شهدت الأوساط الاقتصادية والتجارية السورية موجة من الجدل الصاخب إثر قرار وزاري جديد أصدرته وزارة الاقتصاد والصناعة، الإثنين الماضي، يلزم المنتجين والتجار بتدوين السعر النهائي على السلع المخصصة للبيع للمستهلك.
وفي خطوة تهدف إلى تنظيم السوق وتعزيز الشفافية، يأتي هذا القرار في وقت تعاني فيه الأسواق والمحال التجارية من فوضى في التسعير وتفاوت كبير في الأسعار، الأمر الذي يثير استياءً شعبيًا متزايدًا في ظل غياب آليات رقابية فعالة.
انقسام بين السوق الحر وحماية المستهلك
رغم أن القرار يبدو في ظاهره خطوة تنظيمية إيجابية، إلا أنه أشعل فتيل النقاش بين دعاة “السوق الحر” الذين يرون فيه تدخلًا حكوميًا غير مبرر، وبين أنصار حماية المستهلك الذين يعتبرونه ضرورة ملحة لضبط الأسواق.

ويقضي القرار بإلزام جميع المنتجين والمستوردين بتدوين السعر النهائي للمستهلك على منتجاتهم بشكل واضح ومقروء، وباللغة العربية، وبخط ظاهر وغير قابل للإزالة أو المحو، ويهدف هذا الإجراء، بحسب الوزارة، إلى تعزيز الشفافية ومكافحة التلاعب بالأسعار، وهو ما أُشير إليه في بيان غرفة تجارة دمشق التي أيدت القرار.
ومع ذلك، لم يلقَ القرار إجماعًا، حيث أبدى بعض الخبراء الاقتصاديين تحفظهم عليه، معتبرين أنه لا يلامس التحديات البنيوية الحقيقية التي تواجه السوق السورية، والتي تتجاوز مجرد مشكلة تسعير.
تحفظات اقتصادية على القرار
في منشور مثير للجدل على صفحته الشخصية في “فيسبوك”، اعتبر المستشار الأول لوزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الخارجية، مازن ديروان، أن القرار “ضرب من المستحيل” تنفيذه بشكل فعال بسبب تعقيد وتغير بيئة العمل والتكاليف.
ذهب ديروان أبعد من ذلك، ليؤكد أن القرار يتنافى مع مبادئ وأدبيات السوق الحر التنافسي، معتبرًا أنه لا حاجة له لأن الأسواق ‘تعاير’ نفسها بنفسها، وأن جميع الدول الناجحة التي تنتهج سياسات السوق الحر التنافسي ليس لديها هكذا قرارات وقيود.
واسترسل في شرح وجهة نظره، مشيرًا إلى أن ميزة السوق الحر التنافسي هي أن الأسعار فيه غير ثابتة، وأن هذا التغير هو ما يحفظ حق المستهلك بالحصول على السلعة المناسبة له من المكان المناسب له وبالسعر المناسب له.
دفاع عن حرية السوق
ضرب ديروان مثالًا على ذلك بأن من الطبيعي أن تختلف الأسعار بين “حارة شعبية وبسطة” و”سوبر ماركت فخم ونظيف ومكيف في حي راقٍ”، مؤكدًا أن من غير الطبيعي أبدًا أن يكون السعر متساوي.

وأكد أن ارتفاع الأسعار أو انخفاضها يجب أن يكون مرتبطًا بتكاليف الإنتاج، مثل النقل والمواد الأولية والطاقة وسعر الصرف، وأن مسؤولية الحصول على السعر المناسب تقع على عاتق المشتري وليس الحكومة.
واختتم منشوره بعبارة قوية ومباشرة تدعو إلى “الخروج من مخلفات الفكر البعثي”، والاستمتاع بما يحققه “السوق الحر التنافسي من تنوع في المنتجات وانخفاض في الأسعار”.
رؤية بديلة
على الجانب الآخر، قدم المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد في الوزارة نفسها، جورج خزام، رؤية مختلفة تمامًا، وإن كانت لا تتعارض كليًا مع مبادئ السوق الحر.
أشار خزام إلى أن طباعة الأسعار بالدولار على البضائع المنتجة محليًا هو لمصلحة المنتجين أولًا قبل مصلحة المستهلك الأخير، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء سيعمل “كسعر إرشادي” للمستهلك، مما سيجعل السعر الحقيقي مكشوفًا، وبالتالي يفرض على البائع تخفيض أرباحه لبيع كميات أكبر وبأسعار تنافسية.
واعتبر أن هذا الأمر سيعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ككل، حيث سيؤدي إلى زيادة مبيعات البضائع الوطنية وزيادة الإنتاج وتشغيل العاطلين عن العمل وتخفيض الطلب على الدولار.
تسعير استرشادي بالدولار
أكد خزام أن تثبيت الأسعار وطباعتها بالدولار يعطي المستهلك المعلومات الكافية لاتخاذ قرار الشراء، وأن المتغير الوحيد سيكون سعر الصرف، معتبرًا أن هذا الإجراء يكشف البائع الذي يحقق أرباحًا مرتفعة، ويشجع التجار على تقديم “حسومات حقيقية”.

وبرر عدم إمكانية توحيد الأسعار بالليرة السورية بسبب اختلاف تكاليف البضائع من محل إلى محل آخر، وخلص إلى أن مبدأ السوق الحر يتحدد بالقانون الأزلي لجميع أسواق العالم وهو العرض والطلب والمنافسة.
في ظل هذا الجدل، أصدرت غرفة تجارة دمشق بيانًا رسميًا أوضحت فيه موقفها من القرار، حيث أكدت في بيانها، الذي نشرته في صفحتها عبر منصة “فيسبوك”، حرصها على الدفاع عن مصالح التجار وتنظيم العمل الاقتصادي.
تأكيد على التوازن والشفافية
أوضحت غرفة تجارة دمشق أنها تلقت توضيحات مباشرة من مسؤولي الوزارة تفيد بأن القرار لا يفرض التسعير على المنتجين أو الصناعيين، وإنما يهدف إلى الإعلان عن السعر في نقطة البيع النهائية، على غرار ما هو معمول به في معظم دول العالم.
شددت الغرفة على أن الهدف الأساسي من القرار هو حماية المستهلك من الغبن من جهة، وصون حقوق التجار الملتزمين من جهة أخرى، بما يسهم في تحقيق التوازن بين طرفي العملية التجارية.
وأيدت الغرفة توجه الوزارة في تنظيم الإعلان عن الأسعار وإلزام إصدار الفواتير الرسمية، معتبرة أن هذا الإجراء يعزز الثقة بين البائع والمستهلك ويساهم في ضبط المخالفات وتنظيم السوق.
بين الاقتصاد الموجّه والسوق الحر
كما كشفت عن طلبها من الوزارة إصدار توضيح رسمي يحدد آليات تنفيذ القرار بدقة، بما يضمن تطبيقه السليم دون أي التباس، ويحقق مصلحة الصناعيين والتجار والمستهلكين على حد سواء.

ومثل هذا القرار نقطة صدام بين آليات “الاقتصاد الموجه” التي تتبناها الحكومات لضبط الأسواق في فترات الأزمات، وبين دعوات “السوق الحر” التي تؤمن بأن قوى العرض والطلب هي الكفيلة وحدها بتحقيق التوازن.
فبينما يرى البعض في القرار خطوة نحو الشفافية وحماية المستهلك، يخشى آخرون من كونه سيفاقم من تعقيدات السوق ويحد من مرونتها، في وقت يتفق فيه الجميع على أن التحديات الاقتصادية في سوريا تتجاوز أي قرار فردي، وتتطلب حلولًا جذرية وشاملة.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

