جاء حادث تفجير كنيسة مار إلياس المأساوي قبل فترة وجيزة، ليضغط على جراح السوريين مرة أخرى، في مواجهة العنف الإرهابي المتوحش، ودعاوى التكفير المريرة التي ترى في المسيحيين كما في آخرين هدفا للقتل والذبح والانتقام على أساس هوياتي محض. فمنذ تولّي السلطات السورية الانتقالية، بقيادة أحمد الشرع، قيادة البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد قبل نحو سبعة أشهر، تفردت هذه السلطة بجميع مقاليد الحكم، فضلا عن هياكل وأجهزة مؤسسات الدولة، بينما عمدت إلى تعيين أشخاص من الدائرة لزعيم “هيئة تحرير الشام” التي قادت وبالتحالف مع فصائل “معارضة” أخرى، عملية الإطاحة بنظام الأسد.
وقد تعهدت هذه الإدارة الجديدة بالكثير من الوعود للشعب السوري، كان أبرزها حماية الأقليات، وتوفير مسارات للعدالة، تتحقق بها منظومة آمنة تتبنى قيم المواطنية والمدنية الحديثة، فضلا عن تأسيس “جيش محترف”. إلا أن تفجير كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بدمشق، قبل أيام قليلة، كشف عن البنية الأمنية الهشة وخواصر سوريا الرخوة، إلى جانب الارتباك الواضح الذي بدت عليها في التعاطي مع الأزمة.
“ميراث سوريا السياسي”
ثمة حاجة ضرورية وملحة للتسريع من وتيرة الانتقال لوضع أكثر استقرارا، وصحيح أن فترات الانتقال والتحول السياسي ترافقها توترات أمنية، لكن الاستمرار في الإخفاق بعدة ملفات منها أحداث الساحل ومرورا بما تكرر من حوادث عنيفة بحق الدروز وحتى تفجير الكنيسة، يضع شرعية السلطات الجديدة على المحك، بل تتآكل في ظل شعور المكونات السورية بأن مناطقها مستهدفة وغير آمنة. فالقدرة على توطيد الأمن والاستقرار، فضلا عن حماية الفئات الأضعف من الأقليات الدينية والطائفية، لا يعدو كونه مجرد إجراء عادي أو مؤقت إنما هو مرتبط بميراث سوريا السياسي مع أمننة الوضع الطائفي وعسكرته.

وفي سوريا، شكّل تفجير الكنيسة في قلب العاصمة دمشق لحظة مدوية، بينما عاود الحادث من الجديد الإشارة، تلميحا وتصريحا، إلى مدة قدرة القوات الأمنية التي دشنتها السلطات الجديدة، تجاه تحقيق الأمن، وضمانات الوصول المتساوي للحقوق والاستقرار لكافة الأطراف ومن دون تمييز مناطقي أو هوياتي، تحديدا الأقليات الدينية والطائفية.
غير أن شكوكا عديدة تقترن بسؤال الأمن والاستقرار السياسي والمجتمعي وسط الترهل والسيولة الأمنية والعنف الطائفي والسلاح المتفلت وغير الشرعي. إذ بالتوازي مع هذا الهجوم الإرهابي، لم تتوقف بعد حالات العنف والانتهاك بحق مدنيين علويين في الساحل السوري، بحسب تقارير أممية ومصادر حقوقية.
هذه الوقائع، حتما ليست منفصلة، بل تؤشر لمحدودية قدرة سلطات دمشق على التحكم في مسارات الأمن، بما يهدد بخلق حالة من التصدع الأمني.
تناقض روايات السلطة
تفجير كنيسة مار إلياس لم يكن مجرد حادث أمني عابر، كما وصفه بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، يوحنا العاشر اليازجي، بل استهداف لكل السوريين بالمعنى المواطني والمدني الحديث. وبينما أعلنت “وزارة الداخلية السورية” أن الهجوم من تنفيذ تنظيم “داعش” الإرهابي، سارعت جماعة “سرايا أنصار السنة” إلى تبنيه، مؤكدة حتى في وقت مبكر من اليوم الأحد، عبر نشر مجموعة عملياتها خلال الشهر الفائت على أنها من قامت بتنفيذ العملية.
هذا التناقض في الروايات الرسمية وتبني الجماعة المتطرفة التي ظهرت منذ فترة ليست ببعيدة، فاقم من حالة القلق، لا سيما في ظل غياب تحقيق شفاف يوضح الفاعلين الحقيقيين.
كما أفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن أحد منفذي الهجوم كان منتسبا إلى “وزارة الدفاع السورية”، ما يعد مؤشرا خطيرا على اختراق الجماعة المتطرفة لمؤسسات الدولة. وهذا الأمر يطرح تساؤلات جدية حول مدى تغلغل الفكر المتطرف داخل أجهزة الدولة، بحسب تحذيرات “المرصد السوري”.
وجاء في البيان الصادر عن تنظيم “سرايا أنصار السنة”، أن استهداف كنيسة مار إلياس جاء ردا على ما وصفه بـ”استفزازات نصارى دمشق”، مشيرا إلى أن تلك الاستفزازات “تجاوزت حدود التلميح إلى التصريح، والهزل إلى الجد، وتطاولت على أصول الدعوة وأهل الملّة”، وفق نص البيان.
وبدأ تنظيم “سرايا أنصار السنة” بالظهور في شباط/فبراير الماضي، عبر قناة تحمل اسمه على تطبيق “تليغرام”، حيث بدأ بنشر بيانات تهدد باستهداف الطائفة العلوية في مناطق سيطرتها داخل سوريا، بالتزامن مع الأحداث الدموية التي جرت في الساحل السوري.

وفي آذار/مارس الماضي، تبنى التنظيم عمليات قتل طالت مدنيين علويين، كما أطلق تهديدات مماثلة لطائفة الموحدين الدروز، متهما رئيس السلطة الانتقالية، أحمد الشرع، بـ”الخيانة” و”العمالة”، في خطاب تصعيدي واضح.
واليوم الأحد، أعلن تنظيم “سرايا أنصار السنة” عبر قناته على تطبيق “تليغرام” مسؤوليته عن تنفيذ 103 عملية قتل خلال الشهر الماضي، واعتبر أن أبرزها كان تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق. كما أعلن مسؤوليته عن اختطاف وإعدام كل من حمادة درويش وهود هاشم، وهما من أبناء الطائفة المرشدية، ما يشير إلى أن الجريمة ارتكبت على أسس طائفية.
كذلك تبنى التنظيم المتطرف الهجوم الذي استهدف محيط مرقد السيدة زينب جنوبي دمشق، وذلك بالتزامن مع احتفالات عيد الغدير. وقد استخدم البيان خطابا طائفيا تحريضيا، إذ وصف المحتفلين هناك بـ”الروافض”، في دلالة على العداء الطائفي الذي تتبناه الجماعة في خطابها وأهدافها.
أسباب الفشل الأمني
يرى مراقبون، أن الحوادث الأمنية المتكررة وباختلاف مستوياتها التي تؤشر لمنحى تصاعدي، ومنها التي سبقت تفجير كنيسة مار إلياس، يمثل فشلا واضحا في أداء السلطة الانتقالية على المستوى الأمني. فشل يتخطى النواحي الإجرائية والتنفيذية، إلى غياب أي بناء مؤسساتي وتشكيل أجسام قانونية، لها رؤية مدنية، تبدد فرص صعود القوى الميلشياوية والتنظيمات الإرهابية المسلحة، فضلا عن غياب أو تغييب مبادئ العدالة والشفافية.
وفي هذا الصدد، تحدث عدد من المراقبين السياسيين أن هذا الإخفاق الأمني لا يمكن فصله عن البنية الفكرية السابقة للسلطة الجديدة. فمنذ تسلّم “هيئة تحرير الشام” دفة الحكم بسوريا، لم تتوانَ مجموعات إسلاموية عن تكريس حضورها الأيديولوجي في الفضاء العام، لا سيما من خلال حملات “الدعوة” التي انطلقت وطوقت شوارع دمشق خلال فترات سابقة، بما في ذلك الأحياء المسيحية، داعية إلى اعتناق الدين الإسلامي.
ومما لا شك فيه، أن هذا النمط من الخطاب الديني التبشيري والتحريضي، إنما يعكس معضلة حقيقية، تتمثل في صعوبة تخلّي هذه السلطة أو على الأقل عناصرها الذين يشكلون الهياكل الأمنية اليوم، عن الحمولة الأيدولوجية الكفاحية والجهادية، مما يضعها أمام بون شاسع وتناقض فادح أو بل صدام عنيف بين ميراثها القديم وشعاراتها السياسية حول دولة المواطنة وحماية الأقليات.
بالتزامن وثقت “لجنة التحقيق الدولية المستقلة” بشأن سوريا حوادث انتقامية بحق مدنيين علويين، تضمنت حالات اعتقال تعسفي، طرد من منازل، وتهديدات مباشرة في مناطق الساحل، لا سيما في بانياس وجبلة وريف القرداحة، وفق ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس“.
إذا لم تتحرى دمشق أو بالأحرى تسعى إلى التماس خطوات جادة في بناء منظومة أمنية، قانونية ومؤسساتية، وبمشاركة جميع المكونات السورية، وإطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، فإن سوريا مهددة بموجات تفلت أمني تقوض الاستقرار.
وقالت اللجنة الدولية إن بعض هذه الحوادث نسب إلى جماعات مسلحة تدّعي الانتقام من “الطائفة الحاكمة سابقا”. لذا، تضع هذه المؤشرات ككل، مجتمعات الأقلية، وتحديدا المسيحيين والعلويين، في دائرة الخوف والتهميش والانتقام العشوائي، فضلا عن عجز السلطات الحالية عن حمايتهم حتى الآن من الاستهدافات المتكررة.
مسؤولية السلطات الجديدة
حين اندلعت “الثورة السورية” عام 2011، كان أحد مطالبها الأساسية تفكيك الأجهزة الأمنية القمعية. الآن، بعد نحو عقد ونصف من “الثورة” التي سرعان ما تحولت إلى حرب بفعل ما ارتكبه الأسد ووكلائه، تقف الحكومة الانتقالية أمام اختبار بناء أجهزة أمنية جديدة من جهة، ومحاسبة مسؤولي الجرائم الكبرى من جهة أخرى. لكنها، كما يبدو، تخفق مرحليا في الأمرين معا.
لذا، ثمة تساؤل مهم هنا، مفاده: هل هناك استقطابات داخل السلطة الجديدة حول المسارات المطلوب المضي فيها؟، أو هل ثمة انقسام أمني داخل المؤسسات الأمنية الجديدة؟، أم ماذا عساه يكون الخفي وراء استمرار متتالية الفشل والإخفاق الأمني، فضلا عن نتائجها في دوامات العنف؟ فمثلا في دمشق، تزايدت تقارير عن اختراقات أمنية واسعة، الأمر الذي يؤشر إلى جانب مبهم وغامض بخصوص كيفية وصول المسلح بحزام ناسف إلى داخل الكنيسة.

وهنا يشير مراقبون سياسيون إلى أن المؤسسة الأمنية في سوريا تواجه اليوم تحديات متعددة ومعقدة، تبدأ بالخلايا الإرهابية النائمة، فضلا عن الميلشيا الموالية لإيران، وصولا إلى بعض المتشددين السابقين من “هيئة تحرير الشام”، ممن قد يعيدون تشكيل أنفسهم في جماعات جهادية صغيرة تعادي بناء سوريا الجديدة، مثل “سرايا أنصار السنة”.
ورغم بعض المحاولات الجارية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، سواء في وزارة الداخلية أو جهاز الاستخبارات العامة، إلا أن المراقبين يرون أن النقص الحاد في الكوادر المؤهلة، وغياب التنظيم، وضعف الخبرة المؤسساتية، تشكّل جميعها عوامل تهدد استقرار هذه الأجهزة وفعاليتها. ويرى هؤلاء أن مبدأ “التفرد بالسلطة” الذي تتبناه الإدارة الحالية لا يكفي لبناء مؤسسة أمنية فاعلة.
وبالتالي، يمكن القول إنه في حال لم تتحرى السلطة الجديدة أو بالأحرى تسعى إلى التماس خطوات جادة في بناء منظومة أمنية، قانونية ومؤسساتية، وبمشاركة جميع المكونات السورية، وإطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، فإن سوريا مهددة بموجات تفلت أمني تقوض الاستقرار.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

