في الوقت الذي تكافح فيه سوريا لتجاوز آثار أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي والعقوبات الغربية، يجد السوريون أنفسهم أمام أزمة جديدة تتسلل بصمت، تتمثل في الانكماش النقدي الخانق.
وتتبع السلطات المالية السوري سياسة حبس السيولة بدعوى “تحقيق الاستقرار”، لكنه، بحسب خبراء اقتصاديين، يعمّق الركود، ويفاقم الضغوط المعيشية، ويهدد ما تبقى من الثقة بين المواطن والمؤسسة المصرفية.
عجز بتلبية طلبات السحب
الباحث الاقتصادي السوري الدكتور سلمان ريا، اعتبر أن السياسة النقدية التي ينتهجها “مصرف سوريا المركزي”، والمتمثلة في تقييد تزويد المصارف التجارية بالسيولة النقدية، أفرزت اختلالات عميقة في الدورة المالية، وأحدثت ارتباكًا متزايدًا في العلاقة بين المودعين والنظام المصرفي، الذي بات عاجزًا عن تلبية حتى الحد الأدنى من طلبات السحب اليومي، وفق ما نقلته عنه صحيفة “الثورة”.
وتأتي هذه الإجراءات، بحسب المركزي، ضمن سياسة هادفة إلى تقليص الكتلة النقدية المتداولة وكبح الطلب على العملات الأجنبية، في محاولة لضبط سعر صرف الليرة السورية، التي فقدت أكثر من 98 بالمئة من قيمتها منذ 2011.

إلا أن ريا يرى أن هذه السياسات تؤدي عمليًا إلى تجميد الحياة الاقتصادية اليومية، وتفريغ السوق من السيولة الضرورية لتمويل الاستهلاك والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90 بالمئة من السكان السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تقدّر تقارير برنامج الأغذية العالمي أن 12.9 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
الحد من قدرة المواطن
في هذا السياق، يعلّق ريا: “تقليص النقد لا يؤدي إلى استقرار سعر الصرف بقدر ما يحدّ من قدرة المواطن على شراء الغذاء والدواء ويخنق المحرك الوحيد المتبقي للنمو الاستهلاك الداخلي”.
الإجراءات الحالية تسير على خطى سياسات “الانكماش القسري” التي شهدتها بعض الدول النامية في مراحل ما بعد الأزمات، كما حدث في فنزويلا خلال 2017–2019، عندما فشلت سياسات تقييد الكاش في كبح التضخم أو إنعاش الثقة، بل أدت إلى تفاقم الفجوة بين السوق الرسمية والسوق السوداء، وهو ما يتكرر الآن في سوريا.
الباحث الاقتصادي السوري الدكتور سلمان ريا
ريّا يشير إلى أن ضخ السيولة ليس ترفًا نقديًا، بل ضرورة لتمويل القطاعات الحيوية،واستطرد: “في بلد يعتمد بنسبة 75 بالمئة من نشاطه الاقتصادي على الإنفاق المنزلي، فإن خنق الاستهلاك يعني خنق الاقتصاد برمّته”.
كما يشدد على أن السيولة تمثل شريانًا أساسيًا لتحريك المشروعات متناهية الصغر والمتوسطة، والتي توظف ما لا يقل عن 40 بالمئة من اليد العاملة، بحسب أرقام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تعزيز الثقة
دعا ريا إلى اعتماد مقاربة مغايرة، تستند إلى توسيع الإنتاج المحلي، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، وتحفيز الإنفاق الاستثماري لا تقليصه، مقترحًا أن يبدأ الإصلاح من دعم الإنتاج الزراعي والصناعي وتقديم بدائل حقيقية للمستوردات، بما يخفف من الضغط على الدولار ويقلص العجز التجاري، الذي يتجاوز، وفقًا لتقديرات غير رسمية، 4.2 مليار دولار سنويًا.

ويضيف: “التحوّل نحو اقتصاد غير نقدي لا يجب أن يُفرض كسياسة أمنية، بل يجب أن يتم عبر منظومة قانونية وتكنولوجية متكاملة، تُراعي هشاشة السوق السورية واعتمادها الكبير على النقد في المعاملات اليومية”.
ويرى أن الدفع الإجباري نحو الدفع الإلكتروني في ظل انقطاع الكهرباء، وضعف البنية التحتية المصرفية، وانعدام الثقة بين المواطن والبنك، سيؤدي إلى عزوف جماعي عن التعامل مع القطاع الرسمي، ويعزز من توسّع الاقتصاد الموازي.
إصلاح جذري
لا يغفل ريا البعد الهيكلي للمشكلة، مؤكدًا أن السياسات النقدية لا يمكن عزلها عن واقع التعليم والابتكار، فبدون استثمار حقيقي في المعرفة، وتدريب الكوادر، وتمويل البحث العلمي، ستبقى البنية الاقتصادية السورية رهينة لنمط ريعي هشّ، لا يقوى على الخروج من أزماته المتكررة.
وختم ريا تصريحه بتحذير صريح: “النقد لا يُجمّد… وإذا جُمد، يجمد معه الاقتصاد، لا استقرار حقيقيًا دون سيولة مرنة، ولا تعافٍ دون ثقة، ولا ثقة دون إصلاح جذري لمنظومة المال والنقد”.
يشار إلى أن “مصرف سوريا المركزي” لم يفصح عن أي بيانات أو تفاصيل عما يملكه من قطع أجنبي أو احتياطي من الذهب، بعد إطاحة الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

