أصدر الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع، الأربعاء، مرسومين أثارا موجة واسعة من الجدل في الأوساط الحقوقية والاقتصادية السورية، لما تضمنته من إجراءات استثنائية وتحولات في بنية السلطة التنفيذية والإدارية والمالية.
ونص المرسوم الأول على إحداث مؤسسة جديدة تحت اسم “الصندوق السيادي”، مُنحت الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وربطت مباشرة برئاسة الجمهورية، في حين تضمن المرسوم الثاني تعديلًا على قانون الاستثمار المعمول به، رغم أن الإعلان الدستوري الحالي لا يخول رئيس الجمهورية صلاحية سنّ أو تعديل القوانين، وهو ما شكّل مادة خصبة لانتقادات لاذعة طالت دستورية هذه الخطوة ومشروعيتها السياسية والقانونية.
تحكم رئاسي
جاء في المرسوم رقم “113”، أنه يحدث في الجمهورية العربية السورية مؤسسة ذات طابع اقتصادي تسمى “الصندوق السيادي” تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية، وفق ما ذكرته الوكالة السورية الرسمية (سانا).
ويهدف الصندوق بحسب المرسوم إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة، والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية من جميع الاختصاصات، إضافة إلى تنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية، وفق المرسوم.

يعمل الصندوق بالاعتماد على نظام حوكمة صارم وشفاف، بحسب المرسوم، من خلال، تقارير ربع سنوية وسنوية تقدم لرئاسة الجمهورية، والتدقيق المالي غير أجهزة مستقلة عن الصندوق، إضافة إلى الرقابة الآنية وتصويب الأخطاء قبل وقوعها.
أبرز ما أُثير من انتقادات حول مرسوم الصندوق السيادي تركز على مدى مشروعية تمكين الرئاسة من التحكم المباشر بأصول القطاع العام، دون الرجوع إلى أي سلطة تشريعية أو رقابية مستقلة.
وفي هذا السياق، اعتبر المستشار والخبير الاقتصادي، كرم شعار، أن المرسوم يمنح الرئاسة صلاحية التصرف بممتلكات الدولة بمعزل عن المؤسسات الحكومية والتشريعية، وهو أمر قد يجد البعض له تبريرًا مؤقتًا في ظروف المرحلة الانتقالية، إلا أن غياب أي شكل من أشكال المساءلة أو الرقابة على أداء الصندوق، ورفع تقاريره حصرًا إلى الرئاسة دون إعلانها للرأي العام أو حتى عرضها على هيئة رقابية مستقلة، يمثل انتقاصًا صارخًا من حق السوريين في معرفة مصير أموالهم العامة.
وأوضح أن الأموال التي بني بها القطاع العام تعود في جوهرها إلى الشعب، وبالتالي لا يجوز أن تُدار بمنأى عن المساءلة أو الشفافية، حتى وإن تم تبرير ذلك بـ”المرونة” أو “النجاعة الإدارية”، وفق منشور له على موقع التواصل “فيسبوك”.
مؤشر مُقلق
أما المحامي علاء الدين تلجبيني، فقد أبدى تحفظًا مشابهًا، معتبرًا أن إنشاء صندوق سيادي في حد ذاته ليس المشكلة، بل في آليات عمله وإخضاعه لسلطة تنفيذية مُطلقة، ذلك خلال منشور له على “فيسبوك”.
الصندوق بحسب المرسوم، يمكنه تنفيذ مشاريع تمويل مباشرة باستخدام أصول حكومية غير مفعلة، دون الرجوع إلى البرلمان أو المؤسسات الرقابية، وأن هذا من شأنه تحويل أصول الدولة إلى أدوات إنتاج تُدار بقرارات فوقية محاطة بجدران من الغموض.
المستشار والخبير الاقتصادي، كرم شعار
وأضاف تلجبيني أن رفع تقارير الصندوق إلى الرئاسة فقط، دون نشرها أو عرضها على هيئة مساءلة شعبية، هو مؤشر مقلق، يُرجّح أن يتحول معه الصندوق إلى أداة سلطة لا أداة دولة، في ظل استمرار تآكل البنية المؤسسية في البلاد وتحويل المؤسسات العامة إلى ملحقات للسلطة التنفيذية.
مُخالفة الإعلان الدستوري
المرسوم الثاني الخاص بتعديل قانون الاستثمار، لم يكن أقل إثارة للجدل، إذ جاء مخالفًا بحسب عدد من الحقوقيين لنص وروح الإعلان الدستوري، الذي يحظر على الرئيس إصدار أو تعديل التشريعات خلال المرحلة الانتقالية.
ووفقًا للمرسوم، ركزت تعديلات قانون الاستثمار على توسيع الحوافز المقدمة للمشاريع الإنتاجية، من بينها إعفاءات ضريبية وجمركية واسعة للمشروعات الصناعية والزراعية والطبية، وإعفاءات كاملة لمشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني، كما أقرت تسهيلات للمستثمرين الأجانب، شملت منح إقامات مؤقتة، والسماح لهم بتحويل كامل الأرباح إلى خارج البلاد.

الحقوقي ميشال شماس وصف المرسوم بـ”الباطل بطلانًا مطلقًا”، موضحًا أن الدستور المؤقت واضح في منع الرئيس من سن القوانين، وهو ما يُفترض أن يكون معلومًا لدى مستشاريه، مما يطرح تساؤلات جوهرية عن دورهم الحقيقي، وما إذا كانوا يُدركون تبعات هذه المخالفات المتكررة.
شماس اعتبر أن استمرار السلطة التنفيذية في انتهاك نصوص الإعلان الدستوري يشكّل سابقة خطيرة تعزز مناخ عدم احترام القانون، وتكرّس نهج التفرد بالسلطة، وهو ما يُضعف الثقة بالمؤسسات ويبرر في نظر المواطن تجاوز القانون.
غياب السند القانوني
أما الحقوقي محمد صبرا، أشار من جهته إلى أن إصدار مرسوم بتعديل قانون الاستثمار من قبل الرئيس لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، لأن الرئيس نفسه هو من أقر الإعلان الدستوري الذي يمنعه من ممارسة هذه الصلاحية، ما يجعل الخرق مضاعفًا، مؤكدًا أنه خرقًا للنص وخروجًا على مبدأ سيادة القانون.
أكد أن هذه ليست السابقة الأولى، بل تأتي في سياق تراكمي من المراسيم التي تصدر دون سند قانوني، ما يعكس توجهًا خطيرًا في سلوك السلطة يهدد الأسس القانونية للمسار الانتقالي.
الحقوقي محمد صبرا
ولفت إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المرحلة الانتقالية اليوم لا يتعلق فقط بإعادة بناء الدولة اقتصاديًا، بل بضمان أن تكون هذه الدولة قائمة على احترام القوانين والمؤسسات، لا على نزعة سلطوية تحكمها الاعتبارات الفردية.
انتهاك الوثيقة الدستورية
بدوره، دعا الحقوقي عارف الشعال، الإعلام المستقل إلى استضافة أعضاء لجنة صياغة الإعلان الدستوري، وسؤالهم صراحة عن مدى توافق هذا المرسوم مع الصلاحيات المخولة للرئيس، وإن كان صدوره يمثل خرقًا صريحًا للنص الدستوري الذي وضعوه.

وألمح إلى وجود قصور كبير في حماية الوثيقة الدستورية من الانتهاكات، ما يدعو للتساؤل عن كفاءة اللجنة التي صاغتها، وهل وضعت فعلًا آليات حماية حقيقية أم اكتفت بنصوص شكلية يسهل تجاوزها؟.
في المجمل، تعكس هذه المراسيم الجديدة اتجاهًا واضحًا نحو تركيز السلطة المالية والتشريعية بيد مؤسسة الرئاسة، بعيدًا عن أي أطر رقابية أو مشاركة ديمقراطية، فعوضًا عن أن تكون هذه المرحلة فرصة لتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة وبناء مؤسسات مستقلة وشفافة، يبدو أن البلاد تسير في اتجاه معاكس، تُستخدم فيه أدوات تشريعية وتنظيمية من خارج السياق الدستوري، ما يهدد بتقويض الأساس القانوني للعملية الانتقالية برمتها.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

