بين الخسارة والخذلان.. قصة طهران من أحضان بوتين إلى جليد بكين

بين الخسارة والخذلان.. قصة طهران من أحضان بوتين إلى جليد بكين
بين الخسارة والخذلان.. قصة طهران من أحضان بوتين إلى جليد بكين

واجه الدفاع الجوي الإيراني تحديات ونقاط ضعف كبيرة في مواجهاته مع إسرائيل، خاصة في ظل التطورات الحديثة في طبيعة الحرب. ومن أبرز هذه التحديات قدمُ المعدات الجوية الإيرانية التي اعتمدت على الجيلين الثاني والثالث، والذي يعود معظمها إلى الفترة ما قبل الثورة الإيرانية. كما يعاني من ضعف القدرات الشبحية والتشويش الإلكتروني، إذ تفتقر إيران إلى طائرات شبحية قادرة على التخفي من الرادارات، مما يجعل طائراتها عرضة للاكتشاف والاعتراض من قبل أنظمة الدفاع الجوي الحديثة. 

ولهذا، وبعد انتهاء الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، غادر وزير الدفاع الإيراني عزيز ناصر زاده برفقة كبار القادة العسكريين البلادَ إلى الصين لحضور اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون في 26 حزيران (يونيو) 2025. وأثارت هذه الزيارةُ الأولى بعد الحرب اهتمام المراقبين، الذين يعتقدون أن ناصر زاده قصد الصين لشراء معدات عسكرية، وأن الطائرة الصينية J-10C هي الأكثر احتمالًا في قائمة المقتنيات. 

ومع بروز “تشنغدو جيه-10″، يطفو السؤال حول صفقة المقاتلات الروسية Su-35: هل حلت المقاتلات الصينية محل الروسية، ولماذا لم تُنفَّذ الصفقة المتفق عليها منذ عامين؟

المقاتلات الصينية بدل الروسية 

قررت إيران إعادة النظر في صفقة مقاتلات Su-35 الروسية، والتوجّه بدلاً من ذلك إلى شراء طائرات J-10C الصينية متعددة المهام. ويعكس هذا التحوّل ديناميكية جديدة في علاقات طهران الاستراتيجية، ولا سيما في ملف تعزيز القدرات الجوية وسط ضغوط أمنية متزايدة. 

وكانت إيران قد أبرمت في عام 2023 صفقةً لشراء نحو 50 طائرة من طراز Su-35، لكن التسليم توقف عند أربع منها حتى مطلع 2025. وتؤكد المصادر أن طهران تتفاوض حاليًا على شراء 36 طائرة J-10C، مع توقع بدء التسليم بحلول عام 2026 على أبعد تقدير. وقد اعتبر بعض المراقبين صفقة الطائرات الصينية بأنها ستكون الصفقة التجارية الأكبر في مجال الأسلحة بين الصين وإيران منذ تسعينيات القرن الماضي. 

وبحسب الخبراء، فإن الفارق السعري المقدر بين 40 و60 مليون دولار لكل طائرة J-10C يجعلها خيارًا أرخص وأسهل صيانة من الطائرات الروسية. كما أن بكين أكثر انفتاحًا على الصفقات المدفوعة نقدًا، بدلًا من نظام المقايضة النفطية المعقد. ولا يقتصر هذا على اعتماد طهران على الصين فحسب، بل يُظهر كذلك رغبتها في تفادي الاعتماد الحصري على روسيا في ظل علاقات استراتيجية أكثر تعقيدًا بين البلدين. 

ويعلق ناجح النجار، الباحث في العلاقات الدولية وعضو لجنة الشؤون الخارجية بنقابة الصحفيين المصريين، في حديثه مع “الحل نت”: إن “حاجة إيران الماسة إلى طائرات حديثة، خصوصًا بعد الهجمات الجوية المشتركة الأخيرة لإسرائيل والولايات المتحدة على مواقع إيرانية حساسة، بما في ذلك منشآت نووية، دفعتها إلى توجيه بوصلتها نحو الصين، نتيجةً للتأخير في استكمال الصفقات مع روسيا”. 

وأضاف النجار: “حاولت إيران وفق تقارير دولية الحصول على 150 طائرة من طراز J-10C منذ فترة، لكن الصفقة لم تتم آنذاك بسبب خلافات مالية؛ فالطرف الصيني أصرّ على الدفع بالعملة الصعبة، بينما عرضت إيران —الخاضعة لعقوبات شديدة وتفتقر إلى السيولة— نظام المقايضة بالنفط والغاز”. 

أزمة موسكو مع طهران 

يبدو أن إيران، بعد حربها مع إسرائيل، تعمل على إعادة حساباتها مع حليفتها الأولى روسيا، خاصة أن موسكو لم تقدم أي دعم فعلي لطهران إلا من خلال الإدانات الخطابية وعرض الوساطة. واختارت روسيا عدم مساعدة طهران خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية، في إطار مبدأ عدم الإفراط في الاستثمار في أي علاقة. 

فعلى الرغم من الاتفاقية الاستراتيجية بين روسيا وإيران، فإنها لم تتضمّن معاهدة دفاعٍ مشترك؛ وهي النقطة التي أشار إليها الرئيس بوتين في 18 حزيران (يونيو) 2025. ويرى بعض المراقبين أن هذه الشراكة بلا معاهدة دفاعية تسمح لموسكو باستغلال إيران لتعزيز مصالحها من دون تحمل مسؤوليات التورط في التصرفات الإقليمية الاستفزازية لطهران. 

وقد زوّدت طهران موسكو بطائرات “شاهد” من دون طيار في أوكرانيا، في وقت كانت فيه هذه الطائرات حيوية لقدرة روسيا على القتال. 

وعلى خلفية العلاقات الروسية–الإيرانية وموقف موسكو من الحرب الأخيرة، يبرز السؤال: لماذا لم تُسلّم روسيا المقاتلات المتفق عليها منذ عام 2023؟ 

لا يمكن حصر السبب في تفسير واحد، بل ثمة عوامل عدة، أبرزها العلاقة القوية بين روسيا وإسرائيل، في حزيران (يونيو) 2025، أفاد موقع “أكسيوس” أن مسؤولين إسرائيليين واجهوا نظراءهم الروس بشأن التعاون العسكري المتنامي مع إيران وإمكانية تزويدها بمنظومات أسلحة متقدمة. 

من جهته كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن حوار “منفتح وصريح” مع المسؤولين الروس في جلسة مغلقة مع النواب الإسرائيليين في 13 حزيران (يونيو) 2025. في حين قال دبلوماسي إيراني رفض ذكر اسمه إن “المتشددين الإيرانيين، بسبب غطرستهم، وقعوا في فخ الاعتقاد بأنهم شركاء متساوون مع روسيا، لمجرد أن الروس يصطفون لشراء الأسلحة منهم”. 

على صعيد آخر، يقدّم خبير الطيران باباك تغوائي تفسيرًا منطقيًا بأن “العقبة تكمن في رفض روسيا نقل التكنولوجيا لإنتاج أجزاء Su-35 في إيران وتوفير المعرفة للصيانة المحلية على مدى الثلاثين عامًا المقبلة”. وأضاف أن موسكو ترغب في بيع 25 مقاتلة Su-35 فقط دون صيانة مناسبة أو دعم قطع غيار أو أجهزة محاكاة”. 

ومن ضمن جملة الأسباب، هي أن الأزمة في أوكرانيا وأولويات تحديث الجيش الروسي وراء تأخير التسليم، في حين تلعب ضغوط الولايات المتحدة وحلفائها على موسكو دورًا في ترددها عن تسليح طهران. 

ولهذا وصف مسؤول إيراني الصفقة المعلقة بأنها “مخيّبة للآمال”، في إشارة إلى هشاشة العلاقات الروسية–الإيرانية على كل المستويات. ومن المتوقع أن تشهد هذه العلاقات في الفترة القادمة فتورًا سياسيًا وجمودًا، لا سيما إذا أتاحت طهران صفقات أسلحة أوسع مع الصين. 

“التنين النشط” 

بات واضحًا أن إيران، بعد تجاهل شبه تام للطائرة الروسية Su-35 بسبب التأخير وتكرار خيبات الأمل، اتجهت نحو خيار صيني عملي أكثر، ممثلًا في مقاتلة J-10C. وتمثل هذه الخطوة تحولًا نوعيًا في استراتيجية طهران، إذ تنتقل من الاعتماد على تقنيات غربية قديمة إلى شريك آخر أكثر موثوقية في التسليم والتمويل. 

الاقتصاد يتحدث هل تكون الجزر الإماراتية شرارة توتر صيني-إيراني؟ الإمارات الصين إيران الاقتصاد الصيني الإماراتي الإيراني الجزر الإماراتية
وزير الخارجية الصيني وانغ يي. (رويترز)

فقد أوردت بعض التقارير الصادرة عام 2021 اهتمام إيران بشراء 36 طائرة J-10C مقابل نفطها وغازها الطبيعي، إلا أن الصين ترددت في بيع المقاتلات لإيران خوفًا من العقوبات الأميركية. ومع ذلك، أحرز البلدان تقدّمًا ملحوظًا منذ ذلك الحين. 

وشهدت J-10C ارتفاعًا في شعبيتها بعد أن زعمت باكستان أن الطائرة الصينية، المجهزة بصواريخ جو–جو PL-15E بعيدة المدى، أسقطت ثلاث مقاتلات رافال هندية خلال الاشتباك مع الهند في مايو (أيار) 2025. 

وتتميز J-10C برادار AESA محلي الصنع، وباحث تصوير بالأشعة تحت الحمراء (IIR) من طراز PL-10، ومحرك WS-10B. كما تمتاز بقدرات متقدمة تشمل الحرب الإلكترونية، وأجهزة قمرة قيادة زجاجية محوسبة، والضربات الجوية الدقيقة، والقتال خارج مدى الرؤية، والتزود بالوقود جويًا. 

وعلى الرغم من الترويج لها كرمز للابتكار الصيني في الطيران القتالي، لم تشترِها سوى باكستان حتى الآن، ولم تُحقق نجاحًا يُذكر في سوق التصدير. لذا، فإن أي شراء إيراني محتمل سيكون مربحًا لكلٍّ من طهران وبكين. 

بالنسبة لإيران يبدو أن الباب الوحيد المفتوح أمامها هو الصين، والأخيرة لن توصد هذا الباب أمام دولة تعتاش على القتال ليتم تجريب سلعتها وعرضها على دول أخرى، وأيضا لتنشيط سوقها العسكري الراكد منذ فترة طويلة.

النجار يرى أن السلاح الصيني أرخص وربما أسهل صيانة من الطائرات الروسية، وهذا يصبّ في صالح إتمام الصفقة الإيرانية–الصينية. مع العلم أن علاقة موسكو بطهران ليست علاقة مفتوحة بلا ضوابط، بل تقوم أساسًا على المخاوف المتبادلة من الضغط والهيمنة الغربية. 

ومن المتوقع أن يشهد المستقبل انتعاشًا في السياسة الخارجية الإيرانية، سعيًا لتعويض النقص الظاهر في الحرب الإيرانية–الإسرائيلية واستكمال دور الحليف الروسي. هذا لا يعني نهاية العلاقات مع موسكو، ولكن طهران في حاجة ماسة إلى مراجعة سياستها تجاهها. 

فما بين صفقة Su-35 المعلقة وصفقة J-10C الجاهزة، يبدو من غير المرجح أن تشتري إيران كلا الطرازين في آن واحد بسبب قيود مالية ولوجستية واستراتيجية. وقد تكون المقاتلة الصينية J-10C الخيار العملي الأسرع والأكثر فعالية من حيث التكلفة لأدائها وتكلفتها المنخفضة وسلسلة الإمداد الموثوقة، لكن إلغاء صفقة Su-35 مع حليفتها القديمة روسيا لن يلقى استحسان موسكو.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم