منذ أن شنت إسرائيل ضرباتٍ مكثفة على طهران وبنيتها التحتية والمواقع الخاصة بمشروعها النووي، برز سؤال في الأفق السياسي: أين روسيا، الحليفة الأولى لإيران؟ فلطالما كانت موسكو وطهران شريكين اقتصاديًا واستراتيجيًا.
ولكن على الرغم من هذه الشراكة، من غير المرجح أن تقدم روسيا مساعدةً عسكرية لإيران في صراعها المفتوح مع إسرائيل. نحاول في هذه المقالة استعراضَ الموقف الروسي من الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، ونطرح سؤالًا رئيسيًّا: هل يمكن وصف الموقف الروسي بـ”الخذلان لإيران”، أم أنه موقفٌ غلبت فيه مصالحه الخاصة محاولًا الاستفادة من الحرب المشتعلة بين الأطراف الدولية؟
موسكو: خذلان أم تراجع؟
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن العدوان المستفز ضد إيران لا يستند إلى أي مبررات أو أعذار، وقال هذا خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في موسكو حاليًا. وخلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، قال بوتين: “أود أن ألفت انتباهكم إلى أن ما يقرب من مليوني شخص من الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا الاتحادية يقيمون في إسرائيل. إنها اليوم دولة تكاد تكون ناطقة بالروسية”.

وأضاف بوتين: “فما بين اعتبار ما حدث عدوانًا على إيران، وما بين الإشارة إلى إسرائيل كدولة ناطقة بالروسية، يبدو الموقف الروسي غامضًا؛ موقف يحكمه التراجع عن دعم طهران – باستثناء التصريحات – والتأرجح نحو إسرائيل”.
فهل خذلت روسيا بهذا الموقف طهران؟ يعلق طه عبد الواحد، الباحث المختص في الشؤون الروسية، في حديثه مع “الحل نت”: “في الجانب الدفاعي كان هناك توقيع اتفاقيات استراتيجية تضمنت التعاون العسكري دون الدفاع المشترك، كما هو الحال في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا الاتحادية وكوريا الشمالية التي وُقِّعت في 19 يونيو 2024، وتُلزِم المادة الرابعة منها الدولتين تقديم المساعدة العسكرية الفورية في حالة وقوع هجوم مسلح على أحد طرفي الاتفاقية”.
إلا أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران لا تتضمن مثل هذا البند، فقد حدَّدت طبيعة التعاون الدفاعي في النقطة الثالثة من المادة الثالثة منها: “في حال تعرض أحد الطرفين لعدوان، يمتنع الطرف الثاني عن تقديم أي مساعدة عسكرية أو غيرها للمعتدي من شأنها تسهيل استمرار العدوان، ويشجع على تسوية أي خلافات تنشأ على أساس ميثاق الأمم المتحدة وغيره من قواعد القانون الدولي المعمول بها”.
لذلك، فإن طبيعة وحجم الدعم الروسي تحدده اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وإيران لم تكن تعول على دور روسي يخرج عن إطار هذه الاتفاقية.
من جانب آخر، يدرك الإيرانيون – كما يفعل كل من يقيم الواقع بواقعية – أن روسيا تتجنب الانجرار إلى حروب تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الغرب، وبصورة أدق مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
حسابات “الكرملين” الخاصة
في الأشهر الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية، أثبتت إيران أنها شريك مهم لـ “الكرملين”، إذ زودت موسكو بآلاف الطائرات المسيرة التي استُخدمت لضرب المدن الأوكرانية. كما أرسلت طهران لاحقًا مدربين إلى روسيا للمساعدة في إنشاء منشأة لإنتاج هذه الطائرات بناءً على تصاميم إيرانية في أعماق جبال الأورال. إلا أن السياسة الروسية ظلت في غاية الحذر في التعامل مع الحرب الإيرانية – الإسرائيلية.
في هذا الصدد، يرى ناجح النجار، الباحث المختص في السياسات الدولية، في حديثه مع “الحل نت”: “إن عدم مساعدة روسيا لإيران حتى الآن يرجع إلى سببين: أولهما أن روسيا تعوّل على عدم خسارة ترامب كداعم لإنهاء الحرب مع أوكرانيا، مع كونه غاضبًا وناقمًا على سياسات الرئيس زيلينسكي. السبب الثاني أن الصراع الروسي – الأوكراني دخل عامه الرابع، وبالتالي فإن روسيا في حاجة ضرورية إلى هذه المعدات والقاذفات والصواريخ في المعركة مع كييف، خصوصًا بعد الضربات الأوكرانية الأخيرة في العمق الروسي”.
وأضاف النجار: “يصبّ في ذلك مصلحة إسرائيل، ولكن الهدف ليس مساعدة إسرائيل بقدر عدم انخراط روسيا في صراع متعدد الجبهات مع أوكرانيا من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، ولو بشكل غير مباشر. والدليل أن خبراء روسًا يقودون إنشاء البرنامج النووي الإيراني، وهذا باعتراف الرئيس بوتين صراحةً في مؤتمر سانت بطرسبرغ الأخير”.
وقال النجار: “أعتقد أن بوتين يحاول ترك الباب مواربًا مع ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لأن دعم روسيا لطهران يعني معاداة واشنطن، وهو ما لا تريده موسكو في الوقت الحالي. ولا شك أن الموقف الروسي – الصيني الداعم لطهران، وإن كان دبلوماسيًّا فقط، فإنه يمثل ضغطًا على إدارة ترامب، وخصوصًا عندما طلب ترامب من الصين التوسط لدى إيران بعدم غلق مضيق هرمز، لما سيكون لذلك من عواقب وخيمة على التجارة والنفط العالمي”.
ولفت النجار إلى أنه بالنظر للعلاقات الاقتصادية بين روسيا وإيران، ولطالما كانت إيران شريكًا وثيقًا لروسيا – خاصة وأن أوروبا تفرض عقوبات شديدة على البلدين – فقد فضّلت روسيا، التي لها مصالح مع دول في الشرق الأوسط، ألا تتورط مع واشنطن وتل أبيب في أي فوضى هدامة لا يمكن السيطرة عليها في المنطقة.
موسكو مستفيدة من الحرب!
السياسة لا تعرف إلا لغة المنافع والمكاسب. فعلى الرغم من العلاقة القوية بين طهران وموسكو، لا ينفي ذلك محاولة موسكو الاستفادة من الوضع الراهن. ففي بداية الضربات الإسرائيلية على إيران شهدنا ارتفاعًا في أسعار النفط، ومن المتوقع أن يستمر هذا الارتفاع، مما يمنح موسكو دفعةً اقتصاديةً هي في أمسّ الحاجة إليها في وقت تهدّد فيه انخفاضات أسعار الطاقة العالمية ميزانيتها المخصصة للحرب.
وقال سيرجي ماركوف، المستشار السابق لـ “الكرملين”، إن الصراع – على الرغم من معارضة روسيا له – قد يحقق بعض الفوائد لموسكو، بما في ذلك ارتفاع أسعار النفط وزيادة شهية الصين للنفط الروسي بسبب الصعوبات التي تواجهها في الحصول على النفط الإيراني وإعادة تخصيص الموارد العسكرية الأميركية بعيدًا عن أوكرانيا.
وقد كتب رسلان بوخوف، مدير مركز تحليل الاستراتيجيات والتقنيات في موسكو، على “تيليجرام”: “من المرجح أن تتكبد أوكرانيا أكبر ضرر عسكري وسياسي في هذا الوضع؛ لأن حربًا جديدة في الشرق الأوسط لن تُشتت انتباه العالم عن الصراع في أوكرانيا فحسب، بل ستُسهم أيضًا، على ما يبدو، في إعادة توجيه الولايات المتحدة نحو تقديم المساعدة العسكرية لإسرائيل”.
وقال مصدر روسي على صلة بوزارة الخارجية: “من غير المرجح أن يُسلّح الكرملين إيران، ناهيك عن الانخراط في القتال. من الواضح أن موسكو لا تريد صراعًا مع الولايات المتحدة، وتبذل قصارى جهدها لحثّ واشنطن على العودة إلى الدبلوماسية. لكن أولوية روسيا تبقى تجنب أي خطوات قد تُقوّض علاقاتها المتحسّنة مع الإدارة الأميركية الجديدة أو تُحفّز تغييرًا في موقفها تجاه أوكرانيا”.
ماذا يمكن أن تقدّم موسكو لطهران؟
تُمثّل إيران فرصة نادرة لبوتين للعودة إلى ساحة دبلوماسية القوى العظمى من خلال التفاوض على قضية ذات أهمية عالمية. السؤال هو: ما الذي يمكن لروسيا أن تُقدّمه؟
على الرغم من محاولة موسكو تجنب الانجرار إلى الحرب ومساعدة طهران، إلا أن البلدين لا يزالان شريكين ومتحدين جوهريًا في أجندة معادية للغرب. كما أن روسيا لا تملك الكثير من الإغراءات لإيران في هذه المرحلة، وستتوخّى الحذر بشأن تقديم المعدات العسكرية في وقت تدمر هذه الأخيرة بشكل ممنهج. وبوتين ليس من النوع الذي يميل إلى الانحياز علنًا إلى الطرف الخاسر.
فقد أوضح طه عبد الواحد: “حتى في حالة تقديم المساعدة، لا أعتقد أن روسيا لديها الكثير لتقدّمه، ولكن ربما يمكن لروسيا أن تلعب دورًا عمليًا في أي اتفاق مستقبلي، بعد أن عرضت إزالة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب وتحويله إلى وقود للمفاعلات المدنية لطهران. لكن الخطط التقنية الروسية لا تستطيع سدّ الفجوة السياسية الجوهرية بين الإدارة الأميركية التي تُصرّ على عدم التخصيب تمامًا وإيران التي تعتبر هذا المطلب دعوةً للاستسلام.
ويظل السؤال مفتوحًا: هل تُخاطر روسيا بفقدان شريك استراتيجي رئيسي إلى جانب سنوات من الخبرة السياسية والاقتصادية في ضربة قد تُقوّض طموحاتها الجيوسياسية الأوسع نطاقًا بشكل خطير؟ فعلى مدار العامين الماضيين، أصبحت موسكو المستثمر الأجنبي الرائد في إيران، مخصّصةً مليارات الدولارات لمشاريع الغاز والطاقة والبنية التحتية، التي قد تُعرّض جميعها للخطر في حال سقوط النظام في طهران؟
- ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة
- قيادي “حوثي” بارز يتولى ملف التحشيد في مأرب والجوف.. من هو؟
- هجوم “حوثي” يستهدف محطة كهرباء في المدينة المنورة
- فيضانات في مخيمات الشمال السوري وسط تحذيرات من تفاقم الأضرار
- خفض وقود السيارات الحكومية 30%.. هل ينقذ الخزينة السورية؟

