الحرب الإسرائيلية الإيرانية.. لماذا قطعت دمشق الطريق أمام ميليشيات طهران بالشرق السوري؟

مع توسع الحرب الإسرائيلية الإيرانية والتي أخذت منحى تصاعديا بعد الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة الأميركية ضد ثلاثة مواقع إيرانية، ليس ثمة حاجة للقول إن متغيرات عديدة تجري وتتشكل في دول المنطقة، في حين تبحث الأطراف الإقليمية عن الفرص والإمكانات كما التحديات، فضلا عن التحوط الاستراتيجي تجاه المخاطر. 

وكما تتهيأ دول الخليج إلى الميل نحو التهدئة وأولوية الدبلوماسية بدلا من استمرار التصعيد العسكري، كما في التصريحات والبيانات الرسمية لعدد من قادة دول “مجلس التعاون الخليجي”، والأمر ذاته في مصر، فإن هذه الأوضاع بما تعكسه من تغيّر المعادلات الإقليمية بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، تمس سوريا، بوجه خاص. وقد باشرت الحكومة الانتقالية السورية بنشر آلاف الجنود على حدودها الشرقية مع العراق، في خطوة تعكس توجها واضحا نحو إعادة ضبط العلاقة مع إيران وميليشياتها العابرة للحدود. 

هذا التحرك الأمني اللافت، والذي جاء بالتزامن مع الهجمات الجوية التي نفذتها إسرائيل ضد إيران، حتما، يحمل أبعادا استراتيجية، ولا سيما بعد الأخبار التي تداولت مؤخرا، حول وجود محادثات مباشرة بين دمشق وتل أبيب، فضلا عن احتمالات تطبيع العلاقات بين البلدين.

دمشق تقطع الطريق أمام الميليشيات

فيما تشير المعلومات المتواترة من دمشق وبغداد إلى أن مرور الميليشيات العراقية التابعة لطهران عبر الحدود السورية لم يعد ممكنا، في ظل وجود قوات سورية وتغطية جوية أميركية وإسرائيلية. 

مشهد من المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية- “أ.ب”

ولم تعد هذه الحدود التي سعت طهران عبر وكلائها المحليين وميليشياتها المدعومة من “الحرس الثوري”، ممرات آمنة لتقوية نفوذها السياسي والميداني العسكري، وتشكيل أطواق طائفية عسكريتارية في محيط ما يعرف بـ”الهلال الشيعي” الممتد في سوريا ولبنان والعراق. 

بالإضافة إلى الوضع الجديد الذي لم يعد كما في السابق يشهد تراكم قوى وكتل ميليشياوية صلبة في نطاقات جغرافية متباينة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي، سواء على ساحل المتوسط في طرطوس بسوريا، أو ممرات الملاحة الدولية بالبحر الأحمر كما لدى “الحوثي” باليمن، فإن شيئا من هذا لم يعد قائما أو حتى ممكنا، وقد تم تقليص هذا النفوذ بالكلية وتهميشه وعزله عن مصادر القوة، إذ باعدت الضربات الإسرائيلية بين الميليشيات في الأطراف ونظام “الولي الفقيه” بالمركز في طهران. ومع الانتقال للمركز ذاته وتفكيكه وزلزلة الأرض تحت أقدامه بفعل الضربات على مخازن الصواريخ كما المواقع العسكرية والنووية، انخفض رصيد الملالي محليا وإقليميا.

ولهذا، لا يبدو غريبا أو مباغتا أن تقوم قامت السلطات السورية الجديدة بنشر نحو ثلاثة آلاف جندي على حدودها مع العراق، وذلك بغية منع تسلل الميليشيات العراقية الموالية لإيران، بحسب ما أفادت به صحيفة “ذا ناشيونال” نقلا عن مسؤولين أمنيين في دمشق.

وجاء هذا التحرك العسكري بعد يوم واحد من اندلاع الحرب الجوية بين إسرائيل وإيران، وفي سياق متغيرات جيوسياسية كبيرة تشهدها المنطقة. 

في هذا السياق، يرى الباحث السياسي والصحفي السوري فراس علاوي أن التحركات السورية على الحدود الشرقية تعد خطوة منطقية في ظل التوتر الإقليمي المتصاعد والمخاوف من عودة نشاط الميليشيات الإيرانية والعراقية داخل الأراضي السورية.

ويقول علاوي في حديث مع “الحل نت“: “من الطبيعي أن تسعى أي دولة لحماية أمنها القومي من تداعيات الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل، خاصة مع وجود سابق للميليشيات الإيرانية والعراقية في سوريا. الحكومة السورية الحالية تخشى من احتمال قيام هذه الميليشيات بعمليات إرهابية، وهي تعيش معها حالة عداء منذ سنوات، ما يجعل من ضبط الحدود أولوية، رغم التحديات اللوجستية. كما أن الوجود الأميركي في المنطقة يساهم في مراقبة ورصد تحركات هذه الأذرع الإيرانية على الحدود العراقية السورية”.

وقد أوضح مصدر أمني سوري، أن وحدات من المشاة والطائرات المسيّرة بدأت بالوصول إلى المنطقة الحدودية قادمة من وسط البلاد وتحديدا من منطقة تدمر، بالإضافة إلى تعزيزات أرسلت من مناطق على ضفاف نهر الفرات.

قد تلجأ إيران إلى أساليب غير مباشرة كزرع الفتن في هذه المناطق كجزء من ردها على الهجمات الإسرائيلية والأميركية- “الحدود العراقية السورية/ إنترنت”

وأردف: “نحن نؤكد سيطرتنا على الحدود”، واصفا المنطقة بأنها عرضة لعدم الاستقرار، مشيرا إلى اشتباك قصير وقع الأسبوع الفائت مع قوات الحشد الشعبي العراقية وصفه بأنه “تذكير بمدى قرب إيران منا”.

ولطالما كانت الميليشيات العراقية تشن، خلال سنوات الحرب السورية، هجمات باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ ضد القوات الأميركية المتمركزة في سوريا.

تغيّر أولويات طهران واستراتيجية “خلق الفوضى”

بالتوازي مع ذلك، أطلقت الإدارة الجديدة بدمشق حملة أمنية واسعة في ريف دير الزور الشرقي، على الحدود مع العراق، وذلك عقب تلقيها تحذيرات إقليمية من احتمال لجوء إيران إلى إعادة تفعيل مجموعات مسلحة وميليشيات سابقة مرتبطة بـ”الحرس الثوري” الإيراني، بحسب ما أفادت مصادر لصحيفة “الشرق الأوسط”.

وطبقا للمصادر ذاتها، فإن هذه المجموعات لا تزال تنشط في عمليات التهريب عبر الحدود، وتحافظ على علاقات مع ميليشيات عراقية موالية لطهران. وتزايدت المخاوف من إمكانية استغلالها لشن هجمات تستهدف قوات “التحالف الدولي” لمحاربة “داعش” أو أطرافا إقليمية، في إطار محاولة لتوسيع رقعة التوتر في المنطقة.

ثمة حاجة ملحة إلى توصل دمشق لتفاهم فعلي مع مختلف الأطراف التي تساهم بدور وازن في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني، في دمشق كما في باقي المناطق، وبما يحافظ على الوحدة المناطقية للبلاد، وأن لا تتشكل أطراف رخوة تتسلل منها القوى الميليشياوية، وتعد الشراكة مع “قسد”، ضرورة وطنية، لجهة بناء شراكة أمنية حقيقية في مواجهة أي أطراف تهدد أمن البلاد ومستقبله.

وهنا يبرز تساؤل حول إذا ما كانت إيران، ستتقبل خسارة هذا الامتداد الجغرافي الحيوي داخل سوريا، دون رد فعل، سواء عبر تحريك عناصر ميليشياوية موالية لها، أو حتى عبر دعم خلايا نائمة من تنظيم “داعش” الإرهابي، بهدف خلق فوضى أمنية، يجيب الباحث السياسي فراس علاوي بأن إيران، وإن لم تتقبل خسارتها الاستراتيجية في سوريا ولبنان، تجد نفسها مجبرة اليوم على الخروج، من أن تتلقى الضربات في الداخل الإيراني. 

وبالتالي “لم يعد الامتداد الجغرافي في سوريا ولبنان أولوية بالنسبة لطهران كما كان في السابق. بقدر الحفاظ على قوتها الداخلية. هناك تهديد مباشر للنظام الإيراني وبالتالي فقدت أهميتها الجغرافية في هذه المناطق”. يقول علاوي.

إلا أنها قد تلجأ إلى أساليب غير مباشرة كزرع الفتن في هذه المناطق كجزء من ردها على الهجمات الإسرائيلية والأميركية. وهذا ما يدعو الحكومة السورية إلى التنبه والحذر من أجل عدم قيام بهذه العمليات”، طبقا لتقدير علاوي.

ويردف بأن “ثمة تخوف حقيقي من أن تستخدم إيران هذه الميليشيات كأداة لزعزعة الاستقرار الإقليمي في حال قررت الرد عبر أذرعها، وتعد الميليشيات العراقية اليوم من أبرز هذه الأذرع”.

تداعيات الحرب والحاجة لتفاهمات داخلية

لم تصدر دمشق حتى الآن إدانة رسمية للهجوم الإسرائيلي. وقال مسؤولون أميركيون إن التقارب مع دمشق، الذي بدأ الشهر الماضي، يستند إلى هدفين أساسيين، الأول تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، والثاني فتح الباب أمام احتمالات انضمام دمشق إلى “اتفاقيات إبراهام”

بينما يشير مصدر عراقي لـ”ذا ناشيونال” إلى أن عبور الميليشيات العراقية الموالية لطهران إلى الأراضي السورية لم يعد ممكنا كما في السابق، في ظل وجود قوى محلية معادية وتغطية جوية أميركية وإسرائيلية.

وأشار المسؤول العراقي إلى “تفاهمات وتعاون أمني جديد مع الجانب السوري”، وقال إن “الميليشيات لم تعد لها موطئ قدم في سوريا، ولا نعتقد أنهم يفكرون في ذلك الآن”.

تواجه سلطة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع اليوم تحديات إضافية ناجمة عن وجود مجموعات “خارجة عن القانون” تمارس التهريب وتجارة المخدرات، مستفيدة من نفوذها العشائري في المنطقة الشرقية. وتعد هذه الفجوات الأمنية، نقطة ضعف قد تسعى إيران لاستغلالها لإعادة موطئ قدم لها في شرق سوريا.

من ثم، يرى علاوي أن سوريا هي إحدى ساحات المواجهة المضطربة، لكن بسبب ضعف العمل أو الدور الإيراني الحالي قد يحد من حجم تأثير تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على سوريا. ويقول: “ربما نشهد بعض الأعمال التخريبية في حال قامت الاستراتيجية الإيرانية عبر أذرعها بهذا الشيء، لكن التأثير سيكون محدودا مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا (بظل النظام السوري السابق)، حين كانت الميليشيات الإيرانية تنتشر بشكل كبير في سوريا”.

مقر لميليشيات إيران في دير الزور - انترنت
مقر سابق لميليشيات إيران في شرق سوريا – “إنترنت”

في العموم، يمكن وصف التحركات السورية الجديدة على الحدود مع العراق بـ”الخطوة الإيجابية” في سياق كبح نفوذ إيران وميليشياتها المتغلغل، ومحاولة لتصفية أو خصم فائض القوة التي راكمتها إيران على مدار أكثر من عقد نجحت فيه أن تكون سوريا ضمن مدار تبعيتها كما العراق وعواصم أخرى، الأمر الذي دفع المدنيون في سوريا أثمانه. ورغم أهمية هذه الإجراءات وضرورتها من قبل السلطة الانتقالية، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى بنية مؤسساتية مستقرة، وقدرة فعلية على ضبط المشهد المحلي بتعقيداته وسيولته.

وبالتالي، تبرز الحاجة الملحة إلى توصل السلطات بدمشق إلى تفاهم فعلي مع مختلف الأطراف التي تساهم بدور وازن في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني، في دمشق كما في باقي المناطق، وبما يحافظ على الوحدة المناطقية للبلاد، وأن لا تتشكل أطراف رخوة تتسلل منها القوى الميليشياوية سواء السنية أو الشيعية، وتعد الشراكة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ضرورة وطنية وليست مسألة إجرائية مؤقتة، لجهة بناء شراكة أمنية حقيقية في مواجهة أي أطراف تهدد أمن البلاد ومستقبله.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم