أدخل تصاعد التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط بعد تدخل الولايات المتحدة الأميركية بشكل مُباشر في الحرب بين إيران وإسرائيل، المنطقة والعالم في نفق مُظلم، حيث وجهت واشنطن، صباح الأحد، ضربات نحو ثلاث منشآت نووية داخل إيران، وهو تطور يمثل زلزالًا قويا للاقتصاد الدولي لما له من ارتدادات متوقعة.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة نفذت “هجوما ناجحا للغاية” على ثلاثة مواقع نووية في إيران، في حين حذرت طهران من عواقب “أبدية”، ذلك التهديد الذي يُثير المخاوف من اندلاع صراع إقليمي أوسع ما ينذر بالعديد من السيناريوهات القاتمة لمستقبل الاقتصاد العالمي.
تداعيات فورية على الأسواق
تم إسقاط قنابل خارقة للتحصينات على منشأة فوردو للتخصيب شديدة الحماية، والتي تقع على عمق كبير تحت الجبل، وكذلك على مواقع في نطنز وأصفهان.
وردًا على ذلك حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، من أن الضربات الأميركية “ستكون لها عواقب دائمة”، مضيفا أن بلاده “تحتفظ بكل الخيارات” للرد.

الأسواق لم تنتظر بيان الرد الإيراني، وسارعت إلى التصعيد المباشر، حيث قفزت أسعار النفط بأكثر من 8 بالمئة خلال ساعات، ليتجاوز خام برنت 104 دولارات للبرميل، مسجلاً أعلى مستوياته منذ نوفمبر 2022، في حين بلغ خام غرب تكساس الأميركي 99.6 دولاراً، وفق بيانات “بلومبيرغ”.
التصعيد العسكري الذي استهدف مواقع نووية، بما فيها منشآت قريبة من نطنز وأصفهان، أثار مخاوف عميقة من أن يكون مقدمة لعمل عسكري موسع أو لحرب إقليمية لا تقتصر على إسرائيل وإيران فقط، بل ربما تتورط فيها أطراف أخرى.
هذه الاحتمالات دفعت المضاربين في الأسواق إلى التحول السريع نحو الملاذات الآمنة، فارتفع سعر أونصة الذهب إلى 2,445 دولاراً مسجلاً رقماً قياسياً جديداً بحسب “رويترز”، بينما ارتفعت قيمة الين الياباني والفرنك السويسري، في مقابل تراجع الدولار الأميركي بشكل طفيف، نتيجة التوقعات باضطرار “الفيدرالي الأميركي” إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة.
تأثر أسواق الأسهم
أسواق الأسهم تأثرت هي الأخرى بشكل واضح، إذ هبط مؤشر داو جونز الأميركي بنحو 2.3 بالمئة، فيما تراجعت مؤشرات نيكاي الياباني و”داكس” الألماني و”كاك 40″ الفرنسي بنسب متفاوتة بين 1.5 بالمئة و3.8 بالمئة، في موجة بيع واسعة مدفوعة بالخوف من التصعيد وفقدان الثقة في قدرة الأسواق على التماسك.
وفي بورصات الخليج، سجلت المؤشرات تراجعات حادة، حيث خسر السوق السعودي قرابة 3.4 بالمئة في أول جلسة تداول بعد الضربة، وهبط مؤشر بورصة قطر بنسبة 2.7 بالمئة، فيما بلغت خسائر السوق الكويتي نحو 1.9بالمئة.
طال التأثير سلاسل الإمداد والشحن البحري، حيث أصدرت شركات تأمين بحرية تحذيرات من ارتفاع أقساط التأمين على ناقلات النفط المارة بمضيق هرمز بنسبة تصل إلى 400 بالمئة في حال استمرار التوتر، وهو ما سينعكس على تكلفة الشحن وأسعار النفط والمشتقات، حتى لو لم تُستهدف الملاحة مباشرة.
وبحسب بيانات منظمة “لويدز للتأمين البحري”، فإن شركات الشحن بدأت بتغيير مساراتها من الخليج نحو البحر الأحمر أو حتى المحيط الهندي في حالات محدودة، تفادياً لأي مفاجآت.
تحذيرات من انعكاسات خطيرة
في هذا الصدد أطلقت مؤسسات مالية واقتصادية تحذيرات من انعكاسات “خطيرة” محتملة على أسواق الطاقة العالمية بعد هذا التطور، كما تزايدت المخاوف بشكل خاص من احتمال تطور الأزمة إلى حد تعطيل الإمدادات أو إغلاق مضيق “هرمز”، الذي يمثل ممرًا حيويًا لعبور ما يقرب من 20 بالمئة من حجم تجارة النفط العالمية.
وقال مستثمرون إن الهجوم الأميركي على المواقع النووية الإيرانية قد يؤدي إلى رد فعل فوري في الأسواق العالمية عند إعادة فتحها، لترتفع معه أسعار النفط ويندفع المستثمرون إلى أصول الملاذ الآمن، بينما يقيمون تداعيات أحدث تصعيد في الصراع على الاقتصاد العالمي.

وفي أول ردود الأفعال، أشارت شركة “بوتوماك ريفر كابيتال” الأميركية للاستثمارات إلى أن التوترات الإقليمية الأخيرة قد تساهم في الحفاظ على أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، مع تزايد المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة، وذلك وفقًا لما نقلته وسائل إعلامية.
ثلاث سيناريوهات.. آخرهم الأكثر خطورة
من جهتها، رأت شركة “بي رايلي” المالية أن الأسواق قد لا تُظهر استجابة فورية إلا في حال حدوث تأثير مباشر وواضح على الإمدادات، لافتةً إلى أن الأسعار الحالية لا تعكس بشكل كامل حجم المخاطر المحتملة.
أما مؤسسة “أوكسفورد إيكونوميكس” العالمية للاستشارات المالية، فقد عرضت ثلاث سيناريوهات محتملة لتطور الأزمة، السيناريو الأول هو “خفض التصعيد”، والذي قد يؤدي إلى استقرار مؤقت في الأسعار، والسيناريو الثاني يتمثل في تعليق كامل للإنتاج الإيراني، الأمر الذي سيؤدي إلى نقص كبير في السوق، أما السيناريو الثالث والأكثر خطورة، فهو إغلاق مضيق “هرمز”، والذي قد يدفع أسعار النفط إلى مستوى 130 دولارًا للبرميل.
وفقًا لتقديرات “أكسفورد إيكونوميكس”، فإن السيناريو الأخير قد يتسبب في ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى مستويات تقترب من 6 بالمئة بحلول نهاية العام الجاري، مما يزيد الضغوط على صانعي السياسات النقدية في واشنطن ويهدد بتباطؤ اقتصادي واسع النطاق.
أوراق ضغط قوية لـ”إيران”
في هذا الصدد قال خبير اقتصاديات الطاقة، نهاد إسماعيل، في تصريح خاص لموقع “الحل نت“، إن تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما نتيجة التدخلات الأميركية، يعزز من احتمالات دخول المنطقة في دوامة تصعيد خطير من قبل إيران، بما يحمله من انعكاسات كارثية على أسواق الطاقة العالمية والاقتصادات الإقليمية والدولية على حد سواء.
وأوضح إسماعيل أن طهران تمتلك أوراق ضغط قوية، غير أن تفعيل هذه الأوراق – كإغلاق “مضيق هرمز” أو استهداف منشآت نفطية في دول مجاورة – سيقود إلى عواقب وخيمة على الجميع، بما فيهم إيران نفسها.

وحذر من سيناريو إقدام إيران على إغلاق “مضيق هرمز”، الذي يعد شريانًا حيويًا ويعبر من خلاله ما بين 18 إلى 20 مليون برميل من النفط يوميًا المنقولة بحراً، مضيفًا أن إغلاق هذا الممر الاستراتيجي سيتسبب في توقف فوري لصادرات النفط والغاز من دول الخليج، ما سيدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة قد تصل إلى 130 دولاراً للبرميل، وربما أكثر، تبعاً لطبيعة وحجم الردود الدولية والإقليمية.
وأشار إلى أن التأثير لن يقتصر على أسعار النفط الخام فقط، بل سيمتد بشكل أكثر حدة إلى المشتقات النفطية، وخاصة الديزل ووقود الطائرات، وهو ما سينعكس سلباً على قطاعات حيوية مثل النقل الجوي والسفر والسياحة التي ستتكبد خسائر مالية ضخمة.
وأظهرت البيانات أن سعر وقود الطائرات في أوروبا، قفز بنسبة 45 بالمئة مقارنة بالفترة السابقة، في حين ارتفع هامش سعر الديزل مقارنة بالنفط الخام بنسبة تجاوزت 60 بالمئة.
كارثة اقتصادية غير مسبوقة
توقع إسماعيل، أن تشهد محطات الوقود في الولايات المتحدة وأوروبا ارتفاعاً حاداً في الأسعار، مما سيدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات مقلقة، ويضعف فرص قيام البنوك المركزية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بخفض أسعار الفائدة خلال المدى المنظور.
أما بشأن سيناريو استهداف إيران لمنشآت النفط والغاز في دول خليجية مجاورة، فقد وصفه إسماعيل بـ”الكارثة الاقتصادية غير المسبوقة”، إذ سيؤدي ذلك إلى انقطاع واسع للإمدادات وتدمير للبنية التحتية الحيوية، وستدخل الأسواق في حالة من الهلع يصعب احتواؤها بسهولة.
وأكد أن طبيعة الرد الإيراني، سواء كان عسكريًا مباشرًا أو عبر أدوات غير تقليدية، سيكون المحدد الرئيسي لمستوى التقلبات في الأسواق.
ورغم ما قد يبدو من مكاسب لدول “أوبك” في الخليج على صعيد ارتفاع الأسعار، إلا أنه شدد على أن الواقع سيكون مغايرًا، إذ إن أي تصعيد يشمل تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف ناقلات النفط والغاز سيجعل هذه الدول عاجزة عن تصدير إنتاجها، وبالتالي ستفقد مليارات الدولارات من العائدات اليومية، وستضطر إلى تقليص إنفاقها العام وربما الاقتراض لتغطية العجز في الميزانيات، كما أن ذلك سيضع حكوماتها أمام تحديات اقتصادية داخلية كبيرة.
انعكاسات تتجاوز حدود الشرق الأوسط
أشار إسماعيل، إلى أن إيران لن تكون بمنأى عن هذه التداعيات، فهي الأخرى تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية، وإن انخفضت هذه الصادرات نتيجة للعقوبات أو للمواجهة العسكرية، فإن الاقتصاد الإيراني الهش أصلاً سيتكبد خسائر فادحة.

وأضاف أن اللافت في هذا السياق هو أن إسرائيل – رغم كل ما جرى – لم تستهدف حتى الآن البنية التحتية الإيرانية لإنتاج وتصدير النفط، ما يشير إلى أن هناك توازناً دقيقاً لا تزال أطراف الصراع تحرص على عدم كسره.
وختم إسماعيل بالتأكيد على أن أي تصعيد في المنطقة ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وستعيد رسم خريطة أمن الطاقة العالمي، وستفرض على القوى الكبرى – وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وأوروبا – مراجعة سياساتها الاستراتيجية لضمان استقرار إمدادات الطاقة وتفادي أزمات اقتصادية عالمية جديدة.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

