عقدت الإدارة السورية الجديدة صفقة وصفت بـ”تاريخية”، حيث تُعد الأكبر منذ إسقاط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، والتي من المتوقع أن تسهم بتحول مسار قطاع الطاقة في الدولة التي تعاني من آثار الحرب المُدمرة منذ أكثر من عقد، في خطوة تعكس مساعي الحكومة نحو تعزيز شبكة الكهرباء في سوريا.
ووقعت الإدارة السورية، اليوم الخميس، على اتفاق مع أربع شركات لدعم شبكة الكهرباء في البلاد بنحو 5 آلاف ميغاواط، في خطوة تهدف لمضاعفة المعروض في سوريا التي تواجه مشكلة كبيرة في الكهرباء عقب الحرب التي استمرت لأكثر من 14 عاما.
اتفاق تاريخي
جاء ذلك تأكيدًا لما نشره موقع “الحل نت” صباح اليوم، حيث أكد مصدر في الحكومة السورية، في وقت سابق اليوم، أن توقيع الاتفاقية التي يطلق عليها “مبادرة إحياء الطاقة في سوريا”، بإشراف الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وبحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك.
كما أن توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية وأربع شركات دولية لتوسيع شبكة الكهرباء بـ5000 ميغاواط من خلال مشاريع طاقة غازية وشمسية في عدد من المناطق الحيوية، لكن دون الإفصاح عن التكلفة التشغيلية للمشروع ومدة العقد.

وأوضح أن الاتفاقية تتضمن شركة “أورباكون كونسيشن إنفستمنتس” القطرية مطوّراً رئيسياً للمشروع، إلى جانب كل من “كاليون إنرجي” لاستثمارات الطاقة و”جنكيز إنرجي” التركيتين، و”باور إنترناشونال” الأميركية.
وتعد الصفقة من أكبر صفقات الكهرباء في تاريخ سوريا، إذ تستهدف تعزيز مجالات الاستثمار في قطاع الطاقة، وتحقيق هدف الدولة بالوصول إلى تشغيل كامل للكهرباء في جميع أنحاء البلاد.
نقطة تحول بقطاع الطاقة
تشمل الاتفاقية تطوير أربع محطات توليد طاقة تعمل بنظام الدورة المركبة (CCGT)، في دير الزور، ومحردة، وزيزون بمحافظة حماة، وطريفاوي بمحافظة حمص، بطاقة إجمالية تبلغ حوالي 4000 ميغاواط، كما تشمل محطة طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط في وديان الربيع جنوب سوريا.
من المقرر أن تستعمل تقنيات أميركية وأوروبية في هذه المحطات، بينما ستُطوَّر محطة طاقة شمسية بسعة 1000 ميغاواط في وديان الربيع جنوب سوريا، وتبلغ قيمة الاستثمارات في أكبر صفقة كهرباء في تاريخ سوريا نحو 7 مليارات دولار.
بحسب وزير الطاقة في الحكومة الانتقالية، المهندس محمد البشير، فإن أهداف أكبر صفقة كهرباء في تاريخ سوريا، الموقّعة مع شركة “أورباكون”، تتمثل في ترسيخ التعاون والتكامل الإقليمي في قطاع الطاقة.
وأضاف: “نعيش اليوم لحظة تاريخية تشكّل نقطة تحول بقطاع الطاقة والكهرباء في سوريا لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة في هذا القطاع المهم”.
ولفت الوزير السوري إلى أن مذكرة التفاهم الجديدة يمكنها أن تساعد على تحفيز مشروعات الطاقة النظيفة والمتجددة في سوريا، وفق التصريحات التي طالعتها منصة الطاقة المتخصصة.
مرحلة جديدة
بينما قال الرئيس التنفيذي لشركة “أورباكون” القابضة رامز الخياط، إن مذكرة التفاهم تمثّل مرحلة جديدة من العمل المشترك لإعادة إعمار سوريا، عبر تحقيق اكتفائها الذاتي لضمان النهضة المستدامة.
ووجّه الخياط الشكر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك لتوفير الظروف الملائمة لتوقيع المذكرة.

وأوضح الرئيس التنفيذي للشركة القطرية، أن “أورباكون” ستستعمل أحدث التجهيزات في مجال الطاقة، إذ ستوفر أكبر صفقة كهرباء في تاريخ سوريا أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة عمل غير مباشرة، بما يدعم سوق العمل في سوريا.
تستهدف أكبر صفقة كهرباء في تاريخ سوريا مضاعفة إنتاج البلاد من الكهرباء، بما يلبي الحاجة المتزايدة والطلب المتنامي على الكهرباء في البلاد، التي ما تزال تواجه شبح انهيار بُنيتها التحتية للطاقة.
توقيت حساس
جائت الصفقة في إطار تنفيذ تعهدات الرئيس السوري، أحمد الشرع، بزيادة سريعة في المعروض من الكهرباء داخل سوريا التي لا تحظى أغلب المناطق بها بأكثر من ساعتين أو ثلاثة من الكهرباء يوميًا.
وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن ترميم البنية التحتية للكهرباء التي تضرر جزء كبير منها بسبب الحرب سيتطلب مليارات الدولارات.
وكانت سوريا تحصل على جزء كبير من النفط المستخدم في إنتاج الكهرباء من إيران، غير أن عملية الاستيراد هذه توقفت مع الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
جاء التوقيع على الاتفاق في وقت حساس، حيث تسعى سوريا إلى إعادة بناء بنيتها التحتية بعد سنوات من النزاع والعقوبات الاقتصادية الخانقة، مما يثير التساؤلات بشأن فعاليته وتأثيره على واقع الطاقة في سوريا، والجدوى الاقتصادية له، خاصة بعد رفع العقوبات الأميركية والأوروبية.
رفع العقوبات وإحياء الاهتمام بالاستثمار
كان أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع العقوبات عن سوريا خلال جولته الخليجية الأخيرة، قبل يوم من لقاء الرئيس الانتقالي السوري التاريخي في الرياض، وقال الرئيس الأميركي حينها إنه يريد منح النظام الجديد “فرصة للعظمة”.
كما اتخذ الاتحاد الأوروبي عقبها قرارا رسميا برفع العقوبات الاقتصادية، مع الإبقاء على بعض العقوبات المتعلقة بالنظام السابق لبشار الأسد.

أدى رفع العقوبات الشاملة عن سوريا إلى إحياء الاهتمام بين المستثمرين العالميين، حيث قامت العديد من الشركات الكبرى بالفعل بإنشاء موطئ قدم في الاقتصاد الذي مزقته الحرب.
ذلك بعد أن ألحقت أربعة عشر عامًا من الحرب ضررًا بالغًا بشبكة الكهرباء في سوريا، مما أدى إلى انخفاض قدرتها من 9.5 جيجاواط عام 2011 إلى 1.6 جيجاواط اليوم، وتقدر الأمم المتحدة أن إعادة بنائها تتطلب مليارات الدولارات.
تحول المشهد السوري
خبيرة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، قالت في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، إن المشهد السوري يشهد تحولًا دراماتيكيًا لتركيبته الاقتصادية، مؤكدة أنه أصبح مختلفًا تمامًا.
وأضافت أن هناك حراكًا اقتصاديًا في واحد من أهم الملفات الاقتصادية السورية وهو ملف الطاقة، والذي يهدف إلى تحسين الواقع الجديد وإعادة تأهيل البنية التحتية عن طريق شراكات دولية لتطوير التوربينات ومحطات طاقة شمسية لإنتاج ٦٥٠٠ آلاف ميغاواط باستثمارات قدرها ٧ مليار دولار لزيادة عدد ساعات التغذية الكهربائية.
سوريا لا تنتج من سوى ٢٥ بالمئة من احتياجاتها في الوقت الحالي، بالإضافة إلى إمدادات الغاز التركية إلى سوريا، والاتفاق يأتي في ظل إعادة التمركز نحو إعمار سوريا التي تقابلها تحديات التوترات الجيوسياسية وتؤثر على أجندة اقتصاد البلاد.
بيرة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج النفط في سوريا انخفض إلى 40,000 برميل يوميًا في عام 2023، مما يعكس الحاجة الملحة لتحسين البنية التحتية للطاقة.
تحديات قائمة
إضافة إلى التوترات المتعلقة بقطاع الطاقة تحديدًا النزاع على ملف المياه، فضلًا عن الوجود الإسرائيلي بمنطقة الجنوب، مؤكدة أنه على الرغم من ذلك هناك فرصة واعدة من خلال هذا التحالف القطري لإنتاج الكهرباء التى تعد عصبًا للاقتصاد بمجمله.

وأفادت بأن الاتفاق من شأنه أن يفتح الطريق لإتاحة فرص عمل مباشرة للسوريين تقدر بقيمة ٥٠ ألف فرصة عمل و٢٥٠ ألف فرصة عمل غير مباشرة، مما يدعم سوق العمل ومحاور الاقتصاد، وتدور عجلة الاقتصاد مرة أخرى بعيدا عن الهيمنة الإيرانية بعدما توقفت إمدادات إيران من الغاز، مشددة على أن الإدارة السورية باتت من الآن في سباق مع العامل الزمني.
الجدوى الاقتصادية للاتفاق
فيما تحدث المحلل السوري، شريف شحادة، خلال تصريح لـ”الحل نت“، عن الجدوى الاقتصادية لهذه الاتفاقية، مؤكدًا أنها ستكون ذات جدوى جيدة خاصة أنها عقدت مع شركات لها تاريخ كبير في المجال الكهربائي، متوقعًا أن يكون لها تأثيرًا على تحسن الواقع الاقتصادي السوري بضخ أموال في “المركزي السوري” خاصة عند الوصول إلى مرحلة بيع الكهرباء إلى دول أخرى.
مع عودة العلاقات السياسية مع سوريا بطبيعة الحال عادت أيضًا العلاقات الاقتصادية، حيث أعقب الاتفاق قرارات رفع العقوبات، والوضع تغير تمامًا فمنذ أكثر من شهر كانت الأوضاع كارثية والاقتصاد متدهور، بينما تغير الآن الموقف مع رفع العقوبات.
المحلل السوري، شريف شحادة
وقال إن ما يجب وضعه بالحسبان هو أن سوريا لازالت تحت نظر الولايات المتحدة الأميركية، وأن العقوبات لم تلغى حتى الآن لكنها جُمدت لمدة ستة أشهر ويعاد تدوير نفس المدة فيما بعد، منوهًا إلى أنه في حال انزعجت الدول الموقعة على الاتفاق سياسيا من النظام السوري الحالي سوف تتحول المُعاملة بكل تأكيد خاصة من قبل أميركا.

