أطلقت روسيا وابلا من الطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية عبر مساحات واسعة من أوكرانيا في ساعة مبكرة من صباح الجمعة الماضية، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات، بعد أيام من شن كييف غارة جريئة على أسطول موسكو من القاذفات الاستراتيجية.
ومن جانبه، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن روسيا استخدمت أكثر من 400 طائرة مسيرة و40 صاروخًا في الهجوم الليلي، مما يجعله من بين أكبر الهجمات في الحرب.
في الأيام الأخيرة تغيرت بشكل ملحوظ مشاهد الحرب الروسية على أوكرانيا، وبعد أكثر من 3 أعوم منذ بدء الحرب في شباط/فبراير 2022، أصبح من الصعب أن نصدق من كان يقول أن روسيا ستنتصر في المعركة، في حين حملت الأيام الأخيرة تغييرات واضحة في المشهد العسكري.. ماذا حدث؟ وهل روسيا قادرة على قلب موازين المعركة؟ وما تأثير ذلك على مفاوضات وقف إطلاق النار؟
انتظار الانتقام
خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن موسكو ستضطر للرد على هجوم كييف، وقال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة إن أوكرانيا “أعطت بوتين سببا للدخول وقصفهم بشدة الليلة الماضية”، وعلى الرغم من دعم ترامب لمحادثات السلام الأخيرة في إسطنبول بين أوكرانيا وروسيا، فإنه أشار إلى أنه قد يتبنى نهجا أكثر عدم تدخل، مشبهاً الحرب بـ “مشاجرة بين الأطفال”.

الهجوم العنيف لم يكن مفاجئا للأوكرانيين أو للعالم، على الرغم من أن روسيا قصفت أوكرانيا بشكل يومي تقريبا على مدى ثلاث سنوات من الحرب الشاملة، فإن الأوكرانيين كانوا يستعدون للانتقام منذ بداية حزيران/يونيو الجاري، عندما شنت كييف عملية جريئة ضربت فيها أكثر من 34٪ من قاذفات موسكو القادرة على حمل أسلحة نووية والمتمركزة في مطارات بعيدة مثل سيبيريا، في عملية أطلق عليها “عملية شبكة العنكبوت”.
وبعد يومين من الهجوم المفاجئ، شنت أوكرانيا هجوما على جسر كيرتش أو “جسر القرم”، نقطة الاتصال المباشرة الوحيدة بين روسيا وشبه جزيرة القرم التي ضمتها، باستخدام 1100 كيلوغرام من المتفجرات التي تم زرعها تحت الماء.
الهجمات الأوكرانية بدت وكأنها تهدف إلى إثارة مخاوف “الكرملين” بشأن الأهداف الضعيفة الأخرى في قلب روسيا، والتي قد تُلحق كييف بها ضررًا في المستقبل، حيث يوجد العديد من المواقع التي من الممكن أن تكون أهدافاً قادمة لأوكرانيا، بما في ذلك مصانع الإمدادات العسكرية ومنشآت التدريب العسكري. حتى أسطول روسيا المكشوف من الغواصات النووية يُمثل هدفًا محتملًا، مع أن موسكو لم تستخدم هذه السفن في الحرب، ومهاجمتها سيُمثل تصعيدًا خطيرًا للغاية، بحسب صحيفة “نيويوك تايمز”.
إن الهجوم الأوكراني “شبكة العنكبوت” جزء من حملة متواصلة ومتصاعدة لجلب الحرب إلى قلب روسيا في محاولة للتأثير على حسابات “الكرملين”، إذ نفذت أوكرانيا اغتيالاتٍ بارزة في مدنٍ روسية، وألحقت دمارًا هائلًا بمنشآت إنتاج النفط الروسية، واستولت على مساحاتٍ واسعة من الأراضي الروسية على طول الحدود، ودمرت البحرية الروسية في البحر الأسود، وألحقت أضرارًا بالجسر الذي يربط روسيا بشبه جزيرة القرم، وفجرت طائراتٍ مسيرة فوق موسكو، ويرى المحللون أنه كلما ازدادت معاناة أوكرانيا في ساحة المعركة، زاد احتمال لجوء كييف إلى مثل هذه الهجمات المؤثرة وغير المتكافئة.
من جانبها علقت محللة الأمن القومي الأميركية، إيرينا تسوكرمان، لـ “الحل نت” قائلة: “لا تُشير الضربات الأوكرانية الأخيرة داخل بيلغورود وكراسنودار، بل وحتى أبعد من ذلك، إلى ابتكار تكتيكي فحسب، بل إلى إعادة تقييم استراتيجي أيضًا – إذ تُبرز كييف الآن قوتها خارج حدودها، مُؤكدةً أن البنية التحتية العسكرية الروسية لم تعد ملاذًا آمنًا، هذا ليس مجرد استفزاز؛ بل هو إعادة تعريف مُتعمدة للردع تُقلب عقيدة روسيا القائمة على التصعيد ضدها”.
هل روسيا قادرة على قلب موازين المعركة؟
ليس من الواضح ما إذا كان الهجوم سيُغيّر حسابات بوتين بشأن الحرب أم سيدفعه ببساطة إلى مضاعفة جهوده. تقرير استخباراتي صادر عن “البنتاغون”، استشهدت به صحيفة “واشنطن بوست”، قدر أن روسيا خسرت أكثر من 10 آلاف مركبة عسكرية، و3 آلاف دبابة، ونحو 250 طائرة منذ بدء الحرب.
فقد استنفدت موسكو مخزونات المركبات المدرعة التي تعود إلى الحقبة السوفييتية تقريباً، ومن غير المرجح أن يعوض الإنتاج الحالي من الدبابات، والذي يبلغ نحو 200 دبابة سنوياً، تلك الخسائر في أي وقت قريب.
وفقًا للتقديرات الحالية، قد تستغرق روسيا ما يصل إلى ثلاث سنوات، بوتيرتها الحالية، للسيطرة على كامل دونيتسك وحدها. ويرى المحللون أن السيطرة على المناطق المتبقية ستتطلب وقتًا وموارد ودماءً أكثر بكثير، بحسب “موسكو تايمز”، ولكن بالنسبة لـ “الكرملين”، فإن العوامل الإيديولوجية والسياسية تفوق المنطق العسكري.
فيما سيظل الجيش الروسي بحاجة إلى إعادة تقييم مدى ضعف منصاته النووية المتبقية في مواجهة هجمات الطائرات الأوكرانية المسيرة في المستقبل، وهي عملية تستغرق وقتًا طويلاً ومكلفة، فإذا حاولت روسيا أن تتبع طريقة الصين التي بنت قاعدة بحرية تحت الأرض على جزيرة لحماية الغواصات النووية من الطائرات المسيرة، فإن هذه العملية ستستغرق سنوات حتى تتمكن روسيا من ذلك.
المحلل العسكري الأوكراني، إيفان ستوباك، لفت إلى أن المسؤولين الروس يخدعون عندما يقولون إن البلاد قادرة على الاستمرار في القتال لسنوات عديدة.
فيما قال بافل لوزين، الخبير العسكري الروسي: “قد تعاني روسيا من شحّ الموارد، لكن هذا لا يُغيّر من عزمها على شنّ الحرب”، موضحاً أن روسيا تأمل أن يكون الوقت والتعب في صالحها. فإذا انهار الدعم العسكري والمالي الغربي لأوكرانيا، أو إذا تزايد الضغط الداخلي على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للسعي إلى السلام، فقد تفوز روسيا بمقعد على طاولة المفاوضات.
لكن في حين تباطأت المساعدات العسكرية الأميركية، واصلت الدول الأوروبية دعم كييف، فأوكرانيا تُعزز صناعتها الدفاعية، وتُنتج أسلحةً محليةً بشكل متزايد.
وفي السياق أوضحت تسوكرمان لـ”الحل نت”: أن الهجمات الأوكرانية تسبب ضغط تراكمي: نفسي، ولوجستي، ومتعلق بالسمعة على روسيا التي يتدهور وضعها بهدوء، فدفاعاتها الجوية المُتعددة الطبقات مُجهدة، ومجمعاتها العسكرية الصناعية مُهددة بشكل متزايد، وشعبها – الذي ظلّ معزولًا عن الحرب لفترة طويلة – بدأ يشعر بالعواقب المباشرة لمغامرات بوتين. والأهم من ذلك، أن “الكرملين” يواجه واقعًا جديدًا: لم يعد الردع طريقًا ذا اتجاه واحد. إن الامتداد غير المتكافئ لأوكرانيا، بفضل أنظمة الصواريخ بعيدة المدى التي يوفرها الغرب والإبداع المحلي، قد زعزع الاعتقاد الروسي بأن الجغرافيا تضمن الحصانة”.
خيارات موسكو؟
لا تزال احتمالات التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا بعيدة، ناهيك عن إنهاء الحرب عن طريق التفاوض، بعيدة المنال بعد الجولة الثانية من المحادثات المباشرة في إسطنبول يوم الاثنين.

أصدر “الكرملين” مذكرة تتضمن شروطًا لوقف إطلاق النار خلال محادثات في إسطنبول. وكما كان متوقعًا، تدعو الوثيقة إلى ضم أربع مناطق أوكرانية أخرى، ونزع سلاح جيشها، والسيطرة على دبلوماسيتها. كما تكشف عن رغبة روسيا في السيطرة على انتخابات أوكرانيا وسياساتها اللغوية والدينية.
فيما يطالب “الكرملين” بتنازلات إقليمية وعسكرية وجيوسياسية شاملة من أوكرانيا والغرب، بينما يواصل تصعيد هجومه على خطوط المواجهة، وتشير التقارير إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين يعتقد أنه منتصر، ومن خلال مواصلة الانخراط الدبلوماسي دون وقف العمليات العسكرية، تستطيع موسكو أن تزعم أنها مستعدة للسلام مع استخدام ساحة المعركة كوسيلة ضغط.
لكن هجوم “شبكة العنكبوت” الذي أطلق قبل يوم واحد من المحادثات في إسطنبول، كان يهدف إلى إرسال رسالة واضحة إلى بوتين مفادها إن استمرار الحرب لا يزال يشكل مخاطر جدية على موسكو، حتى لو لم تعد أوكرانيا قادرة على التقدم في ساحة المعركة.
وقال جيمس أكتون، المدير المشارك لبرنامج السياسة النووية في مؤسسة “كارنيغي” للسلام الدولي: إن “الأمر كله يتعلق بمحاولة إقناع الروس – ما إذا كان ذلك سينجح، لا أعلم – بأن هناك سبباً الآن يدعوهم إلى التفاوض بجدية”.
وقال أكتون إن الحروب يصعب إنهاؤها، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الجانب الذي يعتقد أنه الفائز غالبا ما لا يرى أي حافز للتفاوض بجدية أو تقديم أي تنازلات، وأضاف “إذا كان الجانب الذي يحقق نتائج أفضل يعتقد أن الحرب ستصبح أكثر تكلفة في المستقبل، فسيكون لديه حافز أكبر بكثير”.
تسوكرمان من جهتها، ترى أن التحول الحالي له تداعيات استراتيجية تتجاوز ساحة المعركة بكثير. فهو يُقوّض أساليب الإكراه الروسية، ويكشف نقاط الضعف في صفوفها الخلفية، ويُعيد تموضع أوكرانيا ليس فقط كمدافع، بل كجهة فاعلة ذات سيادة قادرة على إعادة تشكيل ديناميكيات التصعيد – على الرغم من التفاوت الهائل في القوة التقليدية.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

