ما يزال ملف ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان من أبرز الملفات المعقدة بين الدولتين، وقد عاد إلى الواجهة بقوة بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الفائت، وفي هذا الصدد يولي المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، والسفير لدى تركيا، أهمية خاصة لملف الترسيم هذا، وذلك خلال زيارته الرسمية إلى بيروت يومي 7 و8 تموز/يوليو الجاري، حيث يلتقي كلاً من الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيسي الحكومة والبرلمان نواف سلام ونبيه بري، إضافة إلى قيادة الجيش.
ويأتي تحرك براك في سياق الدفع الأميركي لتفعيل اتفاق وقف إطلاق النار، وترسيخ السيادة اللبنانية الكاملة، تنفيذا للقرار الأممي 1701. ويدرج الترسيم ضمن “آلية تطبيقية” لهذا الاتفاق، بحسب ما كشفته مصادر وزارية لبنانية لصحيفة “الشرق الأوسط“.
ترسيم الحدود ودور السعودية
طبقا للمصادر ذاتها، فقد استضافت السعودية اجتماعا لبنانيا-سوريا أدى إلى تهدئة الوضع ووقف الاشتباكات التي اندلعت على امتداد المناطق المتداخلة بين البلدين في البقاع الشمالي، وكان وراء خلق المناخ المؤاتي بدعوتها لترسيم الحدود الممتدة من الشمال إلى الشرق، وطولها نحو 375 كيلومترا.

وتأتي هذه الخطوة في سياق كبح التوترات الناتجة عن صراعات شبكات التهريب التي كانت تنشط برعاية النظام السوري السابق، خصوصا في تهريب “الكبتاغون” إلى لبنان ودول الخليج.
ورغم أن ملف ترسيم الحدود طرح أكثر من مرة، أبرزها في اجتماعات هيئة الحوار الوطني عام 2006، إلا أن النظام السوري السابق كان يتهرب من أي التزام رسمي بالترسيم، وفق “الشرق الأوسط”.
حتى عندما أبدى الرئيس السوري بشار الأسد المخلوع انفتاحا في عهد حكومة سعد الحريري، سرعان ما جرى التراجع، بحجة انشغال اللجان السورية بترسيم حدود أخرى، مثل الحدود مع الأردن.
كما أفشلت دمشق آنذاك مقترحا بتكليف المحافظين اللبنانيين والسوريين بإدارة المناطق الحدودية المتداخلة، ما أبقى الوضع على حاله، مع انتشار واسع للمعابر غير الشرعية والمسالك العسكرية غير الخاضعة للرقابة.
وأواخر آذار/مارس الماضي، تم تناول مسألة ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان لأول مرة بعد سقوط نظام الأسد، إذ جرى توقيع اتفاق في جدة بين وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة ونظيره اللبناني ميشال منسى، ومن بين مخرجاته التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لترسيم الحدود وتشكيل لجان قانونية ومتخصصة بين البلدين.
كذلك، ناقش الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في لقاء بينهما منتصف نيسان/أبريل الماضي في دمشق، ملف ترسيم الحدود، مع التأكيد من قبل الطرفين على تعزيز التنسيق الأمني لضبط الحدود المشتركة.
عملية معقدة
اليوم، ومع سقوط نظام بشار الأسد، ترى مصادر حكومية لبنانية أن الفرصة باتت سانحة لإحياء ملف الترسيم، خاصة في ظل توفر خرائط وإحداثيات جاهزة لدى الأمانة العامة لمجلس الوزراء اللبناني.
وتطالب جهات سياسية بإلغاء معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق وملحقاتها (المجلس الأعلى اللبناني- السوري) بقرار يصدر عن مجلس النواب، كونها أتاحت للنظام السوري السابق بأن يطبق سيطرته على لبنان الذي حُكم آنذاك بمنظومة أمنية لبنانية-سورية سياسية أطاحت بنظامه وأُوكل إليها وضع اليد على القرار اللبناني، وتكليف “محور الممانعة” بأذرعه اللبنانية وعلى رأسها “حزب الله” بهذه المهمة، تحت عنوان وحدة المسار والمصير بين البلدين الذي أعاد لبنان إلى ما دون الصفر وأدى لانهياره.

مع ذلك، أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي في تصريح صحفي، أمس الثلاثاء، أن عملية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا معقدة للغاية، داعيا إلى “تشكيل لجنة سورية لبنانية تتعامل مع الملف”.
وبحسب رجي، فإن السلطات السورية أكدت استعدادها للعمل مع بيروت على ترسيم الحدود وتثبيتها، وأشار إلى أن البلدين يعززان قدراتهما بهدف ضبط الحدود وتثبيتها بشكل نهائي وكامل.
وشدد الوزير اللبناني، على أنه لا بد من لجنة تقنية مشتركة سورية ـ لبنانية للتعامل مع ملف ترسيم الحدود، لافتا إلى أن تعقيد الملف يعود لأسباب كثيرة، من أهمها على حد تعبيره، هو التداخل الجغرافي والديموغرافي بين البلدين، وكذلك ضبابية وضوح الحدود الإدارية المشتركة.
وتوجد نحو 14 قرية وبلدة متداخلة بين سوريا ولبنان، حيث يسكن سكان يحملون جنسيات مختلفة ويتنقلون يوميا بين البلدين دون نقاط تفتيش واضحة، مما يجعل ترسيم الحدود مسألة حساسة تؤثر على حياة السكان المحليين.
كذلك، أصل الحدود إدارية وليست دولية واضحة، فالحدود بين البلدين رسمها الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي بناء على خرائط عثمانية قديمة، بهدف تقسيم إداري وليس لتحديد حدود دولية واضحة ومستقرة، مما أدى إلى وجود مناطق متداخلة وبلدات تقع على الحدود لكن لها ارتباطات إدارية أو ديموغرافية مع البلد الآخر.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

