في خطوة لافتة أثارت الكثير من المخاوف بشأن ميلاد ذراع اقتصادية للنظام الجديد تحتكر الاقتصاد السوري على غرار إمبراطورية رامي مخلوف في عهد نظام الأسد البائد ، أعلنت محافظة إدلب شمال غربي سوريا، توقيع عقود لصيانة وإعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية مع شركة “الراقي” للإنشاءات والاستثمار، بتكلفة 12 مليون دولار.
المُثير أن شركة “الراقي” يشغل عبد الرحمن سلامة – المعروف بـ”أبو إبراهيم” – المنصب التنفيذي الأعلى فيها، وهو أحد أبرز القادة السابقين في هيئة تحرير الشام، والوجه الأمني البارز الذي ارتبط اسمه طويلاً بالذراع العسكرية والاستخباراتية للهيئة، وهو ما جعل هذه الخطوة تعد إشارة قوية إلى احتكار شخصيات مرتبطة سابقًا بهيئة تحرير الشام لملفات الاقتصاد والإعمار في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
من هو “أبو إبراهيم”؟
عبد الرحمن سلامة، المعروف أيضًا باسم أبو إبراهيم سلامة، المنحدر من مدينة عندان شمال حلب، شغل منصب أمير حلب في جبهة النصرة خلال سيطرة المعارضة على شرق حلب بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٦، وانتقل تدريجيًا من قيادة الجناح الأمني في تحرير الشام إلى تأسيس شركة الراقي عام 2020.

وتمكّن من تحويل موقعه القديم في البنية العسكرية إلى موطئ قدم اقتصادي راسخ، مدعومًا بعلاقات قوية داخل الإدارة السورية الجديدة، وقد عينه محافظ حلب في نيسان الماضي بدور استشاري كنائب مشرف على مناطق بريفي حلب الشمالي والشرقي، ذلك بعد أن تكرر ظهوره في القصر الجمهوري ومرافقته للرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في العديد من الزيارات واللقاءات.
أما عن شركة “الراقي” المرتبطة بـ”هيئة تحرير الشام”، كان أول ظهور معلن لها عندما بدأت تنفيذ مشروع سكني يتألف من ألف وحدة سكنية لإيواء عائلات نازحة غربي مدينة إدلب، بحسب تقرير نشرته منصة The Syria Report، والذي أشار إلى أن عقد تنفيذ المشروع أُرسي على الشركة، دون منافسة.
شركة “الراقي” والسيطرة على المناقصات
بحسب التقرير الذي نشر في عام 2023، فإن مناقصة المشروع طُرحت دون إعلان رسمي، ما يجعلها مناقصة غير حقيقية، مشيرًا إلى أنه منذ تأسيس الشركة عام ٢٠٢٠، نفذت تقريبًا جميع مشاريع الإسكان ومخيمات النازحين في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، وهو ما يعكس التوسع الواضح في حضور هذه القوى السابقة في الساحة الاقتصادية.
وصل الأمر إلى أن الشركة اتهمت باحتكار السوق الاستثماري في إدلب، وإقصاء المنافسين، الذين تقدموا لمشاريع مشابهة للتي تقوم بها “الراقي”، إذ استحوذت على مناقصات شق طرق وإنشاء مشاريع إعمار وسكنية تتبع لمنظمات، مثل “آفاد” التركية.
وتخصصت شركة الراقي في تنفيذ مشاريع مقاولات متنوعة في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، من وحدات سكنية ومخيمات إلى إنشاء طرق وغيرها، كما أن هناك أنباء تفيد بأنها تدير استثمارات هيئة تحرير الشام، ويستثمر قياداتها أموالهم فيها.
وتُنفذ الشركة مشاريع ربحية، مثل مجمع سكني يُسمى “مدينة سرمدا الجديدة”، يسكنه أثرياء إدلب، ومقربون من الهيئة، وقياداتها، ومشاريع أخرى كمراكز التسوق، ولا يُعرف أعضاء مجلس إدارة الشركة، لكن هناك تقارير تُشير إلى أن بينهم شخصيات بارزة في الهيئة، وبعضهم يملك أسهمًا فيها.
إعادة تدوير النفوذ
ذهب بعض النشطاء إلى اعتبار شركة “الراقي” واجهة ناعمة لإعادة تدوير نفوذ هيئة تحرير الشام في ثوب تنموي جديد، مستغلين بذلك غياب المؤسسات الرقابية الفعلية في البلاد، واعتماد المانحين على شركاء محليين لا يمكن الطعن في “كفاءتهم التنفيذية” رغم خلفياتهم المثيرة للجدل.

من الناحية السياسية، فإن توقيع العقود مع هذه الشركة يجسد نموذجًا من نماذج إعادة تدوير نفوذ الهيئة ضمن هيكل السلطة المدنية، من دون المرور بآليات شفافية أو منافسة، وبحسب بيانات محلية متداولة، فإن الشركة حازَت على نسبة تفوق 70 بالمئة من المناقصات المتعلقة بالبنية التحتية في إدلب خلال العام الماضي، ما يثير انتقادات بشأن التوزيع الاحتكاري للمشاريع.
وتأتي هذه العقود ضمن سيناريو متكرر في مناطق النزاع، حيث تتحول الجماعات الميدانية إلى قوى اقتصادية بعد انتهاء النزاع، لكنها تستغل نفوذها لا لخدمة التنمية الشاملة، بل لترسيخ شبكة مصالح اقتصادية مبنية على الولاء السياسي والتكيف مع المتغيرات.
تصاعد حضور “أبو إبراهيم”
أما عن الأبعاد السياسية، فتصاعد حضور عبد الرحمن سلامة إلى جانب أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية، في مناسبات رسمية داخل قصر الشعب بدمشق وخلال زيارات إلى تركيا والسعودية، ما يعزز فرضية أن النفوذ الاقتصادي أصبح جواز مرور إلى مواقع السلطة الحقيقية، حتى لو بدا ذلك من وراء الستار.
على سبيل المثال ظهر أبو إبراهيم سلامة إلى جانب قائد المجموعة، الشرع “أبو محمد الجولاني”، خلال حفل افتتاح وتدشين طريق حلب-باب الهوى الواصل بين مدينتي سرمدا والدانا شمال إدلب، الذي تولت الشركة إنشائه نيابةً عن حكومة الإنقاذ السورية، وقد أنجزت حوالي ثلثه خلال العامين الماضيين.
كما ظهر علنًا أيضًا برفقة الشرع خلال استقبال وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، في 20 من آذار/ مارس الماضي، إذًا فإن مرافقة سلامة الرئيس السوري في أكثر من رحلة خارجية، إضافة إلى ظهوره في أكثر من مناسبة في القصر الجمهوري، يشير إلى دور مهم له ضمن الإدارة الجديدة.
لذا لا يمكن عزل التوقيع الذي قامت به محافظة إدلب لعقود ضخمة مع شركة يديرها قيادي سابق في هيئة تحرير الشام، عن السياق الأوسع الذي تعيشه سوريا في لحظتها الانتقالية، إذ يتقاطع فيه الاقتصاد بالسياسة بالأمن، وتُستخدم فيه أدوات التنمية لإعادة تشكيل شبكات النفوذ المحلية، لا بالضرورة على أساس الكفاءة أو المصلحة العامة، بل وفق اعتبارات الولاء، والقدرة على التكيّف مع المتغيرات.
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

