حصر السلاح.. المواجهة الأخيرة بين “حزب الله” والدولة اللبنانية

حصر السلاح المواجهة الأخيرة بين حزب الله والدولة اللبنانية
حصر السلاح المواجهة الأخيرة بين حزب الله والدولة اللبنانية

أعلن وزير الإعلام اللبناني، بول مرقص، أمس الخميس، أن مجلس الوزراء وافق على “إنهاء الوجود المسلح على كامل الأراضي بما فيه حزب الله”، وأوضح أن الحكومة وافقت على نشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، وعلى الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل لترسيم الحدود البرية.

لقد سعى لبنان منذ فترةٍ طويلةٍ إلى حصر السلاح بيد الدولة، لكن هذه الجهود واجهت تحدياتٍ كبيرةً بسبب عوامل داخليةٍ وخارجية. فالانقسامات السياسية والطائفية في لبنان تجعل التوصل إلى إجماعٍ وطنيٍّ حول قضيةٍ حساسةٍ مثل السلاح أمرًا صعبًا. والتدخلات الخارجية والأجندات الإقليمية تزيد من تعقيد المشهد اللبناني، حيث يعتبر سلاحُ “حزبِ الله” ورقةً إيرانيةً في المنطقة. 

الحكومة اللبنانية ترى في مسألة حصر السلاح قرارًا تاريخيًا لا رجعةَ فيه، وأنه ضروري لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية واستقرارها. في حين رفض “حزبُ الله” هذا القرار واعتبره “خطيئة كبرى” ونتيجةً لإملاءاتٍ أميركية. وأكد الحزب أنه سيتعامل مع القرار وكأنه “غير موجود”، مما يشير إلى صعوبة تنفيذه في ظل الرفض القوي من قِبَل الفصائل المسلحة. 

هكذا ظلّ الحال بين رغبةِ الحكومة والشعب في الاستقرار، الذي لن يتحقق دون حصر السلاح، وبين رفضِ “حزبِ الله” الذي يخشى على موقعه ومكانته التي سيخسرها بقرار حصر السلاح. نحاول في المقالة استعراض موقف الدولة اللبنانية ومحاولتها التوفيق بين الضغوط الدولية وبين موقف الحزب الرافض؟ ولماذا الحديث عن الحصر وليس الاحتكار؟ وهل تحاول الدولة اللبنانية كسب مزيدًا من الوقت ليس إلا أم أنها جادة في مسألة الحصر؟

خطة حصر السلاح

كلّفت الحكومةُ اللبنانية، الثلاثاء الفائت، الجيشَ بوضع خطة لتطبيق “حصر السلاح بيد القوى الشرعية” قبل نهاية العام الحالي، وفق ما أعلن رئيسُ الحكومة نواف سلام، مُعلِنًا عرضَ الخطة على مجلس الوزراء قبل نهاية شهر أغسطس/آب الجاري لنقاشها وإقرارها، في خطوةٍ غير مسبوقة منذ نزع سلاح المجموعات المسلحة خلال الحرب الأهلية. 

قائد الجيش اللبناني جوزيف عون يسير بعد انتخابه رئيسًا للبلاد في مبنى البرلمان في بيروت، لبنان، 9 يناير 2025. رويترز/محمد عزاقير

وقبل الجلسة الحكومية قال الأمينُ العام لـ”حزب الله”، نعيم قاسم، إن الحزب ليس معنيًّا بسحب سلاحه، واضعًا الأولويةَ لحماية لبنان من “الاعتداءات الإسرائيلية”. وقالت الحكومة إن القرار يندرج في إطار تطبيق اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النار الذي تمّ التوصلُ إليه بوساطةٍ أميركيةٍ وأنهى الحربَ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، ونصّ على حصرِ حملِ السلاح بالأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية الشرعية. 

انسحب من هذا الاجتماع وزيرُ الصحة راكان ناصر الدين المحسوبُ على “حزب الله”، وتمارا الزين المحسوبةُ على حركة “أمل”، حليفةِ الحزب، من الجلسة “لعدم موافقتهما على قرار مجلس الوزراء”، وفق ما قال وزيرُ الإعلام بول مرقص للصحافيين. 

الكاتبُ السياسي إيلي بدران في حديثه مع “الحل نت”، لفت إلى أنه منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون رئيسًا للجمهورية انتقل لبنان من “محور الممانعة” الذي تقوده إيران ليصبح في صلب المجتمع الدولي؛ عاد لبنان إلى موقعه الطبيعي مع أصدقائه الدوليين، وعاد إلى الساحة العربية. وتعهّد رئيسُ الجمهورية في خطاب القسم بحصرية السلاح، واستعادةِ الدولة اللبنانية سيادتَها وسلطتَها على كامل الأراضي اللبنانية. وبالتالي فإن المواقفَ الدولية التي تطالب بضرورة تسليم سلاح “حزب الله” أصبحت موقفَ رئيسِ الجمهورية اللبنانية. 

الأسبوعُ الماضي وفق تقدير بدران، التئام مجلسُ النواب اللبناني وأبدت غالبيةُ الكتل موقفَها من ضرورة حصر السلاح بيد القوى الأمنية اللبنانية، واجتماعُ الحكومة بالأمس وتكليفُ الجيش إعدادَ خطةٍ لجمع السلاح قبل نهاية الشهر هو ترجمةٌ فعليةٌ لموقفي رئيس الجمهورية ومجلس النواب، والخلاصة: لا يمكن اعتبار المواقف الدولية مواقفَ ضاغطةً على السلطة اللبنانية، بل مواقفَ تتقاطع مع إرادة السلطة والأحزاب والرؤساء الرسميين بضبط السلاح لا أكثر.

الحصر وليس الاحتكار

تُشكّل مسألةُ حصرِ السلاح قضيةً شائكةً في لبنان منذ عقود، وتسبّبت بأزماتٍ سياسيةٍ متتاليةٍ وعمّقت الانقساماتِ الطائفيةَ والسياسيةَ. إلا أنّ الباحثةَ اللبنانيةَ في الدراسات الدولية ريتا بولس شهوان، في حديثها مع “الحل نت”، تؤكّد على نقطةٍ مهمّةٍ وتحذّر من التلاعب بالمصطلحات السياسية دون فائدةٍ على أرض الواقع السياسي، فتقول: إنه “تمَّ استعمالُ حصرِ السلاح لا احتكارِ السلاح، والفرقُ بين حصرِ السلاح واحتكارِ السلاح فرقٌ دقيقٌ جدًا. فحصرُ السلاح، ولأن معه جدولًا زمنيًا، يمكن أن يعني لملمةَ ما فكّكته إسرائيل، وبالتالي الذهابَ إلى قلبِ موضوعِ إعادةِ دمجِ وتسريحِ وتأهيلِ مقاتلي حزبِ الله، الذي لم يتمّ بعدُ التطرّقُ في الحديث عنه”. 

الحديثَ عن الحصرِ هنا ليس قرارًا سياسيًا جازمًا، وبالتالي لا يمكن اعتبارُ المقاتلين في “حزبِ الله” إرهابيين كما يُصنّفهم القانونُ الأميركي؛ فهذا يعني أنّ الدولةَ اللبنانية ما زالت تعتبرُ “حزبَ الله” جزءًا من الدولة اللبنانية، وإسرائيل دمّرته، فعليها لملمةُ هذه البقايا؛ ولهذا فإنّ حصرَ السلاح بيدِ الدولة هنا ربما يكون قاصرًا على مخلفاتِ الحرب تحت شعارِ المحافظة على السِّلم الأهلي، وهذا يجعلُنا أمامَ سيناريو اتفاقِ الطائف الذي صاغه اللبنانيون، والذي نصّ على نزع سلاح جميع الميليشيات، لكنه استثنى المقاومةَ اللبنانية (حزبَ الله) بحجّةِ مقاومةِ إسرائيل. 

في نهاية المطاف، استطاع “حزبُ الله” أن يعزّز وجودَه عبر الحروب التي جاءت بعد عام 2000. وهنا تضيف شهوان قائلةً: الخوفُ هنا من التلاعبِ بمصطلحِ الحصر لا الاحتكار؛ لأنّ الاحتكارَ يعني أن تضعَ الدولةُ يدَها على كلّ معاقلِ “حزبِ الله”، وتتمّ السيطرةُ عليها سيطرةً كاملةً، وتكون لها حريةُ التصرّف، سواء بالاعتقال أو حتى بالمحاكمة. هنا علينا أن ندركَ أن وضعَ جدولٍ زمنيٍّ مسألةٌ في غاية الخطورة، واستخدامَ مصطلحِ حصرِ السلاح أيضًا كما أشرنا في غاية الخطورة والدلالة؛ لأنّه إذا تغيّرت الحكومة وأصبحت هناك مثلًا مشاكلُ في الشارع اللبناني، فما مصيرُ هذا الموضوع؟ هل يعني هذا أن نرجعَ إلى مرحلةٍ سابقة أم نرجعَ إلى الحرب؟ ممّا يعني أنّه كان يجب الحديثُ عن الاحتكار لا الحصر. 

الدولةَ اللبنانية تحتاجُ أن تضربَ “حزبَ الله”، الذي ليس مسجّلًا داخل الدولة اللبنانية، والضربُ يكون بشكلٍ قانونيٍّ من خلال احتكارِ السلاح وإغلاقِ المعابر مع الدول التي تمدّ الحزب بالسلاح، أي القضاءِ على كلّ المنابعِ المغذّيةِ لوجود “حزبِ الله”.

الباحثةَ اللبنانيةَ في الدراسات الدولية ريتا بولس شهوان

وتلفت شهوان إلى أنّ الموفدَ الأميركي توماس باراك قال إنّ الجدولَ الزمنيَّ مجرّدُ كلامٍ إعلامي، فالموضوعُ ليس له علاقةٌ بالزمان بقدرِ ما يحتاجُ إلى الإجراءات. صحيحٌ أنّ الدولة اللبنانية حدّدت الزمانَ بدافعِ المحافظة على السِّلم الأهلي، ولكن السِّلمَ الأهليَّ كيف وأين؟ فهل يمكن أن يحاولَ “حزبُ الله” بالأسلحة الخفيفة أن يقتلَ اللبنانيين في الشارع؟ حتى في حال حدوثِ هذا، هو أمرٌ مستبعد، وهنا يمكن أن يتدخّلَ الجيشُ؛ فهو قادرٌ على عمليةِ الضبط كما حدث في أحداثِ تشرين. فالدولةُ اللبنانية لا بدّ لها من فكِّ شبكةِ التواصل والاتصالات الخاصةِ بالحزب؛ وهو موضوعٌ هيّنٌ يمكن أن يتمّ، ولكنّ جوهرَ الموضوع أنّ الدولةَ اللبنانية ما زالت تنظرُ إلى الحزب وكأنّه جزءٌ منها، وهذا يُصعّبُ الموضوعَ ويُعطّلُ عمليةَ السيطرةِ عليه.

دوافع الدولة وإصرار الحزب

على الرغم من قرار الحكومة اللبنانية الذي يؤكد يومًا بعد يوم مدى عزمِها على الخلاص من مسألة السلاح بحصرِه، إلا أن البعض ما زال يرى أن “حزبَ الله” صاحبُ النفوذِ الأوسعِ على الساحةِ اللبنانية، وقادرٌ على فرضِ القراراتِ الحكوميةِ الكبرى أو تعطيلِ العملِ الحكومي. وهنا يبرز سؤالٌ آخر: هل تحاولُ الحكومةُ اللبنانيةُ في الخفاء كسبَ مزيدٍ من الوقت خوفًا من قوةِ “حزبِ الله” وبيئتِه الحاضنة؟ 

صورة تجمع الوفد الأميركي مع الرئيس اللبناني في بيروت – الرئاسة اللبنانية

في هذا الصدد، يقول بدران: “لا إمكانيةَ للدولةِ اللبنانيةِ اليوم أن تلعبَ على عاملِ الوقت لأسبابٍ عديدة؛ أولُها أن كسبَ الوقت لم يعدْ متاحًا، والدليلُ على ذلك أن رئيسَ مجلسِ النواب نبيه بري حاول حَثَّ رئيسِ الجمهورية ورئيسِ الحكومة على تأجيلِ جلسةِ مجلسِ الوزراء إلى الأسبوعِ المقبل، إلا أنه كان هناك إصرارٌ على حصرِ هذه الجلساتِ في هذا الأسبوع لكي يمكنَ الانتقالُ إلى المراحلِ التنفيذية بعد ذلك”. 

أيضا، الرئيسَ الأميركيَّ دونالد ترامب تعهّد بإحلالِ السلامِ في منطقةِ الشرقِ الأوسط في بدايةِ ولايتِه الرئاسية. والوضعَ الاقتصاديَّ والاجتماعيَّ اللبنانيَّ بحاجةٍ إلى تفاهماتٍ واتفاقاتٍ مع صندوقِ النقدِ الدولي، وهو أمرٌ لن يتمَّ إذا استمرَّ لبنانُ خارجَ المنظومةِ الدولية. 

والأمر الأهم، أنَّ قرًى عديدةً في جنوبِ لبنان مدمَّرةٌ وأهلَها لا يمكنُهم العودةُ إليها ما لم تسمحْ لهم إسرائيلُ بذلك، و”حزبُ الله” عاجزٌ عن الاستمرارِ في القتال. الوقتُ ليس من مصلحةِ لبنان إطلاقًا، والدليلُ القاطعُ على ذلك ما يحدث في سوريا؛ وعليه إذا استمرَّ الجانبُ اللبنانيُّ في تعنّتِه فهناك احتمالٌ كبيرٌ بعودةِ الأعمالِ الحربية، فضلًا عن هدرِ الفرصِ الاقتصادية التي يحتاجُها لبنانُ أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخر.

مع كلِّ الظروفِ التي تمرُّ بها الدولةُ اللبنانيةُ من ضغطٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ، إلا أنَّ هذا لا يعني أنَّ الحزبَ سيستجيبُ لحصرِ السلاح. فماذا تفعلُ الدولةُ اللبنانيةُ في حال ظلَّ الحزبُ متماسكًا بموقفِه الذي يعلنه في كلِّ مناسبة؟ يرى بدران: “إذا استمرَّ حزبُ الله في موقفِه الرافضِ لتسليمِ السلاح سيزيدُ من عزلتِه السياسية محليًّا، كما سيضطرُّ منفردًا إلى مواجهةِ الجيشِ اللبناني والإرادةِ الدوليةِ وإسرائيل، فضلًا عن حسابِه المفتوحِ أساسًا مع أحمد الشرع والفصائلِ السورية. سينصاعُ حزبُ الله بكلِّ تأكيد، وإلا فسيعرّضُ المجتمعَ الذي يمثّلُه لمخاطرَ لا قدرةَ له على مواجهتِها. كما أنَّ اللبنانيين لديهم أملٌ كبيرٌ في أن تقيَ الدولةُ اللبنانيين من مختلفِ الطوائفِ شرَّ الدخولِ إلى حربٍ جديدة، وأن تمنعَ أيضًا مسألةَ الانهيارِ الاقتصادي الذي بات مرتهنًا بالإعمارِ الاقتصادي، والذي بدورِه مرتبطٌ بمسألةِ حصرِ السلاح”.

وتختمُ شهوان حديثَها بالقول: “تسليمُ أو حصرُ السلاح لن يتمَّ إلا إذا كان هناك تطبيقٌ للقانونِ الدولي الذي يعتبرُ حزبَ الله منظمةً إرهابيةً، وعلى ذلك تُعدَّلُ القوانينُ الداخليةُ ثم يُصارُ إلى اتخاذِ قرارٍ بتفكيكِ هذه المنظمةِ وتفكيكِ الشبكةِ الداخليةِ للحزب، باعتبارِهم إرهابيين يجبُ على الدولةِ التخلّصُ منهم”.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم