وتُقدر الكلفة الإجمالية للمشروع بأكثر من 250 مليار دولار، تمتد على ثلاث مراحل حتى عام 2035، بتمويل من دول الخليج، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى استثمارات خاصة.

هذا ولا يقتصر المشروع على الداخل السوري، بل يضع سوريا في قلب منظومة اقتصادية جديدة، تربط الخليج بتركيا، وأوروبا عبر الموانئ وخطوط الغاز والطاقة، ويتوقع أن يلعب الخليج دورًا مركزيًا في تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة، وتحفيز القطاع الخاص الخليجي للدخول في شراكات طويلة الأمد.
ويرى خبراء أنّ هذا التكامل يمكن أن يقلّص موجات الهجرة غير الشرعية، يضعف من بيئات التطرف، إضافة إلى فتح أسواقٍ جديدة للاستثمار الخليجي والأوروبي، فضلًا عن أنه يعيد تعريف سوريا كممر إستراتيجي للطاقة والتجارة.
وادي السيليكون
من أبرز ابتكارات المشروع، اقتراح إنشاء “وادي السيليكون السوري” في مدينة حلب، كمنطقة تكنولوجية حرة، تحتضن الشركات الناشئة والابتكار الرقمي، وتُشجّع على عودة الكفاءات السورية من المهجر.
كما يسعى المشروع إلى إحياء المواقع السياحية التاريخية في تدمر، حلب القديمة، دمشق، إدلب، وحماة، وربطها بسياحة دينية وثقافية تُدرّ دخلًا طويل الأمد وتعزز من الهوية الوطنية.
يرتكز نجاح المشروع حسب الخبراء على إنشاء هيئة رقابة مستقلة تخضع لبرلمان انتقالي سوري، وتنشر تقارير مالية ربع سنوية، وتخضع لتدقيق خارجي من شركات عالمية.
ويُعد إشراك المجتمع المدني السوري عنصراً حاسماً في منع تسييس المشروع وتحويله إلى أداة نفوذ بيد أي طرف، والاستفادة من الكفاءات السورية الاقتصادية والتقنية والإدارية، خاصة المغتربين الذين اطلعوا خلال الأعوام الماضية على معايير الجودة والتنفيذ للاستفادة منها وتجاوز السلبيات التي كانت تعترضهم.
لا يهدف المشروع فقط إلى معالجة تداعيات ما بعد الحرب، بل إلى إعادة تشكيل الدولة السورية من خلال تعزيز اللامركزية الإدارية، ودعم الإنتاج المحلي، وربط سوريا بشبكات نقل وطاقة إقليميّة.
يرى مراقبون أن المشروع قد يوجّه اهتمام القوى الدولية نحو أدوات التنمية بدل القوة، إذا ما توافرت تسوية سياسية وتوافق إقليمي- دولي يمنح المشروع شرعيته.

