على طريقة “التعامل بالمثل”.. الأردن يقرر تخفيض الرسوم على الشاحنات السورية

الأردن تخفيض رسوم الشاحنات

في خطوة تعكس تحوّلاً تدريجياً في العلاقات الاقتصادية الإقليمية ومسعى عملياً لتقوية الروابط التجارية مع الجارة الشمالية، أعلنت الحكومة الأردنية عن تخفيض وتوحيد الرسوم المفروضة على الشاحنات والبرادات السورية، سواء تلك العابرة إلى أراضي المملكة (ترانزيت) أو الداخلة والخارجة من وإلى المناطق الحرة الأردنية، وذلك بنسبة جديدة تبلغ 2 بالمئة بدلاً من 5 بالمئة.

القرار الذي صدر عن وزارة المالية الأردنية، الأحد، جاء في إطار توجه مشترك لتيسير حركة النقل والتجارة، ويُنتظر أن يُعيد الحيوية لطريق بري ظل لسنوات رهين التعقيدات الإدارية والاعتبارات السياسية والأمنية.

بوابة استعادة الشراكة

يُعد هذا الإجراء أحد أبرز مخرجات زيارة وفد وزاري أردني إلى دمشق في الأشهر الماضية، حيث تمخضت الزيارة عن اتفاقيات تنفيذية بين وزارات المالية، الصناعة والتجارة، والنقل، بالتنسيق مع دائرة الجمارك الأردنية، ويُشير هذا التحول إلى مقاربة أردنية واقعية ترى أن الاقتصاد، لا سيما النقل البري، يمكن أن يكون بوابة لاستعادة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في ظل متغيرات إقليمية تفرض تحديات جديدة تتعلق بالأمن الغذائي وسلاسل التوريد والطاقة.

تعتمد الصادرات السورية، منذ سنوات الحرب، بشكل كبير على المعابر البرية، وتُعد الأراضي الأردنية ممرًا حيويًا للبضائع السورية المتجهة نحو أسواق الخليج، وبالمقابل، تشكل السوق السورية امتدادًا طبيعياً للصادرات الأردنية، خاصة في مجالات الأدوية، الأغذية، والمنتجات الزراعية.

ولا يُعد خفض الرسوم مجرد تسهيلًا إداريًا، بل يعتبر خطوة ذات أبعاد اقتصادية أوسع، من شأنها تخفيض كُلف النقل وتحفيز الشركات اللوجستية، التي طالما اشتكت من التكاليف المرتفعة والإجراءات المعقدة على المعابر الحدودية.

المعاملة بالمثل

القرار يأتي أيضاً في سياق مبدأ “المعاملة بالمثل”، إذ سبقه إعفاء الحكومة السورية للشاحنات الأردنية من الرسوم على أراضيها، ما دفع عمّان إلى الرد بخطوة مماثلة، تعكس رغبة متبادلة في إعادة بناء الثقة ورفع الحواجز أمام انسياب البضائع، وهو ما يعزز النظرة إلى الأردن كجسر اقتصادي وتجاري رئيسي يربط بين المشرق العربي ودول الخليج.

الطريق البري بين عمّان ودمشق كان يعد حد أعمدة التجارة العربية البينية، حيث كانت تعبُر خلاله بين البلدين أكثر من 800 شاحنة يوميًا قبل اندلاع الأزمة عام 2011 وفقُا لـ”وزارة النقل الأردنية”.

وانخفض هذا الرقم إلى أقل من 120 شاحنة يوميًا في بعض الفترات خلال العقد الماضي، بينما شهدت الأشهر الماضية عقب سقوط نظام الأسد البائد، زيادة تدريجية في حركة النقل، بدعم من تفاهمات سياسية متدرجة، ومحاولات لإعادة تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية المشتركة، التي تعطلت بفعل النزاع السوري الطويل.

أهمية مضاعفة

يكتسب القرار أهمية مضاعفة مع تفعيل مذكرة التفاهم التي وقعها في أيار/ مايو الماضي، كل من نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ونظيره السوري أسعد الشيباني، والتي نصت على إنشاء وتفعيل “مجلس التنسيق الأعلى”، مع التركيز على ملفات الطاقة والمياه والتجارة والنقل، وهي قضايا تمثل عمق التحديات الاقتصادية التي تواجه البلدين.

ويُتوقع أن تسهم اللجنة الفنية الأردنية السورية المشتركة للنقل البري، التي تقرر عقد اجتماعاتها الدورية، في تطوير آليات التعاون بشكل مستدام، بما يُعيد الانسجام إلى شبكات النقل الإقليمية المتضررة من التحولات الجيوسياسية.

ووفقاً لبيانات صادرة عن وزارة النقل الأردنية مؤخرًا، فإن إجمالي التبادل التجاري بين الأردن وسوريا لم يتجاوز 130 مليون دولار خلال العام الماضي، وهو رقم أقل بكثير من المتوسط المسجل قبل عام 2011، والذي كان يتخطى حاجز 500 مليون دولار سنوياً.

 ويُتوقع أن يُسهم خفض رسوم العبور في زيادة هذا الرقم بنسبة قد تصل إلى 20 بالمئة في المدى القريب، مع توسيع نشاط الشركات الملاحية والبرية العاملة في خط دمشق–عمان–دول الخليج.

آثار محتملة

لعل التوقيت الاقتصادي للقرار يعزز من آثاره المحتملة، خاصة مع ما يشهده العالم من اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن البحري، حيث يعود النقل البري ليطرح نفسه كخيار استراتيجي، خصوصًا في المناطق ذات التشابك الجغرافي كبلاد الشام.

ويُعوّل المصدّرون السوريون على هذا الانفراج لتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق الخليجية، التي تمثل أكثر من 60 بالمئة من صادرات المنتجات الزراعية والصناعات الغذائية السورية، وفقاً لتقديرات “اتحاد غرف التجارة السورية” آيار/ مايو الماضي.

من الجانب الأردني، فيُتوقع أن يستفيد قطاع الشحن المحلي من هذه الإجراءات، حيث تشير بيانات “جمعية أصحاب الشاحنات الأردنية” إلى أن نحو 2500 شاحنة كانت خارج الخدمة خلال السنوات الماضية بسبب ضعف الحركة على الخط السوري، ومع هذا القرار، يُتوقع إعادة تنشيط هذا الأسطول تدريجياً، بما يسهم في تشغيل آلاف العاملين ضمن القطاع، وإحداث دورة اقتصادية محلية تتقاطع فيها مصلحة التجار، والناقلين، وسلاسل التوريد.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية، فإن كلا البلدين بحاجة إلى إعادة تأهيل المعابر والطرق الدولية التي تربط بينهما، خصوصاً “معبر نصيب–جابر”، الذي ظل متوقفاً لفترات متقطعة خلال السنوات الأخيرة، وأعيد افتتاحه بشكل كامل في عام 2021، وقد تعهّدت الحكومة الأردنية في وقت سابق بتطوير المنطقة الحرة المشتركة على الحدود، والتي كانت تمثل منصة لوجستية واستثمارية مهمة قبل الأزمة السورية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم