في خطوة تحمل دلالات اقتصادية كبيرة، شهد مرفأ اللاذقية البحري حدثًا بارزًا بوصول الباخرة العملاقة “MONTREAL” التابعة لشركة الشحن العالمية “CMA CGM”، الأحد، ليس فقط لكونها واحدة من أضخم سفن الحاويات التي تدخل المرفأ منذ سنوات، بل لأنه حمل في طياته مؤشرات على تبدّل تدريجي في موازين الحركة التجارية واللوجستية في البلاد بعد فترة طويلة من الانقطاع والعزلة.
الباخرة التي يصل طولها إلى نحو مئتي متر وعرضها 32 مترًا، وبطاقة استيعابية تقارب 2500 حاوية قياسية، وضعت على أرصفة الميناء شحنات تجارية ضخمة ومتنوعة من السلع والمواد التجارية، مما يعد دفعة قوية للأسواق المحلية ويعزز النشاط الاقتصادي في البلاد.
شحنات متنوعة لتعزيز الأسواق المحلية
شملت الشحنات سيارات جديدة ومستعملة وجرارات زراعية وسلعًا استهلاكية وغذائية من الموز والسكر والأرز إلى المعلبات، إضافة إلى أدوات كهربائية وقطع تبديل وأسمدة ومواد بناء وأقمشة، وقد خصصت هذه الكميات الموردة للسوق السورية في توقيت حساس يشهد نقصًا في المعروض وتضخمًا خانقًا يضغط على المستهلكين.

وعن تفاصيل الرحلة التجارية، أوضح مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، مازن علوش، أنه إلى جانب استيراد السلع، تحمل هذه الزيارة بعدًا اقتصاديًا آخر بالغ الأهمية، حيث سيتم إعادة تحميل الباخرة بمواد متنوعة معدة للتصدير، بما في ذلك الألبسة الخارجية والداخلية، والمواد الغذائية، ومساحيق التنظيف، والمصنوعات النسيجية والمعدنية والبلاستيكية، وفق ما نقل عنه “عنب بلدي“.
وشدد علوش على أن هذه العملية ستسهم بشكل مباشر في تنشيط حركة الصادرات السورية ودعم الاقتصاد الوطني عبر توفير العملة الصعبة وإعادة دمج المنتجات السورية في سلاسل التوريد العالمية.
مؤشرات على تحسن الظروف اللوجستية
تأتي زيارة هذه السفينة في إطار أوسع من التطورات التي يشهدها قطاع النقل البحري في سوريا، خاصة وأنها بعد سنوات من التوقف والتردد، لتعكس هذه الخطوة تحسنًا نسبيًا في الظروف اللوجستية والأمنية، وتعزز الثقة بقدرة محطة حاويات اللاذقية الدولية على استقبال وتشغيل السفن الضخمة بكفاءة.
مرفأ اللاذقية كان قادرًا تاريخيًا على استيعاب سفن كبيرة، إلا أن استقبال هذه الباخرة تحديدًا في هذا التوقيت يحمل دلالة خاصة على عودة السفن الضخمة بعد انقطاع طويل، مما يعيد تأكيد مكانة الميناء كمحور إقليمي محتمل ضمن شبكة النقل العالمية.
مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، مازن علوش
وتعد شركة “CMA CGM” الفرنسية، ثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، وهي من المجموعات العالمية الرائدة في مجال النقل والخدمات اللوجستية، وتلعب دورًا محوريًا في التجارة العالمية، حيث تحتل مرتبة متقدمة من حيث حجم أسطول الحاويات الذي تديره.
زيارات سابقة وبداية استعادة الدور الإقليمي
تدير الشركة شبكة واسعة من محطات الحاويات حول العالم، حيث تنشط في أكثر من 160 دولة وتدير أسطولًا يتجاوز 600 سفينة، وتملك شبكة محطات حاويات في مرافئ استراتيجية، بما في ذلك محطة حاويات اللاذقية الدولية، ليعزز هذا الارتباط مع شركة عالمية بهذا الحجم من مكانة المرفأ، ويعطيه زخمًا إضافيًا ليصبح جزءًا فاعلًا في سلسلة النقل العالمية.

وفي سياق متصل، استذكر التقرير زيارة سابقة لباخرة حاويات أخرى تابعة للشركة نفسها، وهي “CMA CGM SAHARA”، والتي وصلت إلى مرفأ طرطوس في 8 من تموز/ يوليو الماضي، وقد وصفت تلك الزيارة بأنها الأولى من نوعها لسفينة بهذا الحجم إلى المرفأ، مما يشير إلى أن الجهود المبذولة لتعزيز القدرات التشغيلية للموانئ السورية ليست مقتصرة على مرفأ واحد.
وتحمل هذه التطورات في طياتها رؤية مستقبلية لقطاع النقل البحري في سوريا، حيث أشار مدير مرفأ اللاذقية، أحمد علي مصطفى، إلى أن زيارة هذه الباخرة تأتي في إطار اتفاقية جديدة وموسعة مع الشركة الفرنسية.
وتم توقيع الاتفاقية الجديدة في أيار/ مايو الماضي بين الشركة والحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، والتي أنهت بموجبها الترتيبات السابقة مع النظام السابق.
اتفاقية استثمارية طويلة الأمد
أوضح مصطفى، أن الاتفاقية الجديدة، التي وُقّعت في قصر الشعب بدمشق، تمتد لثلاثين عامًا وتتضمن التزامًا استثماريًا بقيمة 230 مليون يورو، بينها 30 مليون يورو ستضخ خلال السنة الأولى، على أن يُشرع خلال السنوات الأربع التالية في بناء رصيف جديد بطول 1.5 كيلومتر وبعمق 17 مترًا وبمواصفات عالمية، بكلفة تقدر بنحو 200 مليون يورو.
هذا الاستثمار سيوفر البنية التحتية والفوقية اللازمة لتشغيل المرفأ بكفاءة عالية، ومن المتوقع أن تبدأ ثمار هذا الاستثمار بالظهور بعد السنة الخامسة من العقد، مما سيعزز من قدرة المرفأ التنافسية ويؤكد دوره كمركز إقليمي في المنطقة.
مدير مرفأ اللاذقية، أحمد علي مصطفى
وتراهن الحكومة السورية الجديدة على قطاع المرافئ والنقل البحري لخلق مداخيل إضافية وتعزيز الصادرات، خاصة وأن قيمة الصادرات السورية الإجمالية لم تتجاوز 1.2 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بأكثر من 12 مليار دولار قبل 2011، وفق بيانات البنك الدولي.
ويثير توقيت هذه الاستثمارات الانتباه في ظل الأزمة الاقتصادية السورية الممتدة، فبينما تجاوز معدل التضخم السنوي 120 بالمئة وفق تقديرات منظمات أممية، وبلغ سعر صرف الليرة مستويات قياسية من التراجع، يبقى إدخال تدفقات تجارية جديدة واستقطاب استثمارات أجنبية خطوة محفوفة بالمخاطر لكنها تحمل في طياتها فرصاً حقيقية لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد.
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا

