اللجنة الاقتصادية الجديدة في سوريا.. إصلاح حقيقي أم إعادة تدوير للنفوذ ؟

اللجنة الاقتصادية

في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات والجدل في الأوساط السياسية والاقتصادية، أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء السوري في الثالث عشر من آب/ أغسطس الجاري، عن قرار يقضي بإعادة تشكيل اللجنة الاقتصادية، وهو ما أثار جدلًا حول طبيعة هذا التشكيل ودلالاته في مرحلة مفصلية من عمر الدولة السورية.

وتعد هذه اللجنة، أحد أهم الأدوات الحكومية المسؤولة عن صياغة وصنع القرارات الاقتصادية الرئيسية في البلاد، لتُدار هذه المرة من خلال “عديل” رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وبعض الشخصيات التي كان اسمها مرتبطًا سابقًا بـ”هيئة تحرير الشام”، ومن هنا، فإن أي تغيير في بنيتها غالبًا ما يُقرأ بوصفه إشارة على توجهات السلطة وخياراتها في إدارة الملفات الأكثر حساسية.

دور مركزي

هذه اللجنة، التي تشرف على ملفات حساسة ومصيرية كالموازنة العامة للدولة، والسياسات التجارية والاستثمارية، ودعم القطاعات الإنتاجية، لطالما كانت مرآة تعكس التوجهات الاقتصادية والسياسية للدولة، لكن التشكيل الأخير، ورغم أهمية مهام اللجنة، أثار موجة من الانتقادات والتحليلات المتباينة.

التركيبة الجديدة للجنة أثارت تساؤلات عديدة، ليس فقط بسبب الأسماء المطروحة، وإنما بسبب طبيعة الأدوار التي أُسندت لها، فبعض الأعضاء الجدد سبق أن تقلدوا مناصب وزارية في الحكومة الأولى بعد التغيير السياسي، ثم أُعيد توظيفهم كمعاونين للوزراء الحاليين.

هذا المسار دفع بعض الآراء إلى القول إن وزراء الحقائب الاقتصادية باتوا أقرب إلى منفذين لتوجيهات شخصيات نافذة أكثر منهم أصحاب قرار مستقل، وهو ما قد يعكس إعادة إنتاج لآليات الحكم الفردي وتهميش العمل المؤسسي المنظم.

إعادة تدوير الأسماء أم تجديد حقيقي؟

هذه المخاوف تتقاطع مع آراء بعض الخبراء الاقتصاديين والإداريين الذين يرون أن التشكيل الجديد قد يُعيد إنتاج أنماط “التحكم الشخصي” في إدارة المؤسسات، حيث تُدار بقرارات فردية على حساب العمل المؤسسي المنظم.

في المقابل، يرى فريق آخر أن وجود شخصيات تتمتع بثقل سياسي واجتماعي قد يمنح اللجنة قدرة أكبر على فرض قراراتها وتنفيذها بشكل أسرع وأكثر فاعلية، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

لكن الجدل لا يتوقف عند الجانب الإداري والمهني، فقد امتدت الانتقادات لتطال الطابع السياسي والديني لبعض الأعضاء، فجزء من الآراء يخشى من أن يقلل هذا التشكيل من الاعتماد على الكفاءات الاقتصادية والإدارية لصالح شخصيات محسوبة على تيارات أو خلفيات معينة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على فعالية القرارات الاقتصادية في المستقبل.

وجوه مثيرة للجدل في التشكيل الجديد

في هذا الإطار، كشف الصحفي نضال معلوف، في إطار متابعته للقرار، عن أسماء بارزة في التشكيل الجديد، منها قتيبة أحمد بدوي، المعروف بـ”أبو حمزة بنش” أو “المغيرة بنش”، والذي كان مديرًا للهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في عهد أبي محمد الجولاني، ويُعرف عنه أنه أمير قاطع إدلب في هيئة تحرير الشام، كما تُشير مصادر متعددة إلى أنه شقيق زوجة الرئيس الشرع.

ويُضاف إلى ذلك، أن القرار يكشف عن بُنية الحكم الفعلية في سوريا، حيث يُشير إلى تعيين ثلاثة من وزراء حكومة الإنقاذ في إدلب وحكومة البشير بعد سقوط الأسد، كنواب لوزراء تكنوقراط في الحكومة الحالية، على سبيل المثال، تم تعيين محمد أبازيد، الذي كان وزيرًا للمالية في حكومة البشير، معاونًا لوزير المالية الحالي محمد ياسر برنية.

 كما عُين ماهر خليل حسن، وزير التجارة الداخلية السابق، معاونًا لوزير الاقتصاد والصناعة الحالي نضال الشعار، وغياث دياب، وزير النفط السابق، معاونًأ لوزير الطاقة محمد البشير، هذه التعيينات تثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي ستلعبه هذه الشخصيات وعلاقتها بالوزراء التكنوقراط.

صلاحيات واسعة وتأثير مباشر

تتولى اللجنة الجديدة بموجب القرار مسؤولية إدارة المناقصات الداخلية التي تزيد قيمتها عن 500 مليون ليرة سورية، والمناقصات الخارجية التي تزيد قيمتها عن مليار ليرة، مما يمنحها سلطة واسعة ومؤثرة على المشاريع الكبرى.

تجدر الإشارة إلى أن اللجنة الاقتصادية كانت قد أُعيد تشكيلها في تشرين الأول/أكتوبر 2024 برئاسة وزير الصناعة، وفق المرسوم رقم 39 لعام 2014 وتعديلاته، وضمت حينها وزراء الاقتصاد والمالية والزراعة، في تركيبة أكثر تقليدية اقتصرت على وزراء القطاعات ذات العلاقة المباشرة بالاقتصاد، أما التشكيل الحالي، فيبدو أنه يتجاوز البعد التنفيذي المباشر نحو إشراك شخصيات ذات نفوذ سياسي واجتماعي.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الأوسع الذي تعيشه سوريا في المرحلة الانتقالية، فإسناد رئاسة اللجنة لعديل الرئيس الشرع، إلى جانب إدخال شخصيات من خلفيات مختلفة، يعكس محاولة لتوسيع دائرة النفوذ وضمان ولاءات متشابكة بين السياسي والديني والاقتصادي.

بين الإصلاح وإعادة تدوير النفوذ

قد يُشير التشكيل إلى محاولة توسيع دائرة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وضمان ولاءات متقاطعة بين السياسي والديني والاقتصادي، كما أن هذا التوجه قد يُترجم بطريقتين، الأولى تعزيز الانسجام الداخلي للحكم عبر ربط القرار الاقتصادي بمراكز قوة اجتماعية وسياسية، والثانية تقليص مساحة الاستقلالية الإدارية، بما يجعل المؤسسات التنفيذية تعمل في إطار توجهات محددة مسبقًا من قبل شخصيات نافذة.

على المدى البعيد، ستُقاس فعالية اللجنة الجديدة بقدرتها على تقديم حلول للأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها البلاد، مثل التضخم، والبطالة، وضعف الاستثمارات، فإذا تمكنت من تحقيق نتائج ملموسة، فقد تُكسب التشكيلة الجديدة شرعية شعبية، حتى مع كل الجدل الدائر حولها.

أما إذا فشلت، فسوف تعزز المخاوف من أن القرار لم يكن سوى خطوة لإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، بعيدًا عن الاعتبارات الاقتصادية الحقيقية، وهذا ما سيُحدد ما إذا كانت هذه اللجنة هي بداية لإصلاح اقتصادي حقيقي أم مجرد إعادة تدوير للنفوذ في ثوب جديد.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم