في وقتٍ ترفع فيه الجهات النقدية شعار الاستقرار وحماية سعر الصرف، تتكشّف على الأرض صورة مختلفة لسياسة حبس السيولة التي باتت أحد أبرز ملامح المشهد الاقتصادي السوري.
فبين قيود السحب، وتعثر صرف الشيكات، وصعوبة الوصول إلى الودائع، تجد آلاف الأسر نفسها في مواجهة ضغوط معيشية متصاعدة، لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل بعدم القدرة على التصرف بأموالها أصلًا.تراجع القوة الشرائية وانعدام الثقة
تراجع القوة الشرائية وانعدام الثقة
مع تراجع القوة الشرائية وتباطؤ الحركة في الأسواق، لم تعد المسألة تقنية محصورة بإدارة الكتلة النقدية، بل تحولت إلى قضية تمسّ الاستقرار الاجتماعي والثقة بالقطاع المصرفي.

في هذا السياق اعتبر أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور حسن حزوري أن سياسة حبس السيولة التي يتبعها مصرف سوريا المركزي، والمصاحبة لتشديد قيود عمل المصارف العامة، لم تعد تدبيرًا مؤقتًا لإدارة سوق النقد وإنما تحولت إلى آلية تخلق أضرارًا اجتماعية واقتصادية واسعة المدى، تمسّ آلاف الأسر السورية بأشكال مباشرة وغير مباشرة، لا سيما شريحة المتقاعدين وحديثي الإحالة إلى التقاعد.
وقال حزوري في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، إن المقولة الشعبية “نجحت العملية ومات المريض” تنطبق حرفيًا على الحال الراهن، لأن السعي إلى ضبط مؤشر سعر الصرف في الظاهر جرى على حساب الوصول الفعلي للمستحقات المالية وكرامة المواطنين.
خط أحمر على الورق
أوضح حزوري أن أي سياسة نقدية سليمة يجب أن توازن بين هدف استقرار سعر الصرف وحماية القوة الشرائية للمواطنين، مؤكدًا أن تعطيل السيولة إلى حد يمنع صرف شيكات معاشات بسيطة أو فتح حسابات جديدة لآلاف المستحقين يقوّض أساسيات هذه المعادلة.
تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي التي أكدت حماية الرواتب والأجور والمعاشات باعتبارها “خطًا أحمر” تبدو جامدة أمام واقع الممارسة داخل بعض المصارف، وفي مقدمها المصرف التجاري السوري، الذي سجلت إداراته امتناعًا عن صرف شيكات تقاعدية بمبالغ متواضعة ــ
أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور حسن حزوري
وأشار إلى أنه وردت حالات لشيكات لا تتجاوز 70 إلى 80 ألف ليرة سورية جديدة، ومنها شيك مؤرخ في 18 كانون الأول/ديسمبر 2025 بقيمة تقارب 76 ألف ليرة، ما يضع متقاعدين بسيطين في حلقة لا مخرج منها بين رفض صرف الشيك لغياب السيولة، وعدم القدرة على فتح حساب جديد بسبب قيود تشغيلية وإدارية.
خلل إداري وقانوني
تساءل حزوري عن الأساس القانوني الذي اعتمدته إدارات مصرفية لإلغاء موافقات سابقة على صرف مستحقات صدرت عن المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، مذكرًا بأن هذه الأموال حقوق مكتسبة لا تخضع لتقديرات مصرفية أحادية ينبغي أن تلغى أو تجمد.

وأشار إلى أن مثل هذه الممارسات لا تؤثر على أصحاب الشأن فحسب، بل تضعف الثقة العامة بالقطاع المصرفي وتدفع المواطنين إلى سحب مدخراتهم من البنوك أو تحويلها إلى بدائل غير منظمة، ما يزيد من هشاشة النظام المالي ويصعّب مهمة أي سياسة نقدية مستقبلية.
من جهته، أعاد المستشار التنفيذي السابق لشؤون السيولة والنقد لدى وزارة الاقتصاد جورج خزام رسم المشهد من زاوية نقدية أوسع، مبينًا أن تقييد السحوبات بات يُوظف كأداة لإخفاء الاختلال الحقيقي في سعر الصرف.
تجفيف السيولة والمضاربة على الليرة
ذكر خزام في منشور عبر “فيسبوك” أن السعر الفعلي للدولار في التداولات الحقيقية يتجاوز 19 ألف ليرة سورية، لكن القيود على السحب والتعاملات النقدية تُجهض ظهور هذا المستوى أمام الرأي العام، فتبدو سياسة صيانة السعر ناجحة سطحيًا بينما تُلقى كلفة الانخفاض الوهمي على كاهل المودعين والطبقات الضعيفة.
تجفيف السيولة بالليرة يستهدف خلق طلب اصطناعي عليها لمواجهة ارتفاع الطلب على الدولار المستورد، وأن هذا النهج مرتبط بسياسات استيرادية توسعية، لاسيما من تركيا والصين، التي عزّزت وجود سلع مستوردة بكثافة على حساب الإنتاج المحلي.
المستشار التنفيذي السابق لشؤون السيولة والنقد لدى وزارة الاقتصاد جورج خزام
وأضاف أن كلما ازداد الطلب على القطع الأجنبي لتمويل الواردات، اتخذت أدوات نقدية وقيود إدارية لرفع الطلب على الليرة مؤقتًا، وهو ما يؤخر فقط انفجار مسألة سعر الصرف الحقيقي ويحول تبعات الانهيار إلى المودعين وأصحاب الدخل الثابت.
ازدواجية ضاغطة وانكماش مزدوج
حذر خزام من أن هذه المقاربة تقود إلى ازدواجية ضاغطة، فالمركزي والصرافون يجففان الليرة من جانب، والمستوردون يجففون الدولار من جانب آخر، فتتحقق حالة انكماش مزدوجة تؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للرواتب والأجور وتراجع الطلب الكلي وتجميد الأسواق.

وبيّن أن نتيجة ذلك ليست مجرد تدهور مؤشرات نقدية بل انهيار في الدورة الاقتصادية؛ مصانع تغلق أو تقلص الإنتاج، معدلات البطالة ترتفع، والأجور الحقيقية تتآكل، بينما تتقلص فرص العمل ويتشدد الفقر بين الفئات الهشة.
واتفق الخبيران على أن استقرار سعر الصرف ليس هدفًا مستقلًا عن سياسات هيكلية، موضحين أن التحكم الإداري بالسيولة دون إصلاحات في جانب العرض ودعم الإنتاج المحلي، إضافة إلى ضبط فاتورة الاستيراد، وتشجيع التصدير، وتحديث منظومة الضريبة والإنفاق، سيظل حلقة مفرغة تقضي على مقدرات النمو وتكرس الهشاشة.
التضخم على حساب المواطنين
أشار الخبيران إلى أن توزيع كلفة التضخم عبر تجميد الودائع أو منع سحب المستحقات يُعد إقرارًا غير معلنٍ بتحويل الخسائر إلى الطبقات الأكثر ضعفًا، بدلًا من مشاركة الخسائر عبر آليات مالية منظمة أو إصلاحات هيكلية عادلة.
دعا حزوري وخزام السلطات المعنية إلى إجراءات فورية ومتكاملة، منها ضمان صرف الرواتب والأجور والمعاشات فورًا ودون عراقيل إدارية، واستثناء الشيكات الصغيرة والمتقاعدين من قيود السحب الطارئة، إضافة إلى فتح قنوات ائتمانية قصيرة الأجل لدعم السيولة الموجهة للقطاع الإنتاجي، وإطلاق برنامج طوارئ لدعم الصناعات المحلية الحساسة.
كما دعيا إلى إعادة النظر في سياسة الاستيراد عبر تشديد الضوابط على السلع الكمالية والمنتجات التي تنافس الصناعة الوطنية، وتبني حوافز ضريبية وإقراضية لتثبيت الإنتاج المحلي وإعادة تشغيل وحدات صناعية متوقفة.
الشفافية ومساءلة المؤسسات المالية
على المستوى المؤسساتي طالب الخبيران بترسيخ شفافية أكبر في سياسات المصرف المركزي وإخضاع إجراءات التدخل في السيولة لآليات رقابية برلمانية ومستقلة، إضافة إلى نشر معايير واضحة لفتح الحسابات وصرف الشيكات، وإجراء تدقيق لممارسات بعض المصارف العامة التي تعرقل وصول المواطنين لأموالهم.

ولفتا إلى أن إعادة الثقة بالقطاع المصرفي ركيزة أساسية لأي استقرار نقدي طويل الأمد، ولن تتحقق دون حماية حقوق المودعين واستعادة وصولهم إلى ادخاراتهم.
واختتما بالتأكيد على أن أي استراتيجية نقدية لا تضع الإنسان ومعيشته في مركزها لتظل ناقصة ومهددة للتماسك الاجتماعي، محذران من أن حبس السيولة قد يخفي مؤشرات فورية، لكنه يولّد أزمات متصاعدة في النشاط الاقتصادي والأسرة السورية، ما يستدعي علاجًا سريعًا ومدروسًا يوازن بين استقرار المؤشرات وكرامة المواطنين وقدرتهم على العيش بحد أدنى من الكرامة والاعتماد على دخلهم المستحق.
- من الساحل إلى تعز.. السعودية تستعد لإعادة فتح الجبهة اليمنية
- زيباري يكشف عن لقاء سري مع الشرع.. رسائل من دمشق إلى الزيدي و”الإطار”
- بعد الانسحاب الأميركي.. التحالف يركز على منع عودة “داعش” إلى سوريا والعراق
- محادثات سرية بين مسؤولين سوريين و”حزب الله”.. دمشق وأنقرة تنفيان
- 280 حادثة خلال شهر.. ماذا تكشف حصيلة التوغلات والقصف الإسرائيلي في جنوب سوريا؟

