الإفراج عن الصحفية نور سليمان يشعل الجدل في سوريا.. ما القصة؟

الصحفية نور سليمان

وسط حالة احتقان سياسي تتصاعد فيها التساؤلات بشأن مصير الحريات العامة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، فجّرت قضية الصحفية نور سليمان جدلًا واسعًا تخطّى مجرد واقعة توقيف صحفية إلى ما هو أبعد من ذلك، ليعكس الموقف هشاشة النظام القانوني في حماية الصحفيين، ومأزق السلطة في تقديم صورة منفتحة عنها.

وتباينت تفسيرات النشطاء  لخطوة الإفراج عن نور سليمان، بعد أن تمت بكفالة وزارة الإعلام،فقرأ البعض تلك الخطوة باعتبارها محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وامتصاص تصاعد الضغوط الحقوقية، فيما رأى آخرين أنها تعدٍ من قبل وزير الإعلام حمزة المصطفى على القانون.

قصة الاختفاء

بدأت القصة قبل نحو أسبوع، حين تحدّثت تقارير متقاطعة عن اختفاء الصحفية نور سليمان، العضوة في “التحالف السوري الديمقراطي”، بعد مراجعتها فرع الأمن السياسي في منطقة المزة بالعاصمة دمشق.

 وبحسب ما أفادت به زميلتها الناشطة فرح يوسف، فإن سليمان كانت قد خضعت لملاحقات سابقة شملت مداهمات أمنية متكررة لمنزلها، وطلبًا من الأجهزة الأمنية بحذف تسجيل يوثق إحدى تلك المداهمات، وفي اليوم الذي ذهبت فيه إلى الفرع الأمني برفقة والدتها، لم تخرج سليمان، وانقطعت أخبارها منذ ذلك الحين.

لاحقاً، ادّعت يوسف في منشور عبر “فيسبوك” أن شخصًا مجهولًا انتحل شخصية نور عبر تطبيق “واتساب”، وبدأ بمراسلة عدد من زملائها بهدف تضليلهم، في خطوة وصفتها بمحاولة لإخفاء آثار “اعتقال تعسفي”.

وأضافت أن العائلة لم تكن في وارد التصعيد الإعلامي، إلا أن تأخر الإفراج وغياب أي توضيح رسمي دفعها إلى تحميل مسؤولية سلامة نور لكل من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، ووزير الإعلام حمزة المصطفى.

تدخل وزير الإعلام

رغم هذا التصعيد، لم يصدر أي توضيح من الجهات الأمنية المعنية، فيما اقتصر التعليق الرسمي على تدوينة نشرها وزير الإعلام حمزة المصطفى عبر منصة “إكس”، أعلن فيها عن “تدخله” لدى وزير الداخلية أنس خطاب، مؤكدًا أن توقيف الصحفية لم يكن لأسباب تتعلق بعملها الإعلامي.

 وأشار إلى أن الإفراج عنها تم بكفالة وزارة الإعلام، على أن يُغلق الملف خلال الأيام القادمة، داعيًا في الوقت ذاته إلى “التحلي بالمسؤولية” وتجنب “خطابات الكراهية والطائفية والشعبوية”، دون أن يحدد المقصود بهذه العبارات.

لكن هذا التصريح أثار بدوره موجة انتقادات، خاصة من داخل الوسط الصحفي، حيث رأت الصحفية رولا حديد أن ما جرى يمثل “تدخلًا غير قانوني في عمل القضاء”، محذرة من تكرار نموذج “الإفراجات بالكفالة السياسية”، الذي يكرّس مفهوم المحسوبيات ويقوّض مبدأ استقلال القضاء.

 وأضافت أن الصحفية المعنية “معروفة بخطابها الطائفي”، وكان من الأولى – حسب تعبيرها – أن تُحال إلى محاكمة عادلة لا أن تُبيض صورتها سياسيًا.

رسائل مقلقة

بدوره، قال الكاتب إبراهيم خاليلو، إن القضية كشفت عن تناقضات داخل بنية السلطة الانتقالية، مشبهًا الأمر بـ”اختبار تلميذ لمعلمه”، حيث يُراد من خلال هذه الوقائع إثبات أن السلطة الجديدة لم تتخلّ عن إرثها السلطوي.

 واعتبر أن استمرار توقيف الصحفيين دون أوامر قضائية واضحة يبعث برسائل مقلقة، ويقوض محاولات كسب ثقة الشارع الذي قام بثورته من أجل ضمان الحريات وليس لإعادة إنتاج الرقابة بأسلوب مختلف.

وعلى الرغم من أن وزارة الإعلام أعلنت حرصها على حماية الحريات الصحفية، إلا أن طريقة الإفراج ذاتها – عبر كفالة حكومية – تطرح علامات استفهام حول استقلالية المؤسسات وقدرتها على تطبيق العدالة بمعزل عن الضغوط السياسية، إضافة إلى المخاوف من استمرار هيمنة الأجهزة الأمنية على الفضاء العام.

استمرار الانتهاكات

كانت منظمات دولية معنية بحرية الصحافة، مثل “مراسلون بلا حدود” و”لجنة حماية الصحفيين”، قد وثّقت على مدى السنوات الماضية العشرات من حالات الاعتقال والتوقيف التعسفي بحق صحفيين سوريين، سواء داخل مناطق النظام السابق أو في مناطق المعارضة، وحذرت مرارًا من أن غياب الضمانات الدستورية يجعل حرية التعبير في البلاد عرضة للتقويض الدائم.

وفي تقريرها لعام 2024، صنّفت منظمة “فريدوم هاوس” سوريا ضمن الدول “غير الحرة” في ما يتعلق باستخدام الإنترنت والعمل الصحفي، مشيرة إلى استمرار الاعتقال التعسفي، والرقابة، والملاحقة على خلفية الرأي.

تأتي قضية نور سليمان كأحدث تجلٍ لحالة الارتباك التي تعيشها الإدارة الانتقالية في سوريا، فبينما تتحدث مؤكدة على احترام حقوق الإنسان، فإن الممارسات على الأرض تشير إلى استمرار الانتهاكات الأمنية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم