المرأة اليمنية في زمن “الحوثي”: من ثائرة حرة إلى كائن مقموع

في واقع مأساوي تعيشه اليمن، منذ انقلاب جماعة "الحوثي" على الدولة عام 2014، تبرز قضية النساء كأولوية في قائمة الانتهاكات التي تمارسها الجماعة في مناطق سيطرتها، فلم يعد حال المرأة اليمنية كما كان من قبل، ولم يكن ليتخيل أحد أن يصل إلى ما هو عليه اليوم في زمن "الحوثي"، من قتل وسحل واغتصاب داخل السجون السرية، إلى كافة أنواع الإهانة والامتهان، على أيدي هذه العصابة المارقة. 
في واقع مأساوي تعيشه اليمن، منذ انقلاب جماعة "الحوثي" على الدولة عام 2014، تبرز قضية النساء كأولوية في قائمة الانتهاكات التي تمارسها الجماعة في مناطق سيطرتها، فلم يعد حال المرأة اليمنية كما كان من قبل، ولم يكن ليتخيل أحد أن يصل إلى ما هو عليه اليوم في زمن "الحوثي"، من قتل وسحل واغتصاب داخل السجون السرية، إلى كافة أنواع الإهانة والامتهان، على أيدي هذه العصابة المارقة. 

في واقع مأساوي تعيشه اليمن، منذ انقلاب جماعة “الحوثي” على الدولة عام 2014، تبرز قضية النساء كأولوية في قائمة الانتهاكات التي تمارسها الجماعة في مناطق سيطرتها، فلم يعد حال المرأة اليمنية كما كان من قبل، ولم يكن ليتخيل أحد أن يصل إلى ما هو عليه اليوم في زمن “الحوثي”، من قتل وسحل واغتصاب داخل السجون السرية، إلى كافة أنواع الإهانة والامتهان، على أيدي هذه العصابة المارقة.  

وبين ليلة وضحاها، انقلبت المعايير في مناطق سيطرة الجماعة، حتى أصبحت السجون تمتلئ بالنساء اليمنيات، لا لشيء سوى رفضهن الخضوع أو مطالبتهن بحياة كريمة، اختطاف من البيوت، تعذيب في الزنازين، وتهم ملفقة وجاهزة، في مشهد يجسّد قسوة الميليشيا، التي لا ترى في المرأة إلا وسيلة للابتزاز والترهيب.

محاولات “الحوثي” لإسكات المرأة 

ولم تعد المرأة اليمنية تُعامل كإنسان لها حقوق، بل تحولت إلى أداة ترهيب وعقاب تستخدمها الجماعة ضد المجتمع، في واحدة من أبشع صور الانتهاك الممنهج، فقصص النساء المختطفات داخل سجون “الحوثي”، لم تعد استثناءات، بل تعكس سياسة منظمة لإسكات الأصوات الحرة، وكسر الرموز المدنية، التي لطالما مثّلت روح اليمن الحقيقية.  

ورغم أن المرأة اليمنية كانت تمثل أحد أبرز رموز التغيير في البلاد، خاصة بعد انتفاضة 2011، حيث برز حضورها في ميادين الاحتجاجات، وفرضت نفسها بقوة في مؤتمر الحوار الوطني، بنسبة تمثيل غير مسبوقة، إلا أن المشهد انقلب مع اندلاع حرب جماعة “الحوثي”، لتبدأ مرحلة جديدة من القمع الممنهج، تقلّص فيها دور النساء، وتحولن من ركيزة مجتمعية فاعلة، إلى هدف مباشر للترهيب والاعتقال.  

وفي المحصلة، لم تعد المرأة اليمنية في زمن الحوثي سوى “كائن مقموع”، تُسحب من بيتها أمام أطفالها، تُضرب، تُهان، وتُمنع حتى من شرب الماء، أو أكل التمر داخل الزنازين، كما تكشف وثيقة سرية حصل عليها موقع “الحل نت”.  

من ساحات التغيير إلى سجون “الحوثي”  

في تصريح خاص لـ”الحل نت”، تقول وداد البدوي رئيسة مركز الإعلام الثقافي في اليمن، إن النساء اليمنيات كنّ حاضرات وبقوة أثناء وبعد ثورة 2011، ونجحن في تغيير الصورة النمطية عن المرأة، التي كانت وظيفتها محصورة داخل البيت.

وتضيف البدوي “لقد كنا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق نقلة نوعية في تمكين المرأة باليمن، لكن حرب جماعة الحوثي أعادتنا إلى نقطة الصفر، بل إلى ما قبل الدولة”.  

تتابع الصحفية اليمنية “حرب جماعة الحوثي كانت القشة التي قصمت ظهر المرأة اليمنية، اليوم تمنع النساء من السفر بدون محرم، يتم تسريحهن من أعمالهن لأنهن نساء، ومنظمات المجتمع المدني النسوي أغلقت بالقوة أو تم التضييق عليها، حتى بات حضور المرأة في الفضاء العام مستهدفاً بشكل لا يٌحتمل”.  

وفي حين تحرص جماعة “الحوثي”، على ترويج صورة “المرأة المجاهدة”، في خطابها الإعلامي، يتكشف للواقع وجه آخر لسياسة قمع النساء، لا سيما الناشطات أو المعارضات السياسيات.  

وثيقة مسربة صادرة عن إحدى إدارات جماعة “الحوثي”، حصل عليها “الحل نت”، تُظهر حجم القمع الذي تتعرض له المعتقلات داخل السجون “الحوثية”، حيث تفرض “الزينبيات” – وهي الجناح النسائي الأمني التابع للجماعة – قائمة صارمة من الممنوعات داخل الزنازين.

وتشمل هذه الممنوعات، الحليب، الزبادي، المياه المعدنية، البيض، التمر، وحتى العلكة، حيث تبرّر الوثيقة هذه القيود بـ”أسباب أمنية”، ما يعكس طبيعة التعذيب النفسي والجسدي، الذي تمارسه جماعة “الحوثي”، كجزء من السياسة الممنهجة لكسر النساء.  

برديس.. امرأة قاومت إرهاب “الحوثي”  

وفي شهادة صادمة، تروي برديس السياغي، رئيسة اللجنة الإعلامية في رابطة حماية المعنفات والناجيات من سجون “الحوثي”، لموقع “الحل نت”، قصتها المريرة مع سجون الجماعة، حيث كانت منشوراتها المناهضة للجماعة، كافية لجعلها هدفاً مباشراً.  

حيث اقتحم مسلحون “حوثيون” منزلها في صنعاء، بساعة متأخرة من الليل، في الثاني من آب/ أغسطس 2019، برفقة 12 “زينبية”، ليتم سحلها أمام أطفالها الثلاثة، وأخذها إلى أحد السجون السرية.

وفي زنزانة لا تتجاوز متراً ونصف، تُركت برديس وسط الحشرات، تُصعق بالكهرباء، وتُضرب بوحشية على الرأس والوجه، كما تم تهديدها بنشر صور تمسّ بسمعتها، فقط لإجبارها على الاعتراف بتهم ملفقة، مثل “خيانة الوطن”، و”التخابر مع التحالف”.  

تحكي برديس بصوت شاحب وحزين “فقدت عيني اليمنى، وانكسر أنفي، وأضربت عن الطعام لثلاثة أيام، على أمل أن أموت، لكنهم استمروا في التعذيب”.  

وبعد ثلاثة أشهر من الجحيم، أُفرج عن برديس السياغي بشروط قاسية، فهربت إلى مصر، حيث تعيش هناك اليوم، في منفى اختياري، بعد المعاناة الشديدة في سجون جماعة “الحوثي”.  

انتهاكات “حوثية” مؤثقة بالأرقام  

وتكشف الأرقام حجم المأساة التي تعيشها النساء في اليمن، بسبب جرائم جماعة “الحوثي”، بحسب آخر الإحصائيات، وفق تقرير صادر عن “الشبكة اليمنية للحقوق والحريات“، حيث وثّقت ضد جماعة “الحوثي” 5282 انتهاكاً بحق النساء في اليمن، بين كانون الثاني/ يناير 2017، وحتى كانون الثاني/ يناير 2025.  

ومن هذه الانتهاكات، 1466 حالة قتل، 3379 إصابة بسبب القصف والألغام وأعمال القنص، و547 حالة اختطاف واحتجاز وتعذيب في 12 محافظة يمنية مختلفة.  

المروع أن من بين المختطفات، لا يزال مصير 69 امرأة مجهولا حتى اليوم، وقد احتجزت بعضهن في سجون سرّية لفترات تجاوزت السنة، ما يعكس غياب أي شكل من أشكال العدالة أو الرقابة.

ورصدت تقارير حقوقية، 1181 حالة اعتقال للنساء في سجون “الحوثي”، و274 حالة اختفاء قسري، و71 حالة اغتصاب، كما ذكرت التقارير، وجود 4 حالات انتحار لنساء، تعرضن لضغوط نفسية شديدة داخل سجون الجماعة.  

الزينبيات: أدوات “الحوثي” لقمع النساء  

وتلعب “الزينبيات” دوراً محورياً في منظومة القمع ضد النساء، لدى جماعة “الحوثي”، فبدلاً من أن يكنّ ذراعاً لحماية النساء، تحولن إلى أداة تعذيب وترهيب داخل السجون، يمارسن التفتيش المهين، والصعق الكهربائي، والضرب، والابتزاز، كما تؤكد شهادات ناجيات.

اللافت أن جماعة “الحوثي” تستخدم “الزينبيات” لقمع النساء، في مفارقة تعكس التوظيف الأيديولوجي للدين والنوع، في خدمة السلطة القمعية، الامر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً، عن كيفية إقناع هذه النسوة لتكون أداة قمع لمثيلاتها من النساء.   

ما تعرضت له برديس السياغي، ليس مجرد حالة فردية، بل هو انعكاس لسياسة ممنهجة، تقول وداد البدوي إن النساء في مناطق سيطرة جماعة “الحوثي”، لم يعد بمقدورهن حتى إقامة ورشة توعوية أو نشاط ثقافي بسيط، دون إذن مسبق من الجهاز الأمني، أو “المكتب التنفيذي” للجماعة.  

وتضيف “هذا التضييق أدّى إلى حالة من العزلة والانكفاء، حتى عبر الإنترنت، اليوم، إذا كتبت ناشطة تغريدة تنتقد فيها الوضع، تتعرض لهجمة شرسة تطال شرفها ولباسها وأسرتها، هناك استباحة كاملة ضد النساء”.

ويرى حقوقيون، أن استهداف النساء بهذا الشكل يعكس مخاوف جماعة “الحوثي” من تأثيرهن في المجتمع، خاصة أنهن كن في طليعة الاحتجاجات والأنشطة المدنية قبل الحرب، فالمرأة – بصفتها أماً وناشطة ومربية – قادرة على التأثير في وعي المجتمع، وهذا ما لا يريده “الحوثي”.  

ومن هنا، يصبح القمع وسيلة “وقائية”، لضمان السيطرة التامة على الفضاء العام، ومنع أي صوت معارض، حتى لو كان أنثوياً، وهو ما تؤكده حالات المنع من السفر دون محرم، وإغلاق المراكز النسوية، وإقصاء النساء من العمل العام.  

من الظلام يولد النور  

وفي زمن “الحوثي”، لا يبدو أن المرأة ستنال حقوقها في الحلم أو التعبير، ومع ذلك، ما تزال قصص النساء الناجيات من سجون “الحوثي” تخرج إلى النور، متحدية الصمت والخذلان، كما أن النساء اليمنيات في الداخل والخارج ما يزلن يكتبن، ويشهدن، ويطالبن بحقوقهن، رغم التهديدات والانتهاكات. 

ومع كل قصة ألم، تولد قصة مقاومة، فالمرأة اليمنية التي انتزعت مكانتها في الماضي القريب، قادرة على انتزاع حقوقها من أيدي الظالمين، لتثبت أنها وإن كانت مقموعة حالياً، إلا أنها لم تكسر، وما تزال قادرة على بث الأمل، لتطالب بيمن يليق بحريتها وكرامتها.

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم