تشهد الأسواق اليمنية في مناطق سيطرة جماعة “الحوثي” تحولات واسعة، بفعل ممارسات الجماعة الرامية إلى إعادة تشكيل الطبقة التجارية بصورة ممنهجة.
وتسعى جماعة “الحوثي” عبر هذه السياسات، إلى التحكم بالتجارة والعقار والمنافذ الجمركية، بما يمنحها قاعدة مالية مستقرة، تعزز نفوذها السياسي في أي ترتيبات مستقبلية.
خلق طبقة تجارية جديدة
وفق مصادر اقتصادية وتجارية تحدثت لـ”الشرق الأوسط“، حاولت جماعة “الحوثي” في البداية استقطاب كبار التجار التقليديين للتماهي مع مشروعها الطائفي لكنها فشلت، الأمر الذي دفعها للقيام باستراتيجية جديدة.

وتقوم الخطة “الحوثية”، على إحلال طبقة تجارية جديدة من الموالين، عبر منحهم امتيازات واسعة في الاستيراد والتصنيع المحلي، مقابل التضييق على التجار التقليديين بالضرائب والرسوم.
ويشير عدد من التجار، إلى أن جماعة “الحوثي” دفعت نحو إنشاء ورش ومعامل صغيرة، لإنتاج مستلزمات الكهرباء والسباكة والمطابخ، وشواحن الهواتف وبعض أصناف الملابس.
ومع تشغيل هذه الورش، بدأت الجماعة منع استيراد أصناف رئيسية، ورفع الرسوم الجمركية عليها، رغم أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى نحو 20 في المئة من احتياجات السوق، فيما تعتمد البلاد على الاستيراد بنسبة تفوق 90 في المئة.
غطاء سياسي “حوثي”
المصادر الاقتصادية، تؤكد أن الحديث عن “الصناعة المحلية” لا يعكس واقعاً حقيقياً، إذ تفتقر اليمن للمواد الخام، والطاقة الإنتاجية اللازمة لتغطية احتياجات السوق.

فعلى سبيل المثال، تعتمد صناعة الملابس على القطن المستورد، بينما يحتاج الحديد والمواسير إلى مدخلات خارجية، فيما الورش المحلية تعتمد غالباً على إعادة تدوير الخردة، أو إنتاج سلع منخفضة الجودة.
وتشير مصادر أخرى، إلى أن أحد قادة جماعة “الحوثي” يشرف على قطاع الحديد من خلال جمع الخردة وصهرها، لكن محدودية الموارد ورغبة التجار في تصديرها، أدى إلى تعثر هذا النشاط الصناعي، ما يعكس هشاشة الفكرة برمتها.
قرارات أربكت السوق
أصدرت جماعة “الحوثي” قبل أسابيع، قرارات تمنع استيراد بعض السلع، بحجة الاكتفاء بالإنتاج المحلي، ما أدى إلى نقص كبير في السلع وارتفاع أسعارها.

وفي الوقت نفسه، واصلت الجماعة الترويج لورشها وأسواقها الأسبوعية، باعتبارها بدائل تغطي احتياجات السكان، رغم محدودية قدرتها الفعلية.
ويرى خبراء في الاقتصاد، أن هذه السياسات “الحوثية”، تهدف إلى خلق احتكار منظم يخدم التجار الجدد الموالين لها، ويمنح الجماعة سيطرة مباشرة على حركة السلع والموارد المالية.
هندسة طبقة اقتصادية جديدة
تدرك جماعة “الحوثي” أن السيطرة الاقتصادية هي طريق مضمون لترسيخ وجودها، خصوصاً في مستقبل سياسي قد لا يمنحها أغلبية برلمانية أو نفوذاً دستورياً كاملاً.
لذلك، تعمل جماعة “الحوثي” على إعادة هندسة الطبقة التجارية في اليمن، وبناء قاعدة مالية مغلقة تتحكم بمفاصل السوق، وتمتد آثارها إلى المجتمع والقرار السياسي على حد سواء.
ومع اتساع هذه الممارسات، يبدو أن “الحوثي” يمضي باتجاه تثبيت سلطة طويلة الأمد، تقوم على تمكين شبكة تجارية موالية قادرة على خدمة الجماعة، وتوفير موارد تضمن استمرار نفوذها في أي صيغة سياسية قادمة.
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟
- دراسة: “داعش” يغير نمط تهديده في سوريا بعد سقوط الأسد

