التطبيع السوري– الإيراني: التقاء المصالح بضغط تركي؟

التطبيع السوري– الإيراني التقاء المصالح بضغط تركي؟
التطبيع السوري– الإيراني التقاء المصالح بضغط تركي؟

مع انهيارِ النظامِ السوريِّ المتحالفِ مع إيران أواخرَ العام الماضي، واستبدالِه بنظامٍ سياسيٍّ ذي توجّهٍ تركيٍّ في دمشق، حوّلت الديناميكياتُ المتغيّرةُ في سوريا — على الأقل في الوقت الحالي — ميزانَ القوى في بلادِ الشام لصالحِ أنقرة، وأضعفت نفوذَ طهران. وقد تُعقّد التطوّراتُ في سوريا العلاقاتِ الإيرانيّةَ التركيّةَ، لا سيّما أنّ طهران تعتقد أنّ سياساتِ أنقرة تجاهَ سوريا تُشكّل تهديدًا للمصالحِ الإيرانيّة. 

يُرجَّح أن يكون صانعو السياساتِ الأتراكُ قلقين من التدخّلِ الإيرانيِّ في سوريا، الذي قد يؤثّر في العمليّةِ الانتقاليّةِ الهشّةِ في البلاد، بما يضرّ بمصالحِ تركيا. وعلى الرغم من ذلك، يبدو أنّ هناك ما يتمّ الإعدادُ له في الأروقةِ السياسيّةِ المغلقةِ بين تركيا وإيران؛ فكِلاهُما يطمَع في الحصولِ على مزيدٍ من النفوذ: فتركيا تسعى لتكون قوّةً إقليميّة، وإيرانُ تسعى إلى تعويضِ خسارتِها الأخيرة، فلا مانع من إيجادِ أرضيّةٍ مشتركةٍ يتحرّكُ منها الطرفان لجني مزيدٍ من المكاسبِ السياسيّةِ والاقتصاديّة.

فهل تتوحد الأهداف بين تركيا وإيران في سوريا بين رغبة أنقرة في التخلص من “الإدارة الذاتية” الكردية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الشمال واستعادة طهران نفوذها في الجنوب حيث إسرائيل؟ وهل ستجبر أنقرة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، على مصافحة قادة النظام الإيراني؟

أنقرة تدعم طهران

أكد الرئيسُ التركيّ رجبُ طيبٍ أردوغان، خلال لقائه نظيرَه الإيرانيّ مسعودَ بزشكيان على هامشِ قمةِ منظمةِ شنغهاي للتعاون في الصين، دعمَ أنقرةَ المتواصلَ لطهران في وجهِ الضغوطِ الغربيةِ المتصاعدة، مشددًا على أهميةِ مواصلةِ إيرانَ المحادثاتِ النوويةَ باعتبارِها مسارًا بنّاءً. ويأتي هذا الموقفُ التركيّ في ظلِّ تصاعدِ التوتراتِ حول البرنامجِ النوويّ الإيراني.

الرئيس السوري المعين حديثًا لمرحلة انتقالية، أحمد الشرع، يلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي بأنقرة، تركيا، 4 فبراير/شباط 2025. توزيع عبر رويترز.

ورغم الخلافاتِ التاريخيةِ بين أنقرةَ وطهران، فإنّ الجانبين يتقاطعان في رفضِ الضغوطِ الغربيةِ الأحادية، ويجدُ كلٌّ منهما مصلحةً استراتيجيةً في التنسيق، لا سيما أنّ طهران تعتقد أنّ سياساتِ أنقرة تجاهَ سوريا تُشكّل تهديدًا للمصالحِ الإيرانية، ولا سيما مع انخراطِ تركيا بشكلٍ أعمقَ في تحالفاتٍ أوراسيةٍ من خلالِ منظمةِ شنغهاي، التي تضمُّ الصينَ وروسيا وإيرانَ أعضاءَ رئيسيين.

وأكّد أردوغان أنّ التعاونَ الثنائيَّ — وخصوصًا في مجالِ الطاقة — يحملُ أهميةً استراتيجيةً، مشيرًا إلى أنّ العلاقاتَ الاقتصاديةَ بين البلدين لا تزالُ تحتفظُ بزخمِها، رغم التعقيداتِ السياسيةِ الإقليمية.

ولم يقتصرِ الاجتماعُ على الملفِّ النووي؛ إذ ناقشَ الرئيسان جملةً من القضايا الإقليميةِ التي تُعدُّ محطَّ اهتمامٍ مشترك، في مقدّمتها الوضعُ في سوريا، حيث تواجهُ كلٌّ من إيرانَ وتركيا تحدياتٍ متزايدةً نتيجةَ تشابكِ المصالحِ مع روسيا والولاياتِ المتحدة، وكذلك النفوذُ الإسرائيليُّ المتصاعد، خاصةً بعد انهيارِ حكمِ الرئيسِ السابقِ بشار الأسد وتراجعِ أجنداتِ طهران على الساحةِ السورية.

ويُعدّ الملفُّ السوريُّ من أكثرِ الملفاتِ الساخنةِ التي أثّرت إلى حدٍّ بعيدٍ في تشكيلِ العلاقاتِ بين أنقرةَ وطهران. فكلٌّ من طهرانَ وأنقرة لهما مصالحُ مختلفةٌ في سوريا، وهي مصالحٌ قد تدفعُهما إلى التعاونِ بين البلدين وطَيِّ صفحةِ الماضي، وتحويلِ العلاقةِ من تنافسٍ إلى تعاونٍ استراتيجيٍّ مهمٍّ للطرفين؛ وحيثياتُ هذه الأهميةِ تأتي من رغبةِ أنقرةَ في السيطرة على مناطقِ الشمالِ الشرقي السوري، ومن رغبةِ إيرانَ في استعادةِ نفوذِها في الداخلِ السوري.

مما يعني أنّ التنسيقَ الإيرانيَّ التركيَّ بات ضرورةً أكثرَ من كونه خيارًا، خصوصًا في ظلِّ الضرباتِ الإسرائيليةِ التي أضعفت نفوذَ طهران في سوريا ولبنان واليمن. فقد استهدفت تل أبيب مراكزَ تابعةً لـ “حزبِ الله” و”الحوثيين” وفصائلَ مدعومةً من “الحرسِ الثوريِّ” الإيراني، مما أدّى إلى تقليصِ تأثيرِ إيران في ساحاتٍ إقليميةٍ كانت تُوصَفُ فيما سبق بأنّها أوراقُ ضغطٍ إيرانية.

وبالنسبةِ إلى تركيا، فإنّ إسرائيلَ تعتبر أنّ صعودَ القوى الإسلاميةِ المدعومةِ من تركيا في سوريا يُعدُّ تهديدًا لأمنِها القوميّ؛ ولذلك تعملُ إسرائيلُ على تقويضِ هذا النفوذ. حتى إنَّ الضرباتِ الجويّةَ الإسرائيليةَ في سوريا ليست موجّهةً فقط ضدَّ الأهدافِ الإيرانية، بل أيضًا لإرسالِ رسائلَ واضحةٍ إلى تركيا بأنّ إسرائيل لن تقبلَ بوجودِ قواعدٍ عسكريةٍ تركيةٍ على الأراضي السورية.

كلُّ هذه الأحداثِ السياسيةِ في الشأنِ السوريّ ربما تقودُ أنقرةَ وطهران إلى تحالفٍ جديدٍ يخدمُ أغراضَ البلدين ويعزِّزُ موقفَهما الدوليّ.

ملامحُ التوافقِ التركيِّ الإيرانيِّ

لا يمكنُنا التغاضيَ عن التنافسِ بين إيران وتركيا، إلّا أنّ المعطياتِ السياسيةَ قد تغيّرت، وعليه يلزمُ تغييرُ التحالفاتِ والتكتّلاتِ السياسيةِ تبعًا لهذه التغيّرات. فقد أصبحت تركيا في حاجةٍ إلى التعاونِ مع إيران بحكمِ معرفتِها بالطبيعةِ الجغرافيةِ داخلَ سوريا. فأوّلُ ملامحِ هذا التعاونِ يأتي من حديثِ الشرع مع وفدٍ من الإعلاميين العرب في دمشق في 27 آب/أغسطس، حينما قال: إنّ “سوريا الجديدة تجاوزتِ الجُرحَ الذي خلّفتْه اعتداءاتُ حزبِ الله”. فالشرعُ ليس لديه مشكلةٌ في التفاوضِ مع أيِّ جهةٍ كانت ما دام ذلك يحقّق له المصلحةَ ويؤمّنُ وجودَه في السلطة. فكما ضغطت تركيا على الشرع لأجلِ عودةِ العلاقاتِ الروسية-السورية، فلا مانعَ لدى تركيا من ممارسةِ ضغوطٍ أُخرى على الشرع حتى تعودَ العلاقاتُ السورية-الإيرانية.

في شباط/فبراير 2025 اتّهم وزيرُ خارجيةِ إسرائيل، جدعون ساعر، تركيا بأنّها تتعاونُ مع إيران لتهريبِ الأموال إلى “حزبِ الله”، لإحياءَ قوةِ الحزبِ اللبناني. فخلال لقائه عددًا من أعضاءِ مجلسِ الشيوخِ الأميركي، ومورغان أورتاغوس، مساعدةِ الممثلِ الخاصّ الأميركي لشؤونِ الشرق الأوسط، قال ساعر: إنّ “طهران كثّفت جهودَها لإعادةِ حزبِ الله إلى السلطة، واستعانت بأنقرة”.

ولكن كيف يمكن إقناعُ الشرع بأنّ من مصلحتِه عودةُ العلاقاتِ مع إيران؟ هناك أمران لا بدّ لتركيا من طرحِهما على الشرع: الأوّل، الورقةُ الاقتصادية؛ فقد كانت طهرانُ في عهدِ النظامِ السابق تمدّه بالنفط، وقدّمت له المشاريعَ الاقتصادية. فهذه الورقةُ الرابحةُ ستستعملُها أنقرةُ للضغطِ على الشرع، مع مراعاةِ أنّ الدعمَ الذي وعدت به دولُ الخليجِ الشرعَ حتّى الآن حِبرٌ على ورق، كما أنّ مسألةَ عودةِ العلاقاتِ السورية-الإيرانية ربّما تكون ورقةً مزدوجةً للضغطِ على دولِ الخليج من أجلِ الإسراع في تقديمِ الدعمِ الاقتصاديِّ الفعليِّ للشرع، وليس كلامًا وحسب. 

وهنا يقولُ الإعلاميُّ السوريُّ ضياءُ محمد، في حديثِه إلى “الحل نت”، قائلًا: “إقناعُ الشرع عبر تسليطِ الضوء على التهديداتِ المشتركة، وتقديمِ حوافزَ اقتصادية، واستخدامِ وساطةٍ روسية، لكنّ نجاحَ الأمر يعتمدُ على تغيّراتٍ كبيرةٍ في التوازناتِ الإقليمية وتعاظمِ الخطرِ الإسرائيليِّ في سوريا، واقتناعِ الشرع بضرورةِ خلطِ الأوراق لتحصيلِ مكاسبَ تفاوضية، بغضّ النظرِ عن التعاونِ إن حصل أم لا؛ مجرّدُ التلويحِ بالأمر قد يُكسبُه قوّةً تفاوضيةً مع الإسرائيليين، وحتّى الحلفاءِ الخليجيين”.

ثانيًا، من النقاطِ التي ستلعب تركيا عليها خلالَ عمليةِ إقناعِ الشرع بعودةِ العلاقاتِ الإيرانية-السورية وقفُ التمدّدِ الإسرائيليِّ داخلَ الأراضي السورية من ناحيةِ الجنوب؛ فهو مفيدٌ لكلٍّ من تركيا — التي ترى في الوجودِ الإسرائيليِّ تقييدًا لمشروعِها في سوريا — ولإيران التي ترغبُ في استعادةِ نفوذِها في الداخلِ السوري. 

قد تجدُ تركيا أنّ التنسيقَ مع إيران مفيدٌ في موازنةِ النفوذِ الإسرائيليِّ المتزايدِ في سوريا، خاصّةً في ظلِّ تحرّكِ أنقرةَ لتوطيدِ علاقاتِها مع الحكومةِ السوريةِ الجديدة. كما أنّ وقفَ النفوذِ الإسرائيليِّ مفيدٌ لإيران التي تحاولُ البحثَ عن دورٍ إقليميٍّ لها، وتردُّ جزءًا ممّا فعلتْه فيها إسرائيلُ من خساراتٍ على كلِّ الجبهاتِ الإيرانية.

وبالنسبةِ إلى الشرع، الذي أعلنَ بشكلٍ صريح أنّه “سيحاربُ المشروعَ الإيرانيَّ في المنطقة”، فهذا مجرّدُ كلامٍ للاستهلاكِ الإعلاميِّ وحسب. كما أنّ الشرع لا يستطيعُ إلّا الخضوعَ لتركيا التي جاءتْ به إلى السلطة، هو ورفاقُه. ومن جانبِها تسعى طهرانُ إلى العودةِ إلى سوريا، حيثُ الممرُّ البريُّ لـ “حزبِ الله”، وأيضًا هناك نقطةٌ أخرى مهمّةٌ جدًّا لطهران: هي أنّ عودتَها إلى سوريا — بمساعدةِ تركيا وروسيا — ستُحسِّن شروطَ التفاوضِ في لبنان.

أنقرة وحساباتها الدولية

شكّل سوءُ التفاهمِ وتضاربُ المصالحِ السابقان بين أنقرةَ وطهران أحدَ أهمِّ أسبابِ عداءِ الطرفين تجاهَ القضايا العالقةِ في المنطقة. وتتّفق تركيا وإيران في رغبتهما في إنهاءِ الوجودِ العسكريِّ الأميركي في سوريا، لكنّهما تختلفان في كيفيةِ تحقيقِ هذا الهدف، وفي رؤيتهما لمستقبلِ سوريا بعدَ الانسحابِ الأميركي. 

تركيا اليوم ترى في التحالفِ مع إيران ورقةَ ضغطٍ قويّةً على الغرب، وبالتحديد الولاياتِ المتحدة التي تُقدّم الدعمَ للقوّاتِ الكرديةِ في سوريا. وحتّى حلفاءُ أنقرةَ المفترضون في المجتمعِ الدوليّ بدَوا متردّدين تجاهَ الخططِ التركيّةِ في سوريا. وبالتالي، لا تملك تركيا — بهذا المعنى — وسيلةً أخرى لإنهاءِ تواجد “الإدارة الذاتية” الكرديّة سوى التعاونِ مع إيران.

يكمنُ الخطرُ الأكبرُ في أمرٍ آخر: إذا ما أقدمت طهران على بناءِ مثلِ هذه الشراكة، فعليها قطعُ علاقاتِها مع أحزابِ كردستان في جميعِ دولِ المنطقة. سيؤثّر هذا بشكلٍ كبيرٍ في النفوذِ الإيرانيّ إقليميًّا، وفي الوقتِ ذاته يُعزّز نفوذَ تركيا، لا سيّما على الصعيدين الكرديَّين، العراقيِّ والسوريّ، ولكن في المقابل ستستعيدُ إيرانُ سوريا، إحدى دولِ محورِ الممانعة. 

وإذا كان التحالفُ بين تركيا وإيران يخدمُ المصالحَ التركيّةَ، فإنّه أيضًا يقوّي شوكةَ إيران في المنطقة مرّةً أخرى، الأمرُ الذي سيعزّزُ قوّةَ ميليشيا “الحشدِ الشعبيِّ” في العراق، ويُحسّنُ وضعَ “حزبِ الله” في لبنان، وأيضًا يدعمُ جماعةَ “الحوثي” في اليمن؛ لأنّ هذا التحالف سيُغيّرُ تقاطعاتِ المصالح ويخلقُ مصالحَ جديدةً تتّفق مع التحالفِ الإيرانيِّ التركيّ.

وهنا ستكونُ دولُ الخليجِ العربيّ، والسعوديّةُ تحديدًا، في طليعةِ الدولِ التي ستُعيدُ النظرَ في طبيعةِ علاقاتِها مع تركيا. فقد توطّدَت علاقاتُ تركيا مع دولِ الخليجِ العربيّ في السنواتِ الأخيرة بفضلِ توافقِها حولَ القضيّةِ السوريّة. وستسعى أنقرةُ إلى تحقيقِ التوازن وتقديمِ ضماناتٍ لدولِ الخليج تشيرُ إلى أنّ هذا التحوّلَ استراتيجيٌّ لا يمسُّ جوهرَ موقعِها الإقليميِّ وعلاقاتِها.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم