“السويداء” بلا أدوية سرطان.. والمرضى يواجهون الموت وسط الصمت الحكومي

مرضى السرطان بالسويداء

في وقت تتفاقم فيه أزمة الرعاية الصحية في الجنوب السوري وتتصاعد صرخات الاستغاثة من مرضى السرطان وعائلاتهم، طفت إلى السطح خلال الأيام الماضية أنباء تم تداولها على بعض الصفحات والمواقع الإلكترونية، تشير إلى وصول كميات كبيرة من الأدوية السرطانية إلى محافظة السويداء.

هذه الأخبار التي بُنيت على ما يبدو على تمنيات أكثر من كونها وقائع ملموسة، سرعان ما نفاها مصدر رئيسي معني بشكل مباشر بملف المرضى، وهو “جمعية أصدقاء مرضى السرطان” في السويداء، التي أوضحت في تصريح واضح لا يحتمل التأويل، أن هذه المعلومات عارية تمامًا من الصحة ولا تمتّ إلى الواقع بصلة.

“أصدقاء مرضى السرطان” تنفي

رئيس الجمعية، الدكتور عدنان مقلد، أوضح أن المحافظة لم تستلم حتى اللحظة أي شحنة من الأدوية السرطانية، رغم وجود وعود متكررة من عدة جهات، بعضها محلي وبعضها خارجي، لكنها جميعًا بقيت في إطار الكلام دون تنفيذ فعلي، وفق تصريح نقلته عنه منصة “السويداء 24”.

هذا النفي لا يأتي فقط لتصويب المعلومة، بل يحمل بين سطوره غصة حقيقية، إذ إن تداول أخبار غير دقيقة من هذا النوع يشكّل ضغطًا نفسيًا قاسيًا على المرضى وذويهم، في وقت هم فيه أحوج ما يكونون للطمأنينة والمساندة.

والأزمة الدوائية التي يعيشها مرضى السرطان في السويداء، الذين يتخطى عددهم 1350 مريضًا لم تبدأ اليوم، لكنها دخلت طورًا أكثر قسوة منذ الثالث عشر من تموز/ يوليو الفائت، عندما بدأت تظهر مؤشرات واضحة على انقطاع شبه كامل للأدوية النوعية، سواء السرطانية أو الهرمونية.

 رحلة مؤلمة للبحث عن جرعة

منذ ذلك التاريخ، تحول يوم مريض السرطان في المحافظة إلى رحلة بحث شاقة في صيدليات المدن الكبرى أو نداءات عاجلة عبر شبكات التواصل للحصول على جرعة واحدة قد تؤخر تدهور الحالة أو تخفف من آلام الجسد والنفس.

وليس ذلك مجرد انطباع، بل واقع تؤكده عشرات الاتصالات اليومية التي تتلقاها الجمعية من مرضى وعائلاتهم، جميعها تطلب المساعدة أو توفّر مؤشراً آخر على مدى عمق الأزمة.


رئيس جمعية أصدقاء مرضى السرطان بالسويداء

رغم هذا الانسداد الرسمي، لم تقف الجمعية مكتوفة اليدين، بل أطلقت حملة استجابة إنسانية عاجلة، نجحت خلالها، بين 13 تموز و5 آب 2025، في تأمين الأدوية لما يزيد عن 230 مريضًا داخل المحافظة، بتكلفة إجمالية بلغت 115 مليون ليرة سورية، تم تمويلها بالكامل من تبرعات محلية، بعضها فردي وبعضها من مبادرات أهلية عفوية، وهذا الجهد، وإن لم يكن كافيًا لسدّ كل الفجوات، لكنه شكّل طوق نجاة حقيقياً لفئة من المرضى كانوا على وشك فقدان الأمل.

مبادرات فردية تسدّ الفراغ المؤسسي

الدكتور مقلد أشار أيضًا إلى مبادرة لافتة قام بها أحد “فاعلي الخير”، تمكّن عبرها من تأمين كمية إضافية من الأدوية بلغت قيمتها 3145 دولارًا أميركيًا، وُزّعت مباشرة على المرضى الأكثر حاجة، مشيرًا إلى أن هذه المبادرة كانت نموذجًا لما يمكن أن تحققه المسؤولية الفردية حين تغيب المؤسسات، وتأكيدًا على أن الدعم، ولو كان متواضعًا، يصنع فرقًا ملموسًا حين يُدار بشفافية ويُوجّه إلى المكان الصحيح.

مع ذلك، لا يمكن لجمعية تطوعية أن تتحمّل وحدها عبء هذا الملف الشائك في ظل غياب دعم حكومي حقيقي أو تدخل مؤسساتي فعّال من قبل منظمات الأمم المتحدة التي يُفترض أن تلعب دورًا حاسمًا في مثل هذه الحالات الطارئة، فالحاجة، كما يصفها الدكتور مقلد، “أكبر بكثير من قدراتنا الحالية”، والعمل مرهون بالكامل باستمرار تدفّق التبرعات، التي لا يمكن التعويل عليها كبديل مستدام عن تدخل منظم.

وفي خضم هذه التحديات، وجّه مقلد نداءً مباشرًا لكل من يتعامل مع ملف الرعاية الصحية في الإعلام أو شبكات التواصل، داعيًا إلى تحرّي الدقة قبل نشر أو إعادة تداول أي معلومة تتعلق بالأدوية أو العلاج، لأن الأمر لا يقتصر على شائعة عابرة بل يمس حياة أناس تتوقف مصائرهم على جرعة دواء، كما دعا إلى دعم الجمعية بكل الطرق الممكنة، حتى لو كانت رمزية، لأن حياة المرضى، كما قال، “لا تحتمل التأجيل أو الخطأ”.

وتواجه السويداء، تهميشًا في ملفات الصحة والدواء، حتى باتت تبدو اليوم مثالًا صارخًا على غياب العدالة الدوائية في سوريا، إذ في الوقت الذي تتحدث فيه وسائل إعلام رسمية عن تحسن منظومة التوريد، لا تزال محافظة كاملة تعيش بلا شحنات رسمية من أكثر الأدوية حيوية، فيما يتكفّل المجتمع الأهلي بسدّ الثغرات، وسط صمت حكومي محيّر.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

1 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم