تتواصل جهود الحوار والتفاوض بين السلطة الانتقالية في دمشق و”الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا، حيث وصل وفد مؤخرا إلى العاصمة السورية على رأسه الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد، وقد التقت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الأمر الذي يؤشر إلى أن المفاوضات تسير على نحو إيجابي في محاولة لتفادي العقبات وإيجاد أرضية مشتركة للتفاهم.
هذا اللقاء الذي لا يعد الأول من نوعه، لا يمكن فصله عن اتفاق العاشر من آذار/ مارس الذي جمع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وهو الاتفاق الذي ما زال بحاجة إلى أفق سياسي تتحقق من خلاله جملة نتائج، منها تفعيل اللجان المشتركة المتفق عليها، وكذا مشاركة ممثلي شمال وشرق سوريا في “مجلس الشعب”.
تباينات بين الطرفين
اللقاء الذي جمع الشيباني بالقيادية الكُردية إلهام أحمد يوم الخميس الماضي الموافق لـ 28 آب/أغسطس الجاري وفق مصادر مطلعة لـ”الحل نت”، يحمل انطباعات إيجابية، لا سيما بعد لحظة تأزم نتيجة اعتراض “الإدارة الذاتية” على الإعلان الدستوري، وقانون انتخاب “البرلمان السوري”، فضلا عن آليات تشكيل الجيش الجديد؛ حيث إن اللقاء يحمل تطورا جديدا في مسار التفاوض بين الجانبين.
ورغم ذلك، هناك فجوة تباعد بين الطرفين على خلفية تباين وجهات النظر بخصوص مسار الإدماج التدريجي الذي تتبناه السلطة الانتقالية في دمشق، ومطالب القيادية الكُردية بـ”مشاركة جوهرية”.
وبحسب المصادر المطلعة على سير المفاوضات لـ”الحل نت”، ثمة مطالب من “الإدارة الذاتية” حملتها إلهام أحمد تمثلت في الحصول على وزارات سيادية (لم يكشف عنها مصدر من دمشق)، وتغيير الإعلان الدستوري باعتباره ضمانة لمشاركة فعلية.
وفي ما يبدو أن الاتفاق، الذي تم تدشينه في 10 آذار/ مارس الماضي، يشكل “أساسا عمليا لبناء تفاهمات قابلة للتنفيذ”، وقد تكون المفاوضات المستأنفة فرصة لتفعيل اللجان المشتركة التي من شأنها متابعة الملفات الخدمية والأمنية والإدارية على نحو تدريجي، ومن ثم، تباشر بناء صيغة سياسية أوسع.
اللافت أن الشيباني تحدث عن “إمكانية بحث مشاركة ممثلين من شمال وشرق سوريا في مجلس الشعب السوري”، ضمن الدورة المقبلة، بحسب المصادر ذاتها.

وبالتالي هذا الأمر قد يحمل في طياته نقطة إيجابية أو عتبة للمرور من لحظة الأزمة إلى أفق سياسي وانفراجة تحقق التعددية والتشاركية السياسية.
فهذا أول تلميح رسمي مغاير عن سوابقه بشأن إدماج سياسي مباشر “للإدارة الذاتية” في المؤسسات الدستورية القائمة، حتى لو بشكل محدود؛ إذ إن ثمة أمور رئيسية يتعين أخذها بعين الاعتبار ومن دون التفاؤل اللا محدود، منها أن هناك تشديد على فكرة “المركزية”، و”الخطوات التدريجية” للإدماج، بما يبعث بتخوفات أو بالأحرى تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الخطوات التي تبدو إيجابية من جانب دمشق، هي شراكة فعلية وجوهرية أم رمزية.
حق الحصول على “وزارات سيادية”
في المقابل، جاءت مطالب إلهام أحمد لتكشف عن توجه مغاير تماما، وربما تكون ورقة اختبار، حيث إنه بحسب المصادر المطلعة، طالبت بمنح “الإدارة الذاتية” حق الحصول على “وزارات سيادية” ضمن الحكومة السورية، من دون أن تحدد طبيعة هذه الوزارات.
ليس ثمة شك، أن هناك ضرورة لإيجاد ضمانات مختلفة لتتحقق خطوة للأمام بشأن أن تكون هناك مجموعة من الأطر العملية بين الطرفين، تخلق التفاهم الدائم وليس المؤقت، وأن يكون التفاوض عملية بناء استراتيجي تنبني بواسطتها شراكة فعلية ومستمرة، بدلا من مجرد تمثيل رمزي في “البرلمان” أو اللجان المشتركة، ولا يتحقق من وراءه سوى استقرار هشّ في بيئة سياسية رخوة أمنيا.
ورغم التباينات الواضحة والمباشرة، إلا أن اللقاء الأخير في دمشق فرصة متقدمة في ظل الطروحات المقدمة على طاولة التفاوض واحتمالات التسوية مقارنة بسوابقه، وقد تخطت الجوانب الأمنية أو العسكرية إلى الاندماج السياسي، بما فيها الاستحقاقات المختلفة، والبحث عن ضمانات دستورية.
وعليه، فإنه إلى جانب التباينات القائمة، وكذا الفرص السياسية الممكنة، فإن جولة التفاوض الأخيرة، كما سابقتها، تكاد أن تكون تتمة لسياق دولي يسعى إلى حلحلة الوضع المأزوم ودفع مسارات التفاهم إلى أفق التسوية النهائي.
والانفتاح الجزئي على المستوى الإقليمي تحديدا العربي على دمشق، مرورا بالترقب التركي لما يجري في سوريا، وصولا إلى الأطراف الدولية والتنافس الروسي الأميركي، هي عناصر ضغط، بعضها يبرز كورقة تفاوضية والبعض الآخر يبدو عامل ضغط للتقارب أو كسب الوقت.
الحوار هو السبيل لحل الخلافات
في هذا الصدد، يقول سيهانوك ديبو، ممثل “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا إلى بلدان الخليج العربي، إن اتفاق العاشر من آذار/مارس ما يزال صامدا حتى اللحظة رغم التحديات التي تحيط به. ويعود هذا الصمود –بحسب ديبو– في معظمه إلى تحلي “الإدارة الذاتية” بالمسؤولية، وتأكيدها أن الخلافات السورية لا تُحل إلا عبر الحوار والتفاوض، على أساس تحقيق التغيير المطلوب الذي يمكن أن ينقل سوريا إلى بر الأمان.
وأردف ديبو لـ”الحل نت” أن بعض التقدم قد تحقق وخُطوات اتُخذت في وقت سابق، إلا أن ثمة إشارات تفيد بأن جهات معينة من “الإدارة الانتقالية” في دمشق تنظر إلى الحوار على أنه إجراء شكلي، وهو ما يتقاطع مع مواقف بعض الدول المتدخلة في الشأن السوري بشكل غير مقبول، وعلى رأسها أنقرة التي تحاول فرض رؤيتها الخاصة في حال جرى تثبيت الاتفاق.
وبيّن ديبو أن “الإدارة الذاتية” تحاول بكل السبل أن تكون إيجابية وتبدي حرصا كافيا على منع تعثر المفاوضات، والسعي لتدوير زوايا الخلاف. إلا أن واحدة من أبرز المعيقات التي تضعها “الإدارة الانتقالية” بدمشق تتمثل في فرض شروط مسبقة، تلغي مسافة الأمان المطلوبة بين الإدارتين، حيث يُفترض منها تقديم بعض المرونة والالتزام بما جرى التوصل إليه سابقا، لكن نتفاجئ أنها غالبا ما تعود إلى المربع الأول.

وأشار المسؤول في “الإدارة الذاتية” إلى أن بعض الأجنحة داخل “الإدارة الانتقالية” بدمشق تتقاطع مواقفها مع التدخلات التركية التي تثير مخاوف “مبالغا فيها إلى درجة غير مقبولة”، ورغم الجهود المبذولة من واشنطن وباريس بشكل خاص، إلا أنها –بحسب رأي ديبو– لا تكفي لإنجاز اتفاق متكامل يرقى إلى مستوى طموحات السوريين.
في العموم، يبقى التساؤل المرتهن بعوامل عديدة، متمثلا في ما إذا كانت الجولة الأخيرة بداية مسار طويل الأمد يتشكل على مهل نحو تفاهم سياسي حقيقي، أو مجرد مناورة تكتيكية لكسب الوقت، أم أن هناك مرحلة مؤجلة لحدوث تسوية شاملة.

