حرائق الساحل.. هل تعوّض الحكومة السورية ما أشعلته النيران؟

حرائق الساحل

واجهت سوريا على مدار أحد عشر يوما واحدة من أقسى الكوارث الطبيعية التي ضربت غاباتها ومناطقها الزراعية، مع اندلاع سلسلة من حرائق الغابات في ريف اللاذقية، والتي تسببت في تدمير آلاف الهكتارات من الأراضي، ونزوح مئات الأسر.

وفي ظل الأضرار الواسعة التي خلّفتها الحرائق، اتجهت الأنظار نحو الحكومة السورية الجديدة، التي تؤكد عزمها على التعويض العادل للمتضررين من الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها الحرائق التي التهمت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات.

خطة طارئة

في محاولة لاحتواء الكارثة وتقديم الاستجابة اللازمة للمتضررين، أعلنت الحكومة السورية الجديدة، بالتعاون مع جهات دولية ومحلية، عن خطة طارئة لدعم المتضررين وتعويضهم، في خطوة وُصفت بأنها اختبار عملي للنهج الذي تتبناه الحكومة في التعامل مع الأزمات بمزيد من الشفافية والمساءلة، بعيدًا عن الإرث المثقل بالفساد الذي ساد خلال العقود الماضية.

وتأتي الوعود الحكومية وسط حالة من الحذر الشعبي، نظرًا لما شهدته البلاد في العقود الماضية من فساد مُمنهج في ملفات الدعم والتعويض، حيث لطالما جرى تهميش المستحقين الحقيقيين لصالح شبكات محسوبية مدعومة من أجهزة السلطة، آنذاك.

وزير الزراعة السوري، أمجد بدر، حاول تبديد مخاوف وحذر السوريين بالتشديد على أن الحكومة الحالية تنتمي إلى مرحلة مختلفة كليًا، وتعتبر نفسها امتدادًا للثورة التي انطلقت من أجل الحرية والعدالة.

وقال في تصريحات نقلها عنه موقع “هاشتاغ” إن الحكومة الجديدة ليست امتدادًا للفساد الذي ساد في عهد النظام السابق، وإنها تمتلك آلياتها الخاصة التي تضمن دقة التحقق من بيانات المتضررين وأراضيهم، مؤكدًا أن الوزارة تضع مبدأ الشفافية في صميم عملها، وأنها تخضع بشكل دائم لمساءلة المواطنين ورقابتهم، في إشارة واضحة إلى أن زمن التلاعب والتزوير، على حد وصفه، قد ولى.

توفير المساعدات

جاءت تصريحات وزير الزراعة ضمن سياق توقيع اتفاقية شراكة بين وزارة الزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، تهدف إلى توفير مساعدات نقدية وعينية للمتضررين من الحرائق والجفاف، وتشمل الدعم المباشر للمزارعين الذين فقدوا أراضيهم أو محاصيلهم.

 في معرض رده على استفسارات الصحافيين، شدد بدر على أن هذا الدعم لا يُعد كافياً بحد ذاته، بل يمثل فقط جزءًا من خطة أشمل، تسعى لإعادة إحياء القطاع الزراعي وتوفير بيئة أكثر استدامة لإنتاج الغذاء وتعزيز سبل العيش في المناطق الريفية.

وقدّر بدر المساحات المتضررة من الحرائق الأخيرة بما يتجاوز 16,500 هكتار، موضحًا أن هناك عدة جهات رسمية تعمل حاليًا على تقييم حجم الخسائر بدقة، من أجل إعداد قوائم تعويض عادلة وشاملة.

وأعلن كذلك عن استعداد الوزارة، بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، لتنظيم جولة ميدانية في المناطق المتضررة في ريف اللاذقية، تهدف إلى إجراء تقييم مباشر للأضرار ووضع خطة استجابة طارئة تشمل المساعدات الزراعية وإعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة.

تشكيل غرفة طوارئ

من جهتها، أشارت ماريان وارد، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في سوريا، إلى أن الاتفاق الجديد يهدف إلى سد الفجوة الزمنية بين الموسم الزراعي الحالي والموسم المقبل، عبر دعم مباشر يمتد حتى نهاية العام الجاري.

 وأكدت أن البرنامج يسعى إلى تمكين المزارعين من مواصلة عملهم رغم الظروف الصعبة، لا سيما في ظل ارتفاع مستويات الجفاف وتراجع وفرة الموارد الأساسية مثل المياه والوقود.

في موازاة هذه التحركات، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قبل أسبوع، عن تشكيل غرفة طوارئ خاصة لمتابعة أوضاع المتضررين من حرائق الغابات، بإشراف الوزيرة هند قبوات، التي شددت على ضرورة تكامل الجهود بين مختلف الوزارات والمؤسسات.

 وأكدت الوزيرة خلال اجتماع افتراضي مع مسؤولي الشؤون الاجتماعية في المحافظات أن المبادرات التضامنية التي شهدتها بعض المحافظات لدعم المتضررين في الساحل تعكس روح التكاتف الوطني في مواجهة الكوارث، داعية إلى تسريع وتيرة العمل الميداني وتأمين الاحتياجات العاجلة للنازحين.

أرقام تعكس حجم الكارثة

على الصعيد الأممي، نشرت منظمة الزراعة والتنمية الريفية (SARD) تقريرًا تفصيليًا عن حجم الكارثة البيئية والإنسانية الناجمة عن الحرائق، مبينة أن أكثر من 25 ألف فدان من الأراضي الزراعية والغابات احترق بالكامل، وأن الحرائق تسببت في نزوح أكثر من 1,120 شخصًا، مع تأثر نحو 5,000 شخص بشكل مباشر.

ووصفت المنظمة الوضع بالمأساوي، مشيرة إلى أن الغطاء الحرجي المحترق يشكل أكثر من 3 بالمئة من إجمالي الغابات في سوريا، وأن تراجع كميات المياه وندرة الوقود ساهم في عرقلة جهود الإطفاء، وجعل السيطرة على النيران أكثر تعقيدًا.

تحدثت المنظمة أيضًا عن تداعيات بيئية كارثية، إذ تُقدّر المساحة التي تحولت إلى رماد بأكثر من 100 كيلومتر مربع، ما يهدد النظام البيئي في المنطقة ويعمّق من آثار التغير المناخي على سوريا التي تعاني أصلاً من واحدة من أسوأ موجات الجفاف في تاريخها الحديث.

وأشارت إلى أن جهود الإنقاذ ما تزال تواجه تحديات لوجستية، رغم مشاركة فرق الدفاع المدني والمنظمات المحلية، محذّرة من أن الأثر الاقتصادي للحرائق سيمتد إلى ما بعد انتهاء النيران، لا سيما في ظل اعتماد آلاف الأسر على الزراعة كمصدر رزق رئيسي.

وفي ظل هذه المعطيات، يتوقع أن تشكل خطة التعويض التي تعمل عليها الحكومة، بالتحالف مع منظمات الأمم المتحدة، اختبارًا حاسمًا لمدى فاعلية الإدارة السورية الجديدة في التعامل مع الأزمات، ليس فقط من حيث توفير الدعم الفوري، بل أيضًا في القدرة على تأسيس آليات إنقاذ مستدامة تمنع تكرار الكوارث أو تفاقم آثارها، إضافة إلة التأكيد على شفافيتها وصدقها في تنفيذ وعودها.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم