منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، تشهد جماعة “الإخوان المسلمين” سلسلة من الضغوط المتصاعدة، على الصعيدين العربي والدولي، وسط شبه إجماع على ضرورة الحد من نشاطها أو حتى حظرها بالكامل.
فقد ارتبط اسم الجماعة، في عدد من الدول، بتأجيج العنف والتحريض، ما جعلها هدفاً مباشراً في استراتيجيات مكافحة التطرف.
هذا التحول، الذي كان يتبلور منذ سنوات، تسارع بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، بعد تصاعد الأزمات في المنطقة، وبدأ يأخذ منحى قانونياً وأمنياً في عدة بلدان.
فرنسا في مواجهة “الإخوان المسلمين”
عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء الفائت، اجتماعا للمجلس الأعلى للدفاع والأمن القومي لمناقشة المشروع الذي تروج له الحركات الإسلامية بفرنسا، ووضع حركة “الإخوان المسلمين”، شارك فيه كل من رئيس الحكومة، “فرانسوا بايرو”، ووزراء الداخلية، “برونو روتايو”، والتربية الوطنية “إليزابيت بورن”، والاقتصاد “إريك لومبار”.

جاء ذلك الاجتماع عقب صدور تقرير أعده موظفان رسميان رفيعي المستوى، بطلب من الحكومة الفرنسية، خلص إلى أن جماعة “الإخوان المسلمين” تشكل تهديدا للتلاحم الوطني، مع تنامي تشدد إسلامي “من القاعدة صعودا” على المستوى الداخلي.
التقرير الذي رافق هذا التوجه، أشار إلى خطورة التأثير العقائدي والتنظيمي لـ “الإخوان” داخل المجتمع الفرنسي، خاصة في الأوساط التعليمية والثقافية.
ماكرون أوضح أن الجماعة تسعى لبناء “مجتمعات موازية” داخل الدولة، ما يهدد التماسك الاجتماعي ويعيق اندماج المسلمين. ومن ثمّ، شددت الحكومة الرقابة على الجمعيات الإسلامية، وتم حل عدد من المنظمات التي يشتبه بارتباطها بـ “الإخوان”.
على الصعيد الأوروبي
في منتصف عام 2021 أطلقت الحكومة النمساوية، يُعرف بـ “خريطة الإسلام السياسي”، التي تضمنت أسماء منظمات يُعتقد أنها واجهات لـ “الإخوان المسلمين”، وعلى أثرها أُغلقت بعض الجمعيات بالفعل. أما ألمانيا، فشهدت تحركات أمنية مكثفة ضد مساجد ومراكز ثقافية مرتبطة بالإخوان.
في حين أن بريطانيا التي كانت سابقاً ملاذاً آمناً لبعض قيادات الجماعة، بدأت تراجع سياساتها، خاصة بعد تقارير أمنية حذرت من تسلل الفكر الإخواني إلى المؤسسات التعليمية وبعض الجاليات.
هذا التغير الأوروبي يعكس تحوّلاً في الفهم السياسي للجماعة، من اعتبارها حركة دعوية إلى تنظيم سياسي ذي طبيعة أيديولوجية متشددة، عابر للحدود.
الأردن والجماعة الإسلامية
عقب عملية أمنية استطاعت دائرة المخابرات العامة الأردنية، من الكشف عن مخابئَ لتصنيع المتفجرات وتجريبها من قبل أحد أبناء قيادات جماعة “الإخوان المسلمين” كانوا ينوون استهداف الأجهزة الأمنية ومواقع حساسة داخل المملكة.

على أثرها أعلن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية حظر كافة نشاطات جماعة “الإخوان المسلمين” في الأردن واعتبارها جمعية “غير مشروعة”. مضيفاً في بيان رسمي نقلته وكالة “بترا”، “اعتبار الانتساب لجماعة الإخوان المسلمين أمراً محظوراً، وحظر الترويج لأفكارها، وتحت طائلة المساءلة القانونية”.
وقال الفراية: “إنه ثبت قيام عناصر ما يسمى بجماعة الإخوان المسلمين بالعمل في الظلام، والقيام بنشاطات من شأنها زعزعة الاستقرار، والعبث بالأمن والوحدة الوطنية، والإخلال بمنظومة الأمن”.
مشيراً إلى أن ما تم الكشف عنه من أسلحة تُخزَّن داخل الأحياء السكنية، والقيام بإخفاء صواريخ في ضواحي العاصمة عمان، وتدريب وتجنيد لعناصر الحركة في الداخل والخارج، أمر لا يمكن لأي دولة أن تقبل به.
علماً أن محكمة التمييز الأردنية، كانت قد أصدرت في عام 2020، قراراً بحل جماعة “الإخوان المسلمين”، لعدم قيامها بتسوية أوضاعها القانونية.
وعلى الرغم من أن الجماعة استمرت بالعمل من خلال واجهة قانونية أخرى (جمعية الإخوان المسلمين المرخصة عام 2015). هذا الإجراء لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة تراكمات سياسية وقانونية، خصوصاً في ظل تراجع التأييد الشعبي، وتصاعد التوتر بين الجماعة والحكومة الأردنية. هذا القرار أدى إلى إضعاف قدرة الجماعة على التأثير في الحياة السياسية، خاصة بعد أن كانت تملك أحد أكبر الكتل النيابية سابقاً.
من السلطة إلى الهامش
كانت مصر المعقل الأساسي لـ “الإخوان”، ومهد انطلاقتهم عام 1928. بعد ثورة يناير 2011، وصلت الجماعة إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، لكن تجربة الحكم لم تدم طويلاً، إذ تمت الإطاحة بها في تموز/يوليو 2013، وأعقب ذلك تصنيفها كـ “جماعة إرهابية”.

في السنوات الأخيرة، ترددت شائعات حول تفكيك الجماعة بالكامل داخل مصر، خاصة بعد انقساماتها الداخلية، واعتقال أو هروب معظم قياداتها. كما أن التضييق القانوني والأمني على أي نشاط سياسي أو اجتماعي ذي طابع إخواني جعل وجودها شبه معدوم.
منذ 2014، أدرجت السعودية والإمارات جماعة “الإخوان” على قوائم الإرهاب. هذا التصنيف لم يكن إجراءً رمزياً فقط، بل تلاه تفكيك شبكات تمويل وملاحقة خلايا إعلامية وتنظيمية على أراضيهما.
السعودية، التي كانت تاريخياً أكثر انفتاحاً على “الإخوان” خلال عقود ماضية، اتخذت منعطفاً حاسماً بعد أن اعتبرتهم “تهديداً للأمن القومي”.
الإمارات، من جهتها، قادت حملة دولية ضد الجماعة، ودعمت تقارير ومبادرات في المنتديات الدولية لتصنيف “الإخوان” كتنظيم متطرف عابر للحدود، كما شددت من رقابتها على الجمعيات الخيرية والتعليمية التي قد تستخدم كغطاء لنشاطهم.
موقف واضح من الحكومة السورية
بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع، زعيم “هيئة تحرير الشام”، إلى سدة الحكم في دمشق، سارعت جماعة “الإخوان المسلمين” إلى إعلان دعمها للسلطة الجديدة، وبدأت بالتحضير لتسوية وضعها القانوني بعد عقود من الحظر.

غير أن هذه مساعي الجماعة اصطدمت بواقعٍ سياسي إقليمي ودولي بات أكثر تحفظا تجاه الجماعة، خصوصًا تلك التي قد تُتهم بتشكيل أذرع مسلحة أو تهديد استقرار الدول.
مصدر سوري مطّلع كشف لموقع “الحل نت” أن الشرع، الذي يتولى قيادة المرحلة الانتقالية، رفض طلبا تقدمت به قيادات من الجماعة لإعادة افتتاح مقارها في سوريا.
وأوضح المصدر أن هذا القرار يأتي انسجاما مع توجهات عربية وأمريكية متزايدة لوقف أي كيان يتجاوز سلطة الدولة، سواء كان ميليشيا أو حزبا مسلحا، في ظل تداعيات ما بعد هجمات 7 أكتوبر.
هل هناك إجماع لحل “الإخوان المسلمين”؟
ما بعد 7 أكتوبر، شكل فرصة سياسية وأمنية لكثير من الدول لإعادة تقييم علاقة جماعة “الإخوان” بالأمن المجتمعي والاستقرار السياسي، وسط تصاعد موجات التطرف، بات يُنظر إلى الجماعة بوصفها حاضنة فكرية لكثير من التنظيمات المتشددة، أو على الأقل، كمنصة لتبرير العنف.

التغير الدولي لم يعد مقتصراً على السياسات الأمنية فقط، بل وصل إلى المستويات الأكاديمية والإعلامية، حيث تتزايد الدراسات والبرامج التي تفكك خطاب “الإخوان”، وتحذر من تأثيرهم على الشباب والمجتمعات المسلمة.
في حوار خاص لـ “الحل نت” مع الكاتب والمتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، حسن أبو هنية، ذكر أن كان هناك شبه إجماع دولي أو إقليمي على حل جماعة “الإخوان المسلمين”، بسبب أحداث السابع من أكتوبر. فيقول أبو هنية: “يوجد حملة تضييق عالمية لا شك، لكن لا يوجد إجماع أو شبه إجماع على حل جماعة الإخوان المسلمين، نستطيع أن نقول على نطاق عربي إقليمي، ولكن ليس على مستوى عالمي”.
نعرف أن يوجد انقسام داخل مجلس الأمن القومي الأميركي، ولكن ما أفضت إليه سواءً في أميركا أو في أوروبا أن جماعة الإخوان المسلمين ميسرة للتطرف وللإرهاب.
الكاتب والمتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، حسن أبو هنية
أما عن موقف الدول العربية، فيقول: “العالم العربي منقسم لا يوجد هناك إجماع على رأي، السياسات ملاحقة مطاردة بين الاحتواء والاستئصال وهذه عملية قديمة، ولكنها بدأت بوتيرة أعلى بعد رفض السلطات التي وصلت لسدة الحكم على إثر ثورات الربيع العربي في مناطق مثل تونس ومصر”.
أما عن التعاطي مع الجماعة بعد أحداث السابع من أكتوبر فيقول أبو هنية: “بعد السابع من أكتوبر شاهدنا تضييق وسياسات أكثر حدة ضد الجماعة، كون أن حماس هي فرع عن جماعة الإخوان المسلمين على الرغم من أنها أعلنت في 2017 فك الارتباط، ولكن الدول لم تقتنع واعتبرته أنه فك ارتباط شكلي”.
إن ما حدث في سوريا، وفق أبو هنية، بعد انهيار نظام الأسد في سوريا وعودة الإسلاميين على الرغم من عدم ارتباطهم بجماعة “الإخوان المسلمين”، ولكن هذا أثر المخاوف من عودة الإسلام السياسي هذه معضلة في العالم العربي، ولكن على المستوى الدولي، لا يوجد هناك رفض.
أما على الصعيد الدولي فيرى أبو هنية، “أن ما نراه في أوروبا خاصة في دولة مثل فرنسا تتبع نهج علماني من المؤكد أن إجراءاتها متشددة تجاه أي شكل من أشكال الإسلام السياسي خاصة الإخوان المسلمين، وهذا ما يسموه بالانفصالية الإسلامية والالتزام بقيم الجمهورية”.
أما عن التحديات التي تواجه الجماعة، ومستقبل حركات الإسلام السياسي فيقول: “هناك تحديات تواجه جماعة الإخوان المسلمين على المستويين المحلي والدولي، وهي تتراجع بشكل ملحوظ، إلا أن هذا لا يعني زوالها أو استئصالها، فالإسلام السياسي مازال ينتج صوراً جديدة تحت مسميات مختلفة وهذا ما رأيناه في سوريا مؤخراً بعد وصول هيئة تحرير الشام للحكم”.
إلا أنه في ظل هذا الزخم المتزايد ضد الجماعة، يبدو أن “الإخوان المسلمين” يواجهون أسوأ مراحلهم منذ تأسيسهم قبل نحو قرن. ما بين الحظر القانوني، والرفض الشعبي، والتفكك التنظيمي، يخفت صوت الجماعة، ربما يقود إلى إعادة التفكير في مفهوم الإسلام السياسي برمته.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

