اكتسب المشفى الوطني في السويداء شهرةً خلال الأسابيع الماضية، حيث جاءت هذه الشهرة من مقطّعٍ مصوّرٍ أظهر قيام عناصر من الأمن العام ووزارة الدفاع تنفيذ إعدامٍ ميدانيٍّ بحقِّ شابٍ تطوّع لرفد الكادر الطّبّي في المشفى خلال الأيام العصيبة التي عاشتها السويداء أثناء اجتياح قوّات وزارتي الداخلية والدفاع للمدينة.
وشكّل الفيديو الذي انتشر على نطاقٍ واسعٍ صدمةً عالميةً وأثار موجة غضبٍ، الأمر الذي دفع وزارة الداخلية السورية للتّعهد بفتح تحقيقٍ حول الموضوع.
وكان المشفى قد تعرّضَ لحصارٍ وهجومٍ عنيفٍ خلال الاشتباكات التي اندلعت بين القوّات الحكومية والفصائل الدرزية المحلّية منتصف تمّوز/يوليو الماضي.
واليوم بعد انقضاء حوالي الشهرين على تلك الأحداث الدامية رصد “الحلّ نت” كيف يبدو الحال الآن داخل المشفى الوطني في السويداء.
تراجع خدمات المشفى
صرّح الدكتور نبيل نوفل المدير الطّبي في مشفى السويداء الوطني لـ “الحلّ نت” بأنّ الخدمات المقدّمة حاليّاً في المشفى هي الإسعافيّة بجميع الاختصاصات، أمّا العمليّات الباردة فتقتصر على العمليّات العظميّة وعمليّات الأورام والولادة، بالإضافة إلى جلسات غسيل الكلى.

حيث يعاني المشفى جرّاء الأحداث الأخيرة التي تعرّضت لها المحافظة والحصار المفروض من نقصٍ في بعض الأدوية والمعدّات، وأوضح نوفل بأن النقص ليس في الأدوية المهدّدة للحياة، ولكن في أدوية الأورام والأدوية البيولوجيّة ودعامات البروتينية.
كما أفاد الدكتور وسام مسعود المعيّن حديثاً مديراً للمشفى من قبل اللّجنة القانونية العليا بأنّه يمكن اعتبار “المشفى يعمل ضمن الحدّ المتوسّط إسعافيّاً، وضمن الحدّ الأدنى بما يتعلّق بالعمليّات الباردة”.
وبحسب الدكتور عبيدة أبو فخر رئيس قسم الأطبّاء المقيمين، الطاقة الاستيعابيّة للمشفى هي 362 سريراً، وهي مشغولة حالياً بنسبة حوالي 70%. وبالإضافة إلى نقص الأدوية هناك أسباب أخرى في تراجع الخدمات التي يقدّمها المشفى سنذكرها تباعاً.
أجهزة معطوبة
ذكر الدكتور نوفل لـ “الحلّ نت” بأنّ الاشتباكات التي حدثت داخل المشفى أدّت إلى عطب بعض الأجهزة الطّبيّة، حيث قام المهاجمون من الأمن العام ووزارة الدفاع بإطلاق النار على جهاز المرنان (الرنين المغناطيسي) والذي أدّى إلى تضرّره بشكلٍ بالغٍ وخروجه عن الخدمة، علماً أنّه الجهاز الوحيد ضمن القطّاع الطّبي العام في محافظة السويداء، وإنّ عدم التمكّن من إصلاحه خلال فترة معيّنة تعني خسارة الجهاز للأبد.



تواصل الفنّيّون المختّصون في المشفى مع وزارة الصحّة في دمشق والتي جاء ردّها بأنّها لا تملك المعدّات والمواد اللّازمة لإصلاح الجهاز في الوقت الحالي، وفي هذا السياق أشار الدكتور نوفل إلى وجود مشكلة حول أجهزة الرنين المغناطيسي في عموم سوريا، حيث أنّ الوزارة قاصرة عن تأمين المواد والمعدّات المتعلّقة بإصلاح هذه الأجهزة التّي يوجد منها حوالي الستين جهاز خارج الخدمة بسبب تعذّر الصيانة، ويُعتبر الجهاز المتواجد في مشفى السويداء من الأجهزة الجيدة نسبيّاً على مستوى سوريا.
كما أدّت الاشتباكات كذلك إلى عطبٍ في جهاز الطبقي المحوري الوحيد العامل في المشفى، حيث أشار نوفل إلى وجود جهازين في المشفى، كان الأوّل منهما معطّلاً قبل الأحداث الأخيرة، وتعطّل الثاني خلال الهجوم على المشفى، وعند التواصل مع الشركة المسؤولة عن صيانة الجهاز، كون الجهاز المعطّل لا يزال ضمن فترة كفالة الشركة بحسب الدكتور نوفل، فقد جاء الردّ بأنّ فريق الشركة لا يستطيع الوصول إلى السويداء بسبب خطورة الطريق وعدم تأمينه.
وهنا تبرز من جديد التساؤلات حول وضع طريق دمشق – السويداء، الذي أعادت الحكومة الانتقاليّة افتتاحه وأكّدت أنّه آمنٌ للحركة والتّنقل، في الوقت الذّي تخشى فيه جهاتٌ تقنيّةٌ طبيّةٌ مرتبطةٌ بوزارة الصحّة أن تستخدم هذه الطّريق بحجّة عدم توافر الأمن!
وفي سياق طريق دمشق وأثره في الواقع الصحي للمحافظة، أفادنا الدكتور أبو فخر بأنّه كان يتم تحويل الحالات الّتي تتطلّب نقلاً إلى مشافي دمشق بشكلٍ يومي بالتواصل مع الهلال الأحمر، أمّا الآن فلا يتم التحويل إلّا كل عشرة أيّام لحالة واحدة أو حالتين ويتم التبادل بين هلال السويداء وهلال دمشق عند حاجز النقل قرب قرية ولغا. وأمّا بما يتعلّق بالكادر الطّبي فقد أثّرت أعمال العنف والحصار المفروض في طاقم المشفى كذلك.
نقص في الكادر ورواتب متوقّفة
ذكر الدكتور وسام مسعود مدير المشفى الوطني في السويداء لـ “الحلّ نت”، بأنّ الكادر الطّبي في المشفى يُعاني من نقصٍ مركّبٍ؛ قديم وهو النقص في بعض التخصّصات الطبيّة كجراحة الأوعية والجراحة الصدرية، وأمّا الثاني حديث سببه صعوبة التنقل والمواصلات في الوقت الحالي في ظلّ الحصار وأزمة المحروقات، حيث يشكّل أبناء الريف نسبةً كبيرةً من كادر المشفى، بالإضافة إلى توقّف رواتب الموظّفين في مديريّة الصحّة منذ شهر تمّوز/يوليو، الأمر الذي أدّى إلى عدم التزام الجميع بالدوام في المشفى الوطني.
وفي هذا السياق بيّن الدكتور نوفل: “نحن لا نستطيع أن نُلزم الكوادر بالدوام الرسمي في حال توقّف الرواتب، ومن حقّهم الطبيعي أن يبحثوا عن مصدرٍ آخر للدّخل في ظلّ الظروف الحالية، فكلّ من يعمل الآن ضمن المشفى يعمل بلا أجر ويقدّم جهد تطوّعي لخدمة الأهالي وعدم توقّف المشفى الوطني عن تقديم الخدمات الطبية مجاناً للآلاف من العاجزين عن دفع مقابل لتلك الخدمات ضمن القطّاع الخاص”.
ومن جهته فقد أفاد رئيس قسم المحاسبة والمسؤول عن رواتب الموظّفين، بأنّه لم يتأخّر أبداً في رفع قوائم الموظّفين إلى وزارة الماليّة كما اعتاد أن يفعل منذ 25 عاماً، ولكن بعد الأحداث الأخيرة اشترطت وزارة المالية توقيع محافظ السويداء مصطفى البكّور (الذي يتواجد خارج مدينة السويداء) على تلك القوائم حتى تقوم بالصرف، وهنا ذكر المحاسب بأنّ هذا الإجراء لم يكن أبداً ضمن روتين عمله الذي يقوم به منذ عشرات السنوات، وهو لا يعرف بكّور ولم يتواصل معه سابقاً!


وعند سؤال خبيرٍ قانونيّ أفاد بأنّ هذا الإجراء الجديد مخالفٌ للقانون، فتوقيع المحافظ مطلوبٌ فقط في حالة البلديّات والمؤسّسات التابعة مباشرة للمحافظة، أمّا بقيّة المديريّات كالصحّة والتعليم والكهرباء وغيرها فلا علاقة لتوقيع المحافظ بما يخصّ صرف الرواتب وغيرها من الإجراءات.
وهنا يبرز التساؤل حول الغاية من التعقيدات التي تفرضها الحكومة الانتقالية لصرف رواتب الموظفين في السويداء، وخروجها عن الإجراءات الإدارية القانونيّة المتعارف عليها لعمل مؤسّسات الدولة، حيث لا يطال الأثر السلبي لذلك إلّا الموظّفين المعدمين أساساً والذّي ينعكس بدوره على عمل المؤسّسات المهدّدة بالتوقّف عن تقديم خدماتها للمواطنين بسبب هذه التعقيدات الحكومية.
في ظلّ كلّ هذه التحدّيات لا يزال مشفى السويداء الوطني والذي يُعرف أيضاً بمشفى الشهيد زيد الشريطي، لا يزال يقدّم خدماته المجّانيّة للآلاف من أبناء السويداء، ويُصرّ القائمون على المشفى اليوم على استمرار قيام المشفى بعمله ولو ضمن الحدود الدنيا، إذ أنّ هذا المشفى يُشكّل جزءاً أساسيّاً من الإرث الطّبي للسويداء، حيث يعود تأسيسه إلى خمسينيّات القرن الماضي خلال فترة الوحدة مع مصر، وبدأ المشفى بتقديم خدماته عام 1967، أيّ أنّه لا يزال يعمل دون توقّف منذ 58 عاماً، وحجارته البازلتيّة لا تزال شاهدة على عقودٍ من الأحداث التي عصفت بالتاريخ السوري.
- 6993 قتيلاً و363 مجزرة.. حصيلة 9 سنوات من التدخل الروسي في سوريا
- إيران تتحرك بين موسكو والدوحة مع تصاعد الضغوط الأميركية
- بعد رفع قيود الاستيراد.. هل تخسر سوريا مصانعها لصالح المنتجات الأرخص؟
- بعد الانسحاب الأميركي.. العراق أمام فصل أمني جديد عنوانه “نزع السلاح والحفاظ على الأمن”
- الليرة السورية تفقد 4% من قيمتها.. هل اقتربت لحظة الانفلات؟
