مع السقوطِ المفاجئِ والسريعِ لحُكمِ بشارِ الأسدِ في سوريا، تصاعدت الأحلامُ بالاستقرارِ الداخليِّ للمواطنين، ورغبةُ اللاجئين في العودةِ إلى وطنِهم. ولم يكن السوريون يعلمون أنّ هناك كابوسًا خلّفه الأسدُ ونظامُه سيعانون منه حتى بعد سقوطِ النظام، وهي الانقساماتُ الداخليةُ بين الطوائفِ السوريةِ الباحثةِ عن حقوقِها السياسيةِ وآمالِها في الاستقرار.
ففي شمالِ شرقِ سوريا، تُقاومُ القوّاتُ الكرديةُ الاندماجَ في صفوفِ الدولةِ بعد حربٍ أهليةٍ دامت 14 عامًا، وتطالبُ بدستورٍ جديدٍ يعترفُ بحقوقِها. وفي الجنوبِ الشرقي، يدعو الدروزُ علنًا إلى الاستقلالِ بعدَ اشتباكاتٍ عنيفةٍ مع القوّاتِ الحكومية. وفي شمالِ غربِ البلاد، يقولُ زعيمٌ للطائفةِ العلوية إنّ إدارةَ الشرع تُهدّد وجودَ الطائفةِ بعد أن ارتكب مسلّحون سُنّةٌ تابعون للحكومة مجازرَ بحقِّ مئاتِ المدنيين هناك في آذار/مارس.
وممّا عزّز هذه الانقساماتِ وجودُ جماعةِ “هيئةِ تحريرِ الشام” في سدّةِ الحكم، والتي — بطبيعةِ الحال — تعودُ إلى كونِها جماعةً سُنّيةً متطرفةً، ممّا جعلَ الاختلافاتِ بين الطوائفِ تأخذُ أبعادًا سياسيّةً عدوانيّةً؛ فإذا لم تُعالَجْ بطريقةٍ رشيدةٍ ستقودُ البلادَ إلى الهاويةِ في بؤرةِ الطائفية.
أوامرُ إخلاءٍ للعلويين
اقتحمت قواتُ الأمنِ السوريةُ ضاحيةً في دمشق أواخرَ آب/أغسطس الفائت، مدجَّجةً بالبنادقِ وأوامرِ الإخلاء. وفي أعقابِ ذلك، تُرِكت منازلُ الحيّ وقد طُليت عليها علاماتٌ سوداءُ كبيرةٌ «X» و«O»، لتحديدِ مَن يمكنه البقاءُ ومَن يجبُ عليه المغادرة.

واستهدفت بلدةَ السومرية، موطنَ عائلاتٍ لآلافِ الجنودِ السابقين في جيشِ بشارِ الأسد، وقد أدّى سقوطُ الأسد على يدِ “تحرير الشام” قبلَ تسعةِ أشهرٍ إلى موجةٍ من العنفِ ضدَّ الأقليةِ العلويةِ التي ينتمي إليها. وتُعَدُّ المنطقةُ جزءًا من الإرثِ السامّ لسلالةِ الأسد التي حكمت سوريا لأكثرَ من خمسةِ عقود، وسحقت معارضةَ الغالبيةِ من السكانِ المسلمينَ السُّنّة، فيما سلَّمت الوظائفَ العليا والأراضيَ المصادَرةَ إلى الموالين العلويين.
وفي الفترةِ من 27 إلى 29 آب/أغسطس، قام عشراتٌ من أفرادِ قواتِ الأمن — بقيادةِ ضابطٍ من وزارةِ الداخلية يُعرَفُ بأبي حذيفة — بالتنقّلِ من بابٍ إلى باب، وأبلغوا العائلاتِ أنهم يعيشون على أراضٍ استولى عليها الأسدُ على نحوٍ غيرِ قانوني، وطالبوهم بإثباتِ ملكيّتهم لمنازلِهم، وفقًا لنحوِ اثنَي عشرَ من السكانِ وزعيمين محلّيَّين، الذين قالوا جميعًا إنهم تعرّضوا لهذه المعاملة.
ويعلّق رشيدُ حوراني، الباحثُ في مركزِ “جسور”، في حديثِه إلى “الحل نت”، قائلًا: “الأحياءُ العشوائيةُ حولَ المدنِ الرئيسةِ في سوريا — ولا سيّما في دمشقَ وحلبَ وحمص — أسّسها النظامُ البائد، وأسكَنَ فيها أبناءَ الطائفةِ العلوية مستغلًّا أحوالَهم الماديةَ الصعبةَ في منطقةِ الساحل، التي حرَمَها من المشاريعِ التنموية؛ فاضطرَّهم إلى التوجّهِ إلى تلك المدنِ بمغرياتٍ لا أخلاقية، كالسماحِ لهم بفتحِ الأكشاكِ والتربّحِ منها، بشرطِ أن يكونوا مخبرين وجواسيسَ على أبناءِ المنطقةِ التي يتواجدون فيها”.
ويتابع حوراني، “يكفي النظرُ إلى تلك المساكنِ لنتعرّفَ إلى درجةِ فقرِ ساكنيها. ومن جانبٍ آخر، فإنّ تلك المساكن — ومنها مساكنُ السومرية — تعودُ ملكيّتُها إلى أبناءِ مدينةِ المعضميّة، إذ تقعُ هذه المساكنُ على أطرافِها، ولدى سكانِ مدينةِ المعضميّة الوثائقُ التي تُثبِتُ ملكيّتَهم. وعندما أنشأَ النظامُ هذه المساكن، أيضًا، ضغطَ على أبناءِ مدينةِ المعضميّة لبيعِ موادِّ البناءِ لسكانِ السومرية بأسعارٍ رمزية”.
بحسب المعلومات التي تحدث بها حوراني – لم يتمكن “الحل نت” من التأكد من صحتها – فقد شاركَ أبناءُ هذه المساكن إلى جانبِ النظامِ و”الدفاعِ الوطنيّ” ضدَّ الثورة، وبعدَ سقوطِ النظام بدأت الأجهزةُ الأمنيةُ بتتبّع هؤلاء؛ فمَن تمّت ملاحقتُه أو وُضِعت إشارةٌ على بيتِه فهو شبيحٌ أوّلًا، وثانيًا بيتُه لا يملكُ وثائقَ ملكيّتِه، وثالثًا تقدّم أبناءُ مدينةِ المعضميّة بطلبٍ إلى الجهاتِ المعنيّة — من محافظةٍ وأجهزةٍ أمنية — لتسويةِ وضعِ الأرض، إمّا بدفعِ ثمنِها، أو تسليمِها لأصحابِها بعدَ إخلاءِ ساكنيها المحسوبين على النظامِ السابق.
الخوفُ من شبحِ الطائفيةِ
تمثِّلُ عمليّاتُ وطرُقُ الإخلاءِ في السومريّة نموذجًا لواحدةٍ من أكثرِ المعضلاتِ الشائكةِ التي تواجهُ حُكّامَ سوريا الجُدُد: كيفيّةَ التعاملِ مع إرثِ مصادرةِ الممتلكاتِ وإعادةِ توزيعِها من قبلِ عائلةِ الأسد، والذي أدّى — لفترةٍ طويلة — إلى تفاقمِ التوتّراتِ الطائفيّة.

يرى الإعلاميّ السوريّ جمعة لهيب، في حديثِه إلى “الحل نت”، قائلًا: “سافرتُ إلى السومريّة لأطّلعَ على الحادثة؛ القضيّةُ مُعقّدةٌ جدًّا؛ فالأرضُ لأهلِ المعضميّة، وهي مغصوبةٌ منذ الثمانينيّات، وكانت لجنودِ رفعتِ الأسد”.
المنطقةُ بحسب لهيب، تُقسَّمُ إلى قسمين: قسمٌ تابعٌ للجيش، وقسمٌ تمّ التغوّلُ عليه من قِبل العلويّين المقرّبين من النظامِ البائد، ولكنّهم ليسوا عسكريّين، بل استغلّوا التغاضيَ عن الإعمارِ فيها. ما تمّ أخذُه من قبلِ الدولة هو القسمُ التابعُ للجيش ووزارةِ الدفاع، لإعطائِه للجنودِ والعساكرِ بوزارةِ الدفاع، ولم يتمّ التعرّضُ للعشوائيّات.
القضيّةُ بالعموم لا تحملُ تقصُّدًا طائفيًّا، وفق ما يزعم لهيب؛ بل هي لمعالجةِ حالةِ الضغطِ على السكنِ التي تعاني منها كلُّ مناطقِ سوريّة، إلى درجةِ صعوبةِ وجودِ بيوتٍ للإيجارِ في أغلبِ المناطقِ السوريّة، وإن وُجدت فبأسعارٍ خياليّة. الأمرُ الثاني هو أخذُ حقوقِ الوزارات، مثل وزارةِ الدفاع ووزارةِ الأوقاف وغيرها؛ فقد صادرت وزارةُ الأوقاف ممتلكاتٍ في الساحل تعودُ إليها، وكان المقرّبون من النظامِ السابق يستغلّونها بشكلٍ شبهِ مجانيّ، وهي أكبرُ مساحةً من السومريّة.
فقد نزح عددٌ كبيرٌ من سكّانِ إحدى ضواحي دمشقَ الشماليّةِ الغربيّةِ من منازلِهم، إثرَ تهديداتٍ متكرّرةٍ واعتقالاتٍ تعسّفيّةٍ من قبلِ قوّاتِ الأمن، ممّا يجعلُ الأمر — رغم أنّ من حقِّ الدولةِ استعادةَ الأراضيِ بشكلٍ قانونيّ — مُرشَّحًا لأن يأخذَ أبعادًا طائفيّةً، ويأتي ذلك من الطريقةِ التي تعاملت بها قوّاتُ الأمنِ مع المواطنين، وكأنّها طريقةٌ انتقاميّة.
وبحسبِ وسائلِ الإعلام، قال معتَصِمُ السيوفي، المديرُ التنفيذيُّ لمنظّمةِ “اليوم التالي” — وهي منظّمةٌ سوريّةٌ غيرُ ربحيّةٍ تعملُ على دعمِ التحوّلِ الديمقراطيّ في سوريا — إنّ أيَّ مشاريعِ تطويرٍ عقاريٍّ مستقبليّةٍ يجبُ أن تأخذَ الحساسيّاتِ الطائفيّةَ في الاعتبار. قال: “هناك حاجةٌ إلى حلٍّ تخطيطيٍّ حضريٍّ وطنيٍّ يأخذُ في الاعتبار مشكلةَ المستوطناتِ غيرِ الرسميّة. ومع ذلك، يجب ألّا يتضمّن أيُّ حلٍّ إخلاءَ السكّانِ من منازلِهم بهذه الطريقة”.
وصفَ ميلون كوثاري، الخبيرُ المستقلّ في مجالِ حقوقِ الإنسان والسياسةِ الاجتماعيّة والمقرّرُ الخاصّ الأوّلُ للأممِ المتّحدةِ المعنيُّ بالسكنِ اللائق، المداهماتِ التي وقعت في منطقةِ السومريّة الشهرَ الماضي بأنّها “سلسلةٌ من الانتهاكاتِ بدأت بالنزوحِ إلى تشتّتِ المجتمع؛ والآن أصبح بعضُه بلا مأوى”. وقال لوكالة “رويترز”: إنّ “عمليّاتِ الإخلاءِ القسريِّ انتهاكٌ صارخٌ لحقوقِ الإنسان. إذا كانت الحكومةُ السوريّةُ جادّةً في الالتزامِ بالمعاييرِ الدوليّةِ لحقوقِ الإنسان، فهي مسؤولةٌ عن انتهاكِ حقوقِ هؤلاء الأشخاص. وهذا موقفٌ واضحٌ على المستوى الدوليّ”.
“المرصدُ السوريُّ لحقوقِ الإنسان” بدوره أشار إلى أنّ عمليّاتِ الإخلاءِ جاريةٌ بالفعل، “مصحوبةٌ بالعنفِ والترهيب، بما في ذلك استخدامُ الهراواتِ الكهربائيّة لإجبارِ السكّانِ على الخروج”. فصحيحٌ أنّ الحكومةَ تدخّلت لاحقًا وأصدرت تطميناتٍ عبر وسائلِ الإعلام للسكّانِ بالبقاء، لكن قوّاتَ الأمن عادت مجدّدًا وأطلقت تهديداتٍ مباشرةً، ممّا أدّى إلى موجةٍ جديدةٍ من الهجرةِ القسريّة. فقد جاءت هذه الموجةُ من الهجرةِ القسريّةِ خوفًا من عمليّاتِ القتلِ الجماعيّ التي طالت مئاتِ المدنيّين في معقلِ العلويّين على ساحلِ البحرِ الأبيضِ المتوسّط في شهرِ آذار/مارس الماضي، ومن مخاوفِ الانتقامِ بسببِ الوضعِ المتميّز الذي كانت تتمتّعُ به الطائفةُ في عهدِ الرئيسِ المخلوعِ بشارِ الأسد.
شهودُ عِيانٍ
قبلَ عملياتِ الإخلاءِ، كان يقطُنُ حيَّ السومريةِ نحوَ 22 ألفَ شخص. وبعدَ مرورِ أسبوعٍ، قالَ المسؤولون إنَّ نحوَ 3 آلافِ شخصٍ بقوا هنا، ويَرجِعُ هذا إلى الطريقةِ القاسيةِ التي تعامَلَتْ بها القواتُ مع المواطنين.
فقد قالت نورٌ — وهي إحدى السُّكانِ الفارِّين — لـ”يورونيوز” إنَّ أعضاءَ الفصيل، الذين كانوا يرتدون زيَّ الأمنِ العام، “كانوا يتربَّصون في الشوارع ويُروِّعون السُّكان، ويُغلِقون المحالَّ التجاريةَ ويَمنعون الناسَ من الخروج”. وأضافت أنّهم اقتحموا المنازلَ بطريقةٍ “بربريّة”، وقاموا بتفتيشِها من دون إذنٍ، وكتبوا على الجدرانِ علاماتٍ — بما في ذلك الحرفين «X» و«O» — من دون تفسيرٍ لمعناها. وأضافت أنَّ المجموعةَ أعلنت بعدَ ذلك عن “مهلةِ 24 ساعةٍ لإخلاءِ المنطقة”.
وزعمت نور أنَّ المجموعةَ المسلّحة اعتدت على النساءِ وضربتهنَّ داخلَ منازلهنَّ، حيث لم يكن هناك رجال، وصادرت هواتفَهنَّ المحمولة. وأضافت أنَّ بعضَ العائلاتِ حاولت استئجارَ سياراتٍ لنقلِ أمتعتها، إلّا أنَّ قواتِ الأمن منعتْها من ذلك.
قال أحدُ السُّكان: “التهديداتُ أقوى من التطمينات. نرى التهديداتَ على أرضِ الواقع، بينما لا نرى التطميناتِ إلّا على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي”. وقال آخر: “رجالٌ مسلّحون — بعضُهم مُلثَّمون، والبعضُ الآخر يرتدي ملابسَ سوداءَ بالكامل تُشبه زيَّ قواتِ الأمن — يمرّون ويطلبون منّا مغادرةَ منازلِنا وإلا سيقتلوننا”.
وقد حذَّرت لجنةُ الأممِ المتحدةِ في تقريرِها من أنّ الطائفةَ العلويّة — التي شكَّلت قاعدةَ سلطةِ الأسدِ السابق — لا تزالُ مستهدفةً حتى اليوم. ويُشكِّلُ العلويّون نحوَ 10% من سكانِ البلادِ ذاتِ الأغلبيّةِ السُّنيّة.
فمسألةُ الصراعِ بين الطوائفِ في سوريا — سواء كانت تحتَ ستارٍ قانونيّ كما في حالةِ حيِّ السومرية، أو من دونِ ستارٍ كما في أحداثِ الساحل أو مع الدروز — ستُؤدّي إلى تآكُلِ السُّلطةِ الحاكمة. ويقولُ آندرو تابلر، الباحثُ في معهدِ واشنطنَ للأبحاثِ والمتخصّصُ في شؤونِ سوريا والشام، إنَّ الشرعَ يُخاطرُ بتبديدِ رصيدِه السياسيّ إذا لم يتمكّن من المصالحةِ بين الأقلياتِ المهمَّشةِ في سوريا. وأوضح: “هناك خطرٌ حقيقيٌّ من ألّا يتمكّن الشرعُ من إعادةِ توحيدِ البلاد. إمّا المصالحةُ أو أن يحكمَ جزءًا فقط من سوريا. هذا لا يعني أنَّه سيُعزَل، بل يعني أنَّ سلطتَه ستقتصرُ على جزءٍ من البلاد”.
وعليه، تُشيرُ الأدلّةُ إلى أنَّ العلويّين يتعرَّضون لانتهاكاتٍ فعليّةٍ على الأرض، لكنَّ الإدارةَ الجديدةَ تنفي أن تكون هذه الأعمالُ سياسةً رسميّةً لها، وتدّعي أنّها تسعى لاحتواءِ الوضعِ ومعالجةِ المظالم. إلّا أنّ ما يحدثُ قد يكونُ نتيجةَ أعمالٍ انتقاميّةٍ من قِبلِ فصائلَ مسلّحة، وربّما تخدمُ هذه الأعمالُ هدفًا أكبرَ بإعادةِ تشكيلِ التركيبةِ الديموغرافيةِ للمناطق.
- سوريا خارج “قائمة الإرهاب”.. هل تصبح دمشق شريكاً أمنياً للمنطقة والغرب؟
- من إيران إلى خليج عدن.. كيف تلتقي شبكات “الحوثيين” والقراصنة؟
- بعد 7 أشهر على الاتفاق.. ماذا تحقق في ملف عودة المهجّرين؟
- إسرائيل تخشى طموحات تركيا في سوريا ولا مبالاة واشنطن حيالها
- الباب الأميركي فُتح.. لكن هل تستطيع سوريا “استقبال الاستثمارات”؟

