تمر سوريا بمرحلة انتقالية حرجة، في ظل تفاقم ظواهر إدارية باتت تشكل تحديًا أمام مساعي التنمية والاستقرار، لا سيما الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء البلاد.
في هذا السياق، شددت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، على أن هذه المرحلة المفصلية لم تعد تحتمل أدنى قدر من التخبط الإداري أو تضارب الصلاحيات، مؤكدةً بكل وضوح أن المخرج الأمثل من هذه المعضلة يكمن في خطوة دستورية وإدارية بالغة الأهمية، وهي تعيين نائب لرئيس الجمهورية يتولى مسؤولية الإشراف على شؤون مجلس الوزراء.
فراغ يفتح الباب أمام فوضى الصلاحيات
سيروب أوضحت خلال منشور لها عبر موقع التواصل “فيسبوك“، أن نائب الرئيس المعين سيضطلع بمهامه التنفيذية بانتظام ودقة، ضمن إطار دستوري وقانوني لا لبس فيه.

وترى سيروب أن الفراغ الإداري الناجم عن غياب هذا الدور المحوري هو ما سمح للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بالتوسع في نطاق صلاحياتها، متجاوزة حدود مهامها الإدارية المحددة سلفًا، ومصدرةً قرارات تبدو في بعض الأحيان تتخطى سلطة مجلس الوزراء نفسه.
وبحسب تحليلها، فإن هذه الممارسات، ترسخ ازدواجية غير صحية في بنية السلطة التنفيذية، وتفتح الباب على مصراعيه أمام فوضى إدارية عارمة تهدد بتقويض الجهود المضنية الرامية إلى بناء دولة سورية جديدة تقوم على أسس راسخة من القانون والمؤسسات.
الاقتصاد يدفع ثمن الغموض الإداري
أفادت سيروب بأن انعكاسات هذا الخلل لا تقتصر على الجانب الإداري البحت، بل تتغلغل عميقًا في النسيج الاقتصادي، حيث تؤثر سلبًا على كفاءة اتخاذ القرار، وتبدد الثقة لدى المستثمرين، كما تعيق تدفق الموارد، مما يعرقل مسيرة التعافي والتنمية الشاملة التي ترجوها البلاد.
أوضحت مستندة إلى النصوص القانونية الصريحة، أن المرسوم التشريعي رقم 38 لعام 2023 جاء ليحدد بدقة بالغة الأدوار والمهام، فقد نص هذا المرسوم بشكل وصفته بأنه لا يحتمل التأويل على أن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية قد حلت محل وزارة شؤون رئاسة الجمهورية، وأن مهامها تقتصر بشكل جلي على تسيير الشؤون الإدارية والمالية والقانونية المتعلقة بمؤسسة الرئاسة والإشراف عليها.
وقالت إن هذا التحديد الدقيق يعني ضمنًا، وبشكل قاطع، أن الأمانة العامة لا تمتلك أي صلاحية إدارية واسعة النطاق تسمح لها بإدارة شؤون البلاد العامة أو إصدار قرارات ملزمة لجهات حكومية أخرى لا تخضع بطبيعتها لمؤسسة الرئاسة المباشرة.
كما أضافت، أن ممارسة الأمين العام لأي صلاحيات تعادل صلاحيات الوزير المختص إنما تقتصر حصرًا على العاملين ضمن نطاق مؤسسة الرئاسة وحدها.
تعدٍ على الصلاحيات الدستورية
أوضحت سيروب، أن بذلك أي قرار يتجاوز هذا الإطار المحدد بوضوح يعتبر تعديًا صارخًا على صلاحيات دستورية ممنوحة لمؤسسات أخرى في الدولة، مما يضعف مبدأ الفصل بين السلطات ويقوض الأسس التي تقوم عليها دولة المؤسسات، ويهدد بالتالي الاستقرار الاقتصادي الذي لا يمكن أن يزدهر في ظل غياب اليقين القانوني والإداري.
كما مضت الباحثة خلال منشورها مؤكدة أن الإعلان الدستوري، في جوهره، قد منح رئيس الجمهورية والوزراء السلطة التنفيذية، وذلك بعد خطوة إلغاء مؤسسة مجلس الوزراء بشكلها السابق.

وبينت أنه على الرغم من أن هذه الخطوة قد أتت ضمن سياق الرؤية الجديدة، إلا أنها أدت عمليًا إلى خلق ثغرة إدارية واضحة المعالم، تمثلت في غياب جهة مركزية تتولى مهمة تنسيق الأعمال الحكومية المختلفة واللجان المتشعبة المنبثقة عنها.
وأضافت أن هذا الغياب للجهة التنسيقية المركزية يخلق بدوره تشتتًا في الجهود، ويقلل من فعالية السياسات، ويزيد من احتمالات التضارب، وهي عوامل سلبية تتراكم لتثقل كاهل الاقتصاد الوطني.
الإصلاح الإداري قبل الاقتصادي
اعتبرت سيروب أن استمرار هذا الواقع الإداري الراهن لا يخدم إطلاقًا مصالح سوريا الجديدة، التي من المفترض أن تكون دولة قانون ومؤسسات حقيقية وفاعلة، بل على العكس تمامًا، فإنه يفاقم من حالة الارتباك القائمة، ويغذي انطباعًا مقلقًا بأن الالتزام بالإعلان الدستوري، وهو الركيزة القانونية للمرحلة الانتقالية، ليس أولوية قصوى حتى لدى أعلى مستويات السلطة التنفيذية، مما يزعزع الثقة الداخلية والخارجية بجدية التوجه نحو الإصلاح الشامل.
ولم تغفل تقديم الحلول، مشيرة إلى أنها ليست بعيدة المنال، بل موجودة ومتوفرة ضمن النصوص الدستورية ذاتها التي أقرها الإعلان الدستوري.
المادة 34 من الإعلان الدستوري تنص بوضوح وصراحة على أن لرئيس الجمهورية الحق في تسمية نائب أو أكثر، وتحديد اختصاصاتهم بدقة وشفافية، مبينة أن هذا النص الدستوري، بحسب رؤيتها، يقدم المخرج الأمثل لتلافي الأخطاء الإدارية المتكررة والتجاوزات في الصلاحيات.
الباحثة الاقتصادية رشا سيروب
أضافت أنه يمكن من خلاله تعيين نائب خاص لشؤون مجلس الوزراء، يضطلع بالمهام التنفيذية الحاسمة، ويعيد الانضباط والوضوح إلى آلية صنع القرار الحكومي، مما يضمن كفاءة أعلى في إدارة الشأن العام وينعكس إيجابًا على الأداء الاقتصادي.
الخطر الأكبر
حذرت الباحثة بشدة من أن الاستمرار في إدارة الأمور بالطريقة الراهنة، التي تتسم بالارتجالية وعدم الوضوح، إنما يعني فعليًا نكوصًا عن المبادئ التي أرساها الإعلان الدستوري، لافتة إلى أن هذا النكوص لا يهدد فقط الاستقرار الإداري، بل يفتح الباب واسعًا أمام أصوات المعارضة، سواء كانت داخلية أو خارجية، للتشكيك في شرعية الإعلان الدستوري نفسه، أو حتى رفض الالتزام به.

وحذرت أيضًا من أن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يقوض الأسس القانونية والسياسية للمرحلة الانتقالية برمتها، ويضاعف من المخاطر الاقتصادية التي تواجه البلاد، مما يجعل مسار التعافي أكثر وعورة وأقل يقينًا.
كما أشارت إلى إن غياب الوضوح في توزيع الصلاحيات، لا يقتصر تأثيره السلبي على كفاءة الإدارة المحلية فحسب، بل يمتد ليشمل بشكل خطير فرص الاستثمار الحيوي.
بيئة استثمارية مرتبكة
استشهدت سيروب في هذا الصدد بتقرير بالغ الأهمية صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والذي يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن المستثمرين، سواء كانوا محليين أو أجانب، يواجهون صعوبات جدية ومعقدة في التواصل مع المؤسسات السورية.
ذلك يعزى بشكل رئيسي إلى تضارب الصلاحيات المستمر بين الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة، مما يؤدي إلى حالة من الإرباك والغموض في بيئة الأعمال، وأن هذا الإرباك لا يشتت المستثمرين فحسب، بل يضعف بشكل كبير ثقتهم في البيئة الاقتصادية السورية، ويجعلهم مترددين في ضخ رؤوس أموالهم في مشاريع حيوية يمكن أن تدفع بعجلة الاقتصاد.
وأكدت بوضوح أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي وشامل لن يكتب له النجاح ولن يؤتي ثماره المرجوة ما لم يترافق، بل يسبقه، إصلاح إداري جذري يضمن وضوح المرجعيات، ويحدد صلاحيات كل جهة حكومية بحدودها الدقيقة وغير القابلة للتأويل، مؤكدة أن الاستثمار ينمو في بيئة تتسم بالشفافية، والوضوح، واليقين القانوني، وهي عوامل غائبة حاليًا وتتطلب معالجة فورية.
دولة القانون لا تُبنى بالارتجال
توجهت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب بخطاب مباشر وقاطع إلى الأصوات التي تحاول تبرير هذا التخبط الإداري وتداخل الصلاحيات بحجة “الظروف الاستثنائية” التي تمر بها البلاد.
وأكدت في معرض حديثها، أن الإعلان الدستوري، الذي يمثل وثيقة المرحلة الانتقالية، واضح وصريح في مواده، ولا يحتمل أي تفسيرات تبرر الانحراف عن مقتضياته، مشيرة إلى أن السلطة التنفيذية تمتلك، بحكم الإعلان الدستوري ومواده، كافة الصلاحيات والأدوات القانونية لتجاوز أي إشكالية إدارية أو قانونية قد تبرز، دون الحاجة إلى اللجوء لأسلوب الارتجال أو تجاوز القوانين النافذة والمعمول بها.

وفي الختام، شددت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب على أن بناء دولة القانون والمؤسسات، وهو الهدف الأسمى للمرحلة الراهنة، لا يتحقق عبر التبرير غير المنطقي للممارسات الخاطئة، أو عبر التهويل الذي يهدف إلى تضليل الرأي العام، وإنما يتم بشكل حصري وفعال عبر الالتزام الصارم بالنصوص الدستورية الواضحة والمرجعيات القانونية المعمول بها.
يذكر أنه خلال الأشهر الماضية تم تداول العديد من الأسماء لتولي منصب نائب رئيس الجمهورية السورية، حيث تم تداول أنباء تفيد بتعيين “مؤيد غزلان” لهذا المنصب، والذي شغل منصب منسق عام اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني السوري، وكان مقربا من الشرع في مدينة إدلب، وهو ما نفاه المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية العربية السورية.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

