الوجود الأميركي في سوريا: فصل اقتصادي جديد؟

يبدو أن السياسة الأميركية تجاه سوريا الجديدة باتت تسير باتجاه جديد، اتجاه أساسه الاقتصاد، فبعد أشهر من الحديث عن الانسحاب العسكري من الشام، غالبا أمست هذه الفكرة من الماضي، بل على العكس، تحولت نظرة إدارة ترامب للوجود الأميركي من كونه وجود عسكري الى وجود اقتصادي مدعوم مع وجود عسكري رمزي.

واقعيا، فإن هذا التغير في النظرة أو السياسة الأميركية، جاء عقب التطورات الأخيرة التي حدثت مطلع هذا الأسبوع، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاثنين المنصرم، من قلب الرياض، رفع العقوبات المفروضة على سوريا، ثم لقائه بعدها بيوم مع الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في السعودية.

الشرع يدعو واشنطن للاستثمار.. وترامب يرغب بذلك

خلال اللقاء، الذي عقد بحضور ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والذي شارك فيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عبر الفيديو، أكد الشرع، تطلعه إلى تعاون اقتصادي شامل مع واشنطن، يبدأ بعملية إعادة الإعمار خلال المرحلة المقبلة، مع التأكيد على أهمية الدور الأميركي في هذا المسار.

هنا وفي هذا المنحى، شدّد ترامب، على رغبة الولايات المتحدة في المشاركة الفاعلة بإعادة إعمار سوريا، لا سيما، بعد أن دعاه الشرع، لاستثمار في النفط والغاز السوريين، ويبدو أن هذا الأمر حفّز الرئيس الأميركي لفكرة التعاون الاقتصادي أو لنقل الاستثمار في سوريا، وهو ما لمّحت له الخزانة الأميركية.

في أعقاب قرار ترامب، رفع العقوبات عن سوريا، وهي التي أثقلت كاهل السوريين لأكثر من 14 عاما، ثمّنت دمشق تلك الخطوة، كونها ستسهم بتطوير الاقتصاد السوري، ويتضح ذلك أيضا، من خلال تصريح وزير المالية، محمد يسر برنية، حيث وصف القرار، بأنه سيساعد سوريا في بناء مؤسساتها وتوفير الخدمات الأساسية، وسيخلق فرصا لجذب الاستثمار وإعادة الثقة بمستقبل البلاد.

ترامب مع الشرع في الرياض – (واس)

التعاون الاقتصادي الأميركي في سوريا، سيكون أيضا من خلال مشاركة شركاء واشنطن في إعادة إعمار دمشق، وتأتي السعودية وقطر وتركيا في المقدمة، إذ أكدت الدول الثلاث، على زيادة دعمها الاقتصادي لسوريا، وأنها ستبذل كل جهودها لتطوير البنى التحتية السورية، وإنعاش الاقتصاد السوري، وورد ذلك على لسان إردوغان وبن سلمان، فضلا عن أمير قطر، تميم بن حمد، إبان لقاءاتهم مع ترامب، خلال جولته في المنطقة.

ومما يزيد من التوقعات بتوجه واشنطن نحو علاقة اقتصادية مع دمشق، ما قالته الخزانة الأميركية، أمس الخميس، فبينما أوضحت أنها تعمل بالتنسيق الوثيق مع وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي لتنفيذ توجيهات ترامب برفع العقوبات عن سوريا، أكدت أنها تتطلع إلى تطبيق التصاريح اللازمة “التي ستكون حاسمة لجلب استثمارات جديدة إلى سوريا”.

كذلك رجحت وزارة الخزانة، أن الإجراءات التي تتخذها “ستساعد في إعادة بناء الاقتصاد السوري والقطاع المالي والبنية التحتية، وأنها تهدف إلى وضع البلاد على طريق مستقبل مشرق ومزدهر ومستقر”، وذكر مسؤول في الإدارة الأميركية، أنه من المرجح أن تصدر الخزانة، رخصا عامة تغطي مجموعة واسعة من قطاعات الاقتصاد السوري المهمة لعملية إعادة الإعمار.

النفط والغاز بوابة الاستثمار الأميركي

فيما يخص قطاع النفط والغاز، والذي يمثل ركيزة أساسية للاستثمار الاقتصادي لأي جهة تطمح لدخول سوريا اقتصاديا، والذي دعا الشرع بنفسه واشنطن للاستثمار فيه، فإن مهمة الولايات المتحدة ستكون يسيرة نوعا ما، لاعتبار مهم، وأن معظم انتشار هذا القطاع، لا سيما حقول النفط، هو في شمال وشرق سوريا، وتلك المنطقة تعرفها أميركا جيدا من خلال وجودها العسكري فيها لسنوات عديدة.

ويقدر حجم إنتاج النفط في شمال شرق سوريا بنحو 25 ألف برميل يوميا، وتتركز معظم الحقول في الحسكة والرقة ودير الزور، غير أن هذا الحجم أقل مما يمكن إنتاجه فعليا، نظرا لرداءة الأدوات والبنية التحتية، وزيادة الإنتاج تحتاج إلى الاستثمار الحقيقي في تلك الحقول، وتوفير المعدات والتكنولوجيا اللازمة لصيانة تلك الحقول والإشراف عليها، وهنا فإن واشنطن تعد رائدة في الشركات التي تستثمر بالنفط.

هذا وتتفاوت التوقعات بشأن إنتاج النفط المستقبلي في سوريا بشكل كبير، حيث تتراوح بين 63 ألفا و207 آلاف برميل يوميا بحلول عام 2035، وهذا يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه القطاع نتيجة عدم الاستثمار الأجنبي عطفا على العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على سوريا، فما أن تستحوذ عليه الشركات الأجنبية بهدف الاستثمار بعد رفع العقوبات، ومع توفر الاستقرار الأمني طبعا، فإن هذا الرقم سيصبح أمرا واقعا مستقبلا.

وما يمكن قوله، إن مؤشرات التعاون الاقتصادي، ليست مقتصرة على النفط والغاز، ففي دولة مثل سوريا التي عانت الويلات من الحرب، وما تسببته من دمار وخراب، يمكن للاستثمارات الأميركية أن تقتحم البنية التحتية، فالفرصة فيها كبيرة جدا لإعادة الإعمار، لا سيما وأن هناك حاجة ماسة لتأهيل المطارات والطرق وشبكات الكهرباء والاتصالات، وهنا يمكن للشركات الأميركية أن تلعب دورا في هذا المجال.

في النهاية، وجود واشنطن في سوريا بات نافعا للطرفين، لا سيما أميركا، نظرا لكل ما تم ذكره أعلاه، وبما أن ترامب أبدى رغبته، المشاركة بإعادة إعمار سوريا، ناهيك عن دعوة الشرع الصريحة له للاستثمار في البلاد، فإن فكرة الانسحاب الأميركي من سوريا باتت من الماضي، والرؤية الحالية، هي الاستثمار الاقتصادي، مع الحفاظ على وجود عسكري أميركي رمزي في البلاد.

علي الكرملي

علي الكرملي

صحفي عراقي، كاتب ومحرر المحتوى البصري والرقمي في "الحل نت". حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة بغداد.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم