لجنة التحقيق بأحداث الساحل السوري: إدانة “لفلول الأسد” وتبرئة ضمنية لدمشق

أعلنت لجنة التحقيق والتقصي في أحداث الساحل السوري، اليوم الثلاثاء، نتائج تحقيقاتها بعد أكثر من ثلاثة أشهر من العمل، مؤكدة توثيق مقتل 1426 شخصا بينهم 90 امرأة وعسكريون سابقون أجروا تسويات، خلال أحداث آذار/مارس الماضي.

وفي مؤتمر صحفي عقدته في دمشق، قالت اللجنة إنها توصلت إلى 298 مشتبها بارتكاب انتهاكات، إضافة إلى 265 اسما من عناصر “فلول النظام السابق”، متهمة إياهم بارتكاب جرائم واسعة، ومحاصرة مؤسسات حكومية في محاولة لفصل الساحل عن الدولة وإقامة “دويلة علوية”، وإطلاق النار على مدنيين حاولوا التصدي لهم، بينها قتل أكثر من 230 عنصرا من “الأمن العام” التابع للحكومة السورية الانتقالية.

ويرى بعض المراقبين أن تقرير اللجنة لا يعكس جدية حقيقية في كشف الحقيقة أو تحقيق العدالة. فالمحاسبة لا تبدأ بمؤتمرات، بل بنشر قوائم المتورطين، وعرض صورهم كموقوفين ببيانات واضحة، وتوقّف الجناة عن التنقل بين المجازر بلا رادع. وحتى ذلك الحين، تبقى التصريحات مجرد وعود، وأفعال الحكومة مثيرة للاستغراب.

ملخص تقرير لجنة أحداث الساحل

وأوضحت أنها زارت 33 موقعا ميدانيا، وعاينت أماكن الانتهاكات والمقابر، وسجلت 450 إفادة تتعلق بالقتل، و486 إفادة حول التعذيب والسلب والتهديد بالسلاح، مؤكدة توثيق أسماء المتورطين في التقرير النهائي، وفق ما نقلته وسائل الإعلام.

وأشارت إلى رصدها انتهاكات جسيمة ارتكبت بحق المدنيين يومي 7 و8 آذار/مارس 2025، مؤكدة تحديد أفراد وجماعات مرتبطة بفصائل عسكرية يشتبه بضلوعها في هذه الانتهاكات، وتمت إحالة المتهمين للمساءلة، دون الكشف عن أسمائهم.

وذهبت اللجنة للقول بأن “سيطرة الدولة” خلال الأحداث، كانت “ضعيفة”، مشيرة إلى أن قدرات الجيش والأجهزة الأمنية كانت محدودة أو غائبة تماما أثناء وقوع الأحداث بالساحل السوري، ما فاقم الوضع الأمني.

اللجنة التي يرأسها القاضي جمعة العنزي، أوضحت أنها استمعت إلى 938 إفادة من شهود ينتمون لعائلات متضررة، و23 إفادة من مسؤولين رسميين، مع الامتناع عن نشر الأسماء بطلب من الشهود.

وأكدت اللجنة أن الانتهاكات كانت واسعة لكنها “غير منظمة أو ممنهجة”، بل “تفاوت السلوك بين عناصر المجموعات المشاركة”، وتمت إحالة لائحتين بأسماء المشتبه بهم إلى النائب العام. كما شددت على أن الاستنتاجات استندت إلى قرائن وشبهات، لا إلى أدلة قطعية، داعية لاتخاذ إجراءات فورية لمنع التحريض الطائفي.

وأشار اللجنة إلى “تحرك القوات الحكومية والفصائل وقوات عسكرية أخرى، واندفعت بشكل عشوائي مجاميع الفزعات الشعبية ومجموعات أخرى، فازدحم الطريق الدولي بما يزيد على مئتي ألف مسلح يتحركون باتجاه مناطق سيطرة الفلول لاستعادتها”.

وفي ختام المؤتمر، أوصت اللجنة بمراجعة التعيينات الإدارية المخالفة، مؤكدة انتهاء عملها، وأن الدور المقبل سيكون للمجتمع المدني في مراقبة أداء الحكومة وضمان المحاسبة.

تبرئة ضمنية لسلطة دمشق

رغم ما تحاول الحكومة السورية الانتقالية تقديمه من صورة “شفافة” للتحقيق في مجازر الساحل، يكشف تقرير لجنة تقصي الحقائق عن خطاب ملتبس يخلط بين التوثيق الجاد والشفاف ومحاولة التهرب أو التملص من المسؤولية، ويوجه أصابع الاتهام إلى “فلول” مرتبطة بالنظام السابق، ومجهولين انتحلوا صفة عناصر “الأمن العام”، متجنبا تحميل السلطات الجديدة أي مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات التي وثقت على نطاق واسع خلال الفترة الماضية.

اللجنة، التي تشكلت بقرار رئاسي، اكتفت بوصف الانتهاكات بأنها “غير منظمة”، وركزت على بعدها “الثأري” لا الإيديولوجي، في محاولة لنزع البعد السياسي أو الطائفي عن مجازر موثقة راح ضحيتها أكثر من 1400 مدني، معظمهم من الطائفة العلوية. 

حسن عبد الغني المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية وهو أحد المتورطين في المجازر على الساحل السوري وفق تحقيق “رويترز”

كما غاب عن التقرير أي تفصيل لمحاسبة واضحة للجهات الأمنية والعسكرية التي شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه العمليات، مكتفية بإحالة الأسماء المجهولة إلى “القضاء” المختص.

في المقابل، سعى التقرير إلى تبرئة القوات الحكومية والفصائل التابعة لها عبر التأكيد على أنها “تصرفت بانضباط”، أو أن من ارتكب الانتهاكات “خالف الأوامر”، مؤكدا أن سيطرة الدولة خلال فترة الأحداث “كانت جزئية أو منعدمة”، وأن قدرات الجيش وأجهزة الأمن لم تكن كافية للسيطرة على الأوضاع، في تناقض واضح مع إفادات الشهود ومقاطع الفيديو والتوثيقات المستقلة التي انتشرت في الفترة الفائتة، مثل تحقيق وكالة “رويترز“، و”هيومن رايتس ووتش”، وتقرير “الاتحاد الأوروبي” وفرض العقوبات على  “مؤسس كتيبة السلطان سليمان شاه”، محمد حسين الهاشم (أبو عمشة)، وزعيم “فرقة الحمزة” سيف بولاد أبو بكر، بسبب تورطهم في مجازر الساحل.

اللجنة تنفي تلقي بلاغات عن اختطاف العلويات

وردا على أسئلة الصحفيين، نفت اللجنة تلقي أي بلاغات رسمية حول وقوع حالات اختطاف للنساء في الساحل، مشيرة إلى أن عددا  من الفتيات اللواتي فقدن سابقا قد عدن، فيما تبين أن حالات أخرى كانت ناتجة عن مشكلات اجتماعية، مؤكدة أن هذه الوقائع تصنف كجرائم جنائية يجب التعامل معها ضمن الإطار القانوني.

وخلال المؤتمر الصحفي، شدد رئيس اللجنة القاضي جمعة العنزي، والمتحدث باسمها المحامي ياسر الفرحان، على استمرار ملاحقة المتورطين في الانتهاكات بحق السوريين، مؤكدين أن المحاسبة القانونية هي السبيل الوحيد لقطع الطريق على أي محاولات انتقام أو فوضى مستقبلية

رغم هذا الادعاء، نشرت وكالة “رويترز” أواخر حزيران/يونيو الفائت تحقيقا موسعا أكدت فيه تصاعد حالات اختطاف واختفاء نساء وفتيات من الطائفة العلوية، مستندة إلى شهادات موثقة من أهالٍ في الساحل، وسط مخاوف متزايدة من وقوعهن ضحايا للاتجار بالبشر وابتزاز ذويهن مقابل فديات مالية.

ومن بين الضحايا، عبير سليمان (29 عاما)، اختطفت في صافيتا يوم 21 أيار/مايو الماضي. أبلغت عائلتها لاحقا عبر مكالمات ورسائل من رقم عراقي بأنها ستباع أو تقتل إذا لم تدفع فدية قدرها 15 ألف دولار. وبالفعل، جمعت العائلة المبلغ وحوّلته إلى ثلاثة حسابات تحويل أموال مختلفة في مدينة إزمير التركية يومي 27 و28 أيار/مايو عبر 30 عملية تحويل تراوح المبلغ في كل منها بين 300 و700 دولار. وعرض قريبها إيصالات المعاملات.

وأوضح القريب لـ”رويترز” أنه بعد تحويل جميع الأموال وفقا للتعليمات التي تلقوها، توقف الخاطف والوسيط عن الاتصال وأغلقا هواتفهما. ولا يزال مصير عبير مجهولا لعائلتها.

وتشير “رويترز” إلى اختفاء ما لا يقل عن 33 امرأة وفتاة علوية منذ بداية العام، معظمهن في طرطوس واللاذقية وحماة. ورغم عودة بعضهن لاحقا، امتنعت العائلات عن الحديث لأسباب أمنية.

ورغم انتشار مناشدات الأهالي على مواقع التواصل، نفت السلطات المحلية وجود عمليات اختطاف منظمة، معتبرة أن معظم الحالات تعود لـ”مشاكل عائلية أو هروب طوعي”، دون تقديم أدلة.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم