قد تكون أعمال العنف الأخيرة التي اندلعت في السويداء منتصف تمّوز/يوليو الفائت هي الفتنة الأكبر والأكثر عنفاً في تاريخ المنطقة بين البدو والدروز، حيث تجاور المكوّنان وتعايشا لعقودٍ طويلةٍ، وكانت الخلافات التي تظهر بينهما اقتصادية على الأراضي الزراعية والمياه، حيث استوطن الدروز في منطقة جبل حوران منذ القرن الثامن عشر قادمين من لبنان، وكانت قبائل البدو آنذاك متواجدة في المنطقة.
وفي حين استقرّ الدّروز في القرى والمدن وعملوا بالزراعة، بقي البدو رُحَّلاً يعملون بالرعي ويتنقّلون باستمرار، ولم يبدأ البدو بالتحوّل إلى حياة الحضر إلّا في النصف الثاني من القرن العشرين، فاستقرّوا في بعض أحياء المدينة كـ”المقوس والحروبي والمشروب ورجم الزيتون”. وفي أطراف القرى الشرقية، ومنطقة “اللّجاة” في القرى الشمالية.
نشأت بين البدو والدروز علاقات اجتماعية واقتصادية متكاملة، حيث كان ولا يزال (حتّى اندلاع الأحداث الأخيرة) مربّو المواشي من الدروز يعهدون بقطعانهم إلى البدو، كما يثق المزارعون من الدروز بالعمّال من البدو للاعتناء بالأراضي الزراعية وجني المحاصيل.
وكجميع الجماعات البشرية المتجاورة تظهر أحياناً بعض المشاكل والخلافات، التّي يتدخّل الوجهاء والعقلاء من الطرفين لحلّها، وهذا ما حصل فعلاً خلال الأحداث الأخيرة، لكن كيف خرج الأمر عن السيطرة وانتهى بانفجارٍ طائفيٍّ؟ سنرجع بالتاريخ قليلاً إلى الوراء لمحاولة فهم ما حصل..
جذور
ترفّع الدروز وعشائر البدو عن خلافاتهم في السويداء واتّحدوا لمواجهة الاستعمار الفرنسي خلال الربع الأوّل من القرن العشرين، وقد أدّى ذلك إلى تنامي الشعور الوطني لديهم، واتسمت الفترة التي أعقبت استقلال سوريا بالهدوء والاستقرار بين الجانبين.
ولكن مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، عمل على ترسيخ حكمه الديكتاتوري عبر تفتيت النسيج المجتمعي السوري لتسهل السيطرة عليه، فقامت أذرعه الأمنيّة في السويداء باستغلال الخلافات التاريخية بين البدو والدروز لخدمة مصالحها، ومع شعور الأقليّة الدرزية – كما جميع الأقليّات – بالخطر والتهديد.
عمد النظام الأمني إلى تعميق هذا الشعور بتسليح بعض البدو والتحكم بهم لإبقاء الدروز في حالة من الخوف الدائم وإيهامهم بأنّه الوحيد القادر على حمايتهم من الخطر الوجودي المحدق بهم، كما عمد إلى دعم بعض الدروز وتأليبهم بشكلٍ مستمرٍ على البدو. وهكذا كان يفتعل المشاكل ثمّ يتدخّل لحلّها، حتّى يوحي للأهالي دروزاً وبدواً بأنّه الضامن الوحيد لأمنهم.
أحداث عام 2000
شكّلت الأحداث التي اندلعت في السويداء عام 2000 عقب أشهرٍ قليلةٍ من استلام بشار الأسد للحكم، ذروةً في مسار العلاقة الثلاثية بين البدو والدروز والنظام الأمني، حيث أدّى مقتل شاب من قرية “الرحا” جنوب مدينة السويداء على يد بدويٍ، إلى سلسلةٍ من الأحداث المتسارعة.

ثار طلّاب الثانوية الصناعية التي كان الشاب يدرس فيها، وطالبوا بالأخذ بثأر زميلهم، وانطلق عددٌ كبيرٌ من الشباب قوامهم طلّاب المدارس العُزَّل، باتجاه بلدة “الشقراوية” في الريف الغربي والتي يتواجد فيها بدوٌ مسلّحون، وعند وصول الشباب إلى البلدة أُطلق النار عليهم من قنّاصين تمركزوا على الأسطح، ليُقتل 5 أشخاص من الدروز.
وفي اليوم التالي وأثناء تشييع الشباب الدروز، علت أصواتٌ تنادي بأنّ الخلاف ليس مع البدو، بل هو مع المحافظ الذي يسمح بتسليح البدو ويدعمهم، واتجهت جموع المشيّعين إلى ساحة المحافظة مندّدة بالمحافظ والجهات الرسمية ومطالبة بوقف تسليح البدو ومحاسبة المجرمين، وقاموا بتمزيق صور بشار الأسد ودوسها، وعلى إثر ذلك دخلت الدبابات إلى المحافظة وتمركزت في عدّة نقاط لقمع ايّ حراكٍ قد يطلّ برأسه ضدّ الوريث.
وبحسب إفادة أحد الممرّضين المتواجدين وقتذاك في المستشفى الوطني، قتل رجال الأمن المتمركزين حول المشفى 17 شخصاً درزيّاً أثناء إطلاقهم النار على مجموعة من الشباب الغاضبين المتّجهين نحو حي ّ “المقوس” للأخذ بالثأر، وعرفت وقتها بمجزرة المشفى، وكان من بين الضحايا بعض المارّة الذين صدف عبورهم في تلك اللّحظة.
وفي اليوم التالي وبعد انتشار خبر مجزرة المشفى ومع توقّف وسائل المواصلات عن العمل، اتجهت حشودٌ درزية من مدينة شهبا والريف الشمالي سيراً على الأقدام إلى مدينة السويداء، وعند وصولهم إلى “دوّار العنقود” في أوّل المدينة قطع طريقهم شيخ العقل، إبراهيم الهجري، الذي طلب منهم عدم التصعيد والعودة إلى منازلهم، وبالفعل عادت الحشود من حيث أتت.
وتمّ حلّ المشكلة عبر تواصل المرجعيات الدينية في السويداء مع الحكومة في دمشق، وانسحبت الدبابات بعد تمركزها حوالي الأسبوع في شوارع السويداء، لكن لم تتم محاسبة المسؤولين عن قتل الشباب الدروز.
ما بعد 2011
مع انطلاق الثورة السوريّة عام 2011، عمل النظام الأمني على تسليح جماعات درزية وأخرى بدوية في السويداء، وقد ارتبطت تلك الجماعات بعلاقاتٍ أمنيّة واقتصادية معقّدة، حيث اعتمد عليها النظام في تجارة السلاح والمخدّرات والاتجار بالبشر في الجنوب السوري، بالإضافة إلى إثارة الفتن وافتعال المشاكل وإبقاء الدروز في حالة من الخوف، ليصدّر النظام نفسه بأنه الحامي الوحيد لهم من محيطهم “السّني”.
عمل نظام الأسد على تحويل الخلافات الاقتصادية إلى خلافاتٍ طائفيّة، وتصدير المشاكل السياسيّة في المنطقة على أنّها مشاكل طائفية، وهو الوحيد القادر على حلّها.
وقد بلغت تلك الممارسات الأسدية ذروتها في هجوم “داعش” على السويداء يوم 25 تمّوز/يوليو 2018، والتي راح ضحيتها أكثر من 250 شخصاً من الأهالي، وتمّ الترويج لما حدث بأنّ عشائر البدو في المنطقة هي من ساعدت “داعش” في تنفيذ الهجوم، الأمر الذّي عمّق من الشرخ بين البدو والدروز، ورغم عودة الحياة إلى طبيعتها بعد فترةٍ من الزّمن، إلّا أنّ الجمر بقي مشتعلاً تحت الرماد.
تمّوز 2025
كانت عمليّات الخطف المتبادل بين الفصائل الدرزية والعشائر مستمرّةً لأعوام قبل سقوط نظام الأسد، ولم تتوقّف بعد سقوطه، حيث وصلت الأمور إلى مرحلة من التعقيد تتطلّب جهات رسمية دوليّة ووطنيّة ترغب فعلاً باستقرار المنطقة حتّى تتمكن من حلّها.

وازداد المشهد تعقيداً مع حملات التجييش والتحريض ضدّ الدروز التي غزت وسائل الإعلام وانعكاساتها على أرض الواقع، حيث تنامى الشعور بالتهديد الوجودي لدى الأقليّة الدرزية.
وجاءت حادثة الاعتداء على تاجر درزي على طريق دمشق من قبل العشائر وسرقته يوم السبت 12 تمّوز/يوليو، لترسم الخطوط الأخيرة في المشهد، حيث قامت فصائل درزية على إثرها باختطاف أفرادٍ من بدو “المقوس”، وتدخّلت الوساطات الاجتماعية واحتوت الموقف.
لكنّ قرار الحكومة الانتقالية فرض دخول عناصرها إلى السويداء بالقوّة، أدّى إلى تصعيد الموقف ومن ثمّ أعمال العنف وما نتج عنها من مجازر بحق المدنيين وتهجير أهالي عشرات القرى في الريفين الغربي والشمالي.
وبعد إعلان الحكومة في دمشق وقف القتال والانسحاب من المدينة صباح الخميس 17 تموز/يوليو، حاصرت فصائل درزية مناطق البدو في السويداء، لتنتشر بعدها أخبارٌ عن نفيرٍ عام و”فزعة عشائرية” لفك الحصار عن بدو السويداء، حتّى أن تلك الفزعة وصلت لامتدادات العشائر خارج سوريا، وانطلقت أرتالٌ مُدجّجة بمختلف أنواح الأسلحة باتجاه السويداء، وتدخلّت “إسرائيل” لإيقاف تلك الأرتال، حيث أثار التدخل الإسرائيلي المزيد من التجييش تجاه الدروز الذين اتُّهموا جميعاً بـ “الخيانة والعمالة لإسرائيل”.
يقول أسعد – مهندس ومربّي مواشي – لـ”الحل نت”: “اتصل بي أبو أحمد، الراعي البدوي الذي كنت أعهد بأغنامي إليه، يطلب مني أن أرسل له بعض المال فالمساعدات التي تقدم إليه في ريف دمشق حيث يتواجد الآن بعد نزوحه مع عائلته لا تكفي لإعالة أولاده التسعة”، ووعده أسعد بإرسال حوالة في أقرب وقت.
أبو أحمد واحدٌ من عشرات الآلاف من أهالي السويداء الذين كانوا ضحيّة لعبةٍ سياسيةٍ أمنيّةٍ، ورغم ما حدث إلّا أنّه لم يلجأ لطلب المساعدة إلّا من جاره “الدرزي”.
ما حدث في السويداء مؤخّراً يكشف عن عمق الأزمة التي زجّ فيها الأسدان أهالي منطقة الجنوب السوري منذ عقود، وكذلك استغلال الحكومة الانتقالية للواقع الممزّق وانتشار السلاح والمخدّرات وأزمّة الهوية والانتماء، وتنامي المشاعر القبليّة، لتحويل خلافاتها السياسية إلى خلافٍ طائفي يُهدّد السلم الأهلي في عموم سوريا وليس في السويداء وحدها، فما نتج حتى الآن آلاف القتلى ومئات المفقودين، فضلاً عن تهجير مئات الآلاف من البدو والدروز وسلخهم عن أرضهم.
- جدل حول فصل موظفين في (MTN) سوريا وسط روايات متضاربة.. ما التفاصيل؟
- كم تحتاج أسرة سورية من 5 أفراد للعيش شهرياً؟
- بانتظار الدمج.. معاملات المواطنين معلقة لدى مديرية النقل في الحسكة
- البنزين يعبر سوريا إلى العراق.. تفاصيل أول شحنة بعد تعطل حركة “هرمز”
- اعتقال بريطانية مرتبطة بمنفذ “هجوم برلين” في سوريا.. القصة الكاملة

