أظهر تقرير رسمي صادر عن مديرية الشركات في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك أن الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الشركات الجديدة المسجلة في سوريا، ما يعد مؤشرًا لانفراجة اقتصادية في ظل أوضاع شديدة التعقيد.
وقد بلغ عدد الشركات السورية التي تم تأسيسها خلال هذه الفترة 5768 شركة، مقارنة بـ3850 شركة خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، وهو ما يمثل زيادة صافية قدرها 1918 شركة، بنسبة نمو تقترب من 50 بالمئة، ما يعكس نموًا في النشاط التجاري على المستوى الشكلي، رغم التحديات الهيكلية التي تعاني منها السوق المحلية.
إجراءات أسهمت في الزيادة
بحسب ما جاء في التقرير، فإن هذا الارتفاع في عدد الشركات يعود إلى مجموعة من التعديلات الإجرائية والتنظيمية التي اتخذتها الوزارة خلال الفترة الماضية، بهدف تقليص العقبات البيروقراطية التي كانت تعيق عملية التأسيس، وتيسير بيئة التسجيل القانوني للشركات.
ومن بين الإجراءات التي أسهمت في هذا التطور، تقليص عدد الوثائق المطلوبة، وتبسيط الخطوات الإدارية، فضلاً عن تسريع آليات العمل لتقليل الزمن اللازم لإتمام إجراءات التأسيس، وهو ما أتاح لعدد أكبر من المستثمرين المحليين المبادرة إلى الدخول في السوق النظامية، أو إعادة ترخيص كيانات كانت تعمل سابقاً خارج الإطار القانوني.

وتنوعت أشكال الشركات المؤسسة خلال الفترة المذكورة، إذ استحوذت الشركات الفردية على النسبة الأكبر بعدد بلغ 4760 شركة، بينما بلغ عدد شركات التضامن 530 شركة، وشركات التوصية 63، في حين تم تسجيل 7 شركات مساهمة، و408 شركات محدودة المسؤولية.
ويعكس هذا التوزيع ميلًا عامًا نحو الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، ذات الطابع الفردي أو العائلي، التي لا تتطلب رأس مال مرتفعًا أو بنى تنظيمية معقدة، وهو ما يتماشى مع طبيعة الاقتصاد السوري الراهن، القائم على المبادرات الصغيرة لتأمين الدخل وسط مناخ غير مواتٍ للمشاريع الكبيرة، سواء بسبب نقص التمويل، أو غياب الضمانات، أو هشاشة السوق.
انخفاض الشركات المشطوبة
على صعيد موازٍ، رصد التقرير تراجعًا ملموسًا في عدد الشركات التي تم شطبها من السجل التجاري خلال الفترة ذاتها، إذ بلغ عدد الشركات المشطوبة 592 فقط، مقابل 2330 شركة تم شطبها في الأشهر الخمسة الأولى من العام الماضي، أي بتراجع بلغ نحو 1738 شركة.
يشير هذا الانخفاض إلى وجود تحسن جزئي في استمرارية الأعمال، أو على الأقل في بقاء الكيانات القائمة ضمن السجل النظامي، وربما أيضًا بسبب تخفيف الضغوط التنظيمية والرقابية، أو الرغبة في الحفاظ على صفة قانونية تسمح بالتعامل المالي والمصرفي، لاسيما في ظل الاتجاه نحو فرض مزيد من القيود على الاقتصاد غير الرسمي.
إلا أن هذه المؤشرات، رغم دلالاتها الإحصائية الإيجابية، لا تكفي وحدها للحكم على تحسن بيئة الاستثمار أو فعالية الأداء الاقتصادي، خاصة وأن غالبيتها تعمل في مجالات التجارة الصغيرة والخدمات المحلية، أو تُسجل لأغراض محددة تتعلق بالحوالات أو التعاملات الورقية، دون أن يكون لها نشاط فعلي واسع على الأرض.
وكانت اتخذت الحكومة الانتقالية السورية، مؤخرًا خطوة جديدة وضعت من خلالها حجر الأساس لبناء القطاع الاستثماري وجذب رؤوس الأموال، عبر نظام استثماري جديد.
نظام استثماري جديد
وكشف رئيس دائرة الاستثمار في المدينة الصناعية بحسياء، سمير منصور، عن ملامح نظام الاستثمار الجديد المعتمد حديثاً في سوريا، مشيرًا إلى أنه يتضمن مجموعة من الإعفاءات الجمركية المهمة، التي من شأنها تخفيف الأعباء المالية عن كاهل المستثمرين الصناعيين، كما يتيح تقسيط قيمة الأراضي المخصصة للاستثمار داخل المدن الصناعية، وهو ما يُعد سابقة في القوانين الاستثمارية، تعكس مرونة واضحة واستجابة عملية للواقع الاقتصادي والقدرة التمويلية المتفاوتة للمستثمرين.
وأضاف أن من أبرز المزايا التي يقدمها النظام، منح رخص بناء تغطي ما بين 30 إلى 65 بالمئة من مساحة المقسم الصناعي، وفق طبيعة النشاط الصناعي، مع توفير استثناءات مدروسة لبعض الصناعات ذات الطابع التقني أو التصديري، وذلك بموجب قرارات تصدر عن وزارة الاقتصاد بشكل دوري.

كما أشار إلى أن النظام يمنح حق استثمار الأراضي غير المخدمة ضمن المدن الصناعية، من خلال صيغ تشاركية حديثة تعتمد على نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، ما يفتح المجال أمام الاستفادة من مساحات شاسعة لم تكن مستثمرة في السابق، وتتيح للقطاع الخاص لعب دور فاعل في تطوير البنية التحتية وتمويل الإنشاءات والمرافق اللازمة.
وأكد منصور أن هذه الإجراءات تصب في اتجاه تسريع وتيرة التراخيص والانطلاق الفعلي للمشاريع، عبر تقليل الزمن الإداري وتسهيل الإجراءات، وهو ما اعتبره شرطاً أساسياً لجذب المستثمرين الذين باتوا يركزون على عامل الوقت والتكلفة في قراراتهم الاستثمارية.

