تشهد دمشق منذ سنوات ارتفاعاً حاداً في أسعار الإيجارات، ما جعل تأمين سكن مناسب تحدياً كبيراً للمواطنين، كونها أكثر الأعباء المعيشية إلحاحاً على المواطنين، خاصةً في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وانخفاض القدرة الشرائية.
يأتي ذلك في ظل أزمة سكن خانقة تعصف بالعاصمة وريفها، ما يدفع البعض إلى البحث عن بدائل في المدن البعيدة عن دمشق وفي المحافظات الأخرى، لكن ذلك ليس حلا، كون أزمة المنازل وصلت إلى كل المحافظات، حيث بدأت حركة متسارعة لعودة السوريين، اللاجئين والنازحين، منذ الإطاحة بالأسد.
أسباب الأزمة وتأثيراتها
يعود ارتفاع الإيجارات في المدن السورية، وخاصة دمشق، إلى عدة عوامل متفاوتة، منها نقص المعروض من الشقق الجاهزة للسكن، نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية خلال فترة الحرب، وارتفاع تكاليف البناء والترميم، إضافة إلى غياب الضوابط القانونية الرادعة التي تنظّم سوق الإيجارات والتي تُعد من أبرز تلك العوامل.

حيث أدى هذا الغلاء إلى آثار اجتماعية واقتصادية ملموسة، إذ باتت نسبة كبيرة من الموظفين تنفق أكثر من نصف رواتبها على السكن، وبعض منهم لا يكفيه حتى كامل راتبه، ما يضطرهم للعمل في أكثر من وظيفة، لسد بعض من احتياجات الحياة، ويضعهم تحت ضغط مالي متواصل يؤثر على مستوى المعيشة والخدمات الأساسية الأخرى.
في خيار صعب لا يخلو من التعقيدات اتجه عدد من العاملين في المدن إلى الإقامة في مناطق ريفية قريبة، هرباً من ارتفاع الإيجارات ضمن العاصمة دمشق.
ويقول علي الأحمد، وهو موظف مقيم في إدلب ويعمل في دمشق: “أقضي ساعات طويلة على الطرقات ولا أرى عائلتي إلا في العطلة الأسبوعية، لكنني مضطر لذلك، راتبي لا يكفي لاستأجر غرفة في دمشق.”
ويشاركه الرأي، محمد القاسم، وهو موظف في العاصمة من أبناء مدينة الشيفونية في ريف دمشق، اضطر للبقاء في منزل عائلته بإدلب بعد أن وجد منازلهم مدمرة. وأضاف لـ “الحل نت”: “لم نعد قادرين على تأمين سكن بسبب غلاء إيجار الشقق السكنية والتي يتراوح أيجارها سنوياً بين 3500 دولار أمريكي و12000دولار أمريكي، على أقل تقدير، في حين لا يتجاوز الدخل الشهري للموظف 300 دولار أمريكي في أفضل أحواله.”
ولم يكن أمام القاسم خيارا أفضل من البقاء في إدلب، ضمن مخيمات الشمال السوري، ما زاد الأمر صعوبة أكثر، لكنه يعد الخيار الأنسب في الوقت الحالي، حيث يقيم القاسم في مكان عمله بدمشق ويعود إلى منزله بإدلب كل نهاية أسبوع، وفق قوله.
“المسافة أكثر من 350 كم، والتي تزيد علينا من أعباء التكاليف المعيشية، كنت أتمنى الاستقرار في دمشق بجوار عملي، لكن الأسعار الجنونية تجعل من ذلك حلماً بعيد المنال”، أضاف القاسم لـ “الحل نت”.
اختلاف الأسعار بين أحياء دمشق
تختلف إيجارات البيوت بشكل كبير بين منطقة وأخرى، بحسب أصحاب المكاتب العقارية، بل وحتى بين منزل وآخر ضمن نفس الحي، وذلك باختلاف مستوى تجهيز المنزل وموقعه.

ففي منطقة المزة، والتي تُعتبر من الأحياء الراقية في دمشق، يتراوح إيجار الشقة المفروشة والمجهزة بالكامل بين 600 دولار أميركي و2000 دولار أميركي، وربما أكثر في بعض الأبنية الحديثة أو القريبة من الأوتوستراد. ويؤكد أحد أصحاب المكاتب العقارية في دمشق أن الطلب على هذه المنطقة عالٍ بسبب قربها من الجامعات والسفارات، ما يرفع الأسعار باستمرار.
أما في كفرسوسة، وكونها قريبة من مركز المدينة وتعد من الأحياء الحديثة نسبياً، فإن الأسعار متشابهة إلى حدّ كبير من المزة، وفق ما رصد “الحل نت” بعد زيارات ميدانية إلى مكاتب عقارية.
الأحياء ذات الطابع الشعبي مثل برزة والميدان، تبدو الأسعار أقل نسبياً، حيث يتراوح إيجار المنزل غير المفروش بين 300 دولار أميركي إلى 800 دولار أميركي، وتختلف حسب التجهيزات وتوفر الكهرباء والمياه، وبين منزل مفروش وآخر غير مفروش.
أحد أصحاب المكاتب العقارية، قال لـ “الحل نت” إن الطلب في هذه المناطق يزداد بسبب غلاء المناطق الأخرى، “لكن حتى هنا الأسعار ارتفعت أكثر من 100بالمئة خلال 6 أشهر الأخيرة”.
وفي أطراف المدينة، مثل ضاحية قدسيا، باتت خياراً أنسب للباحثين عن إيجارات أقل، حيث تتراوح أسعار الإيجارات فيها ببن بين 200 دولار أميركي و300 دولار أميركي، بحسب حجم المنزل وموقعه ضمن الضاحية، لكن معاناة التنقل ما تزال تشكل عائقا بسبب بعدها عن مركز المدينة.
من جهة أخرى، يشتكي المستأجرون من “العمولة” التي تطلبها المكاتب العقارية والتي تصل إلى نصف قيمة الإيجار الشهري، حتى لو كانت فترة الإيجار قصيرة. في حين يبرر أصحاب تلك المكاتب هذا الأمر بارتفاع التكاليف التشغيلية وصعوبة إيجاد خيارات مناسبة في السوق العقارية.
يأتي ذلك في ظل غياب الرقابة على المكاتب العقارية ووضع آليات واضحة لأسعار الشقق السكنية، خاصة في ظل ارتفاع الطلب وانخفاض العرض، حيث أصبح المستأجر عرضة للاستغلال والابتزاز.
ولم يحصل “الحل نت” على ردٍّ من محافظة دمشق لغاية نشر التقرير، إذ وجّهت مجموعة أسئلة إلى مجلس المحافظة، تتعلق بالحلول والخطط المستقبلية لفرض استقرار في السوق العقارية لمدينة دمشق، إضافة إلى آليات الرقابة على هذا السوق غير المنظم.
وتعد أزمة الإيجارات انعكاسا مباشرا لتحديات اقتصادية واجتماعية واسعة، تتطلب حلولاً استراتيجية تبدأ بإعادة تأهيل ما يمكن من الأبنية المتضررة، ووضع تشريعات تضمن استقرار سوق الإيجارات، ليحصل المواطن على حلول واقعية مستدامة.
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة
- انفجار خط غاز ريف دمشق يخرج 3 محطات عن الخدمة.. متى تعود الكهرباء؟

