في وقتٍ تشهد فيه خارطة الطاقة في الشرق الأوسط تحولاتٍ جذرية تفرضها ضرورة التعافي من تداعيات النزاعات وضغوط التحول الرقمي المتسارع، كشفت “سيمنز للطاقة” عن استراتيجية توسعية طموحة تستهدف إعادة ترميم وبناء أنظمة الكهرباء المتهالكة في كل من سوريا والعراق، واضعةً ثقلها التكنولوجي في قلب سباق استعادة القدرات المفقودة.
في حوارٍ يعكس رؤية ثاقبة للمستقبل، أكد المدير الإقليمي الجديد للشركة، حسين شكري، أن المجموعة الألمانية العملاقة لا تعتزم ترك سوريا وحدها في مواجهة الظلام، مشيرًا إلى أن الشركة التي أرست قواعد محطاتٍ عملاقة كـ “دير علي” قبل الحرب، تجري حاليًا مباحثات رفيعة المستوى مع المسؤولين السوريين لاستكشاف آفاق العودة، ليس فقط عبر بوابات توليد الطاقة بالغاز، بل ومن خلال تحديث الشبكات التي باتت تنتج اليوم أقل من 20 بالمئة من طاقتها ما قبل عام 2011.
أبعاد تتجاوز العقود الفنية
يحمل هذا التصريح في طياته دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز مجرد العقود الفنية، لتؤكد رغبة الشركة في لعب دور المحفز لإعادة الإعمار في بيئةٍ تئن تحت وطأة البنية التحتية المتقادمة.

ولا يبتعد المشهد العراقي كثيرًا عن هذا الحراك؛ إذ تسعى سيمنز بالتعاون مع شركائها لإضافة نحو 14 جيجاواط من القدرة الإنتاجية الجديدة إلى الشبكة الوطنية العراقية، لتضاف إلى رصيدها الحالي البالغ 11.65 جيجاواط، رهنًا بسرعة الإجراءات الحكومية وتدفقات التمويل التي بدأت تشهد تحسنًا تدريجيًا.
ومع ذلك، فإن هذا الطموح في بغداد ودمشق يصطدم بتحدٍ إقليمي أوسع يتمثل في انفجار الطلب على الطاقة نتيجة النمو الهائل في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
فجوة طاقية بين العاجل والمناخي
هو ما وصفه شكري بأنه “تحدٍ ضخم” يتطلب استعدادًا استثنائيًا حيث تشير التوقعات إلى أن احتياجات مراكز البيانات وحدها قد تستلزم إضافة ما بين 3 إلى 10 جيجاواط من الطاقة المولدة بالغاز خلال السنوات القليلة القادمة، ما يضع الحكومات في مأزق الموازنة بين سد الفجوة الطاقية العاجلة وبين الالتزامات المناخية طويلة الأمد.
إن الأرقام القياسية التي سجلتها سيمنز للطاقة في حجم الطلبات، والتي بلغت 17.6 مليار يورو في الربع الأول من العام الجاري، تعكس بوضوح أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت المحرك الرئيسي لنمو قطاع الغاز والشبكات عالميًا، فبوجود 117 جيجاواط من الطاقة الإنتاجية الموزعة في المنطقة، تتصدر السعودية والإمارات المشهد بقدرات هائلة.
لكن الأنظار تتجه اليوم نحو المناطق التي تحتاج إلى “جراحة عاجلة” للشبكات، خاصة وأن نصف الشبكات الحالية في المنطقة تحتاج إلى إصلاح شامل لضمان أمن الإمداد، إذ حذر شكري من مفارقة وجود مولدات طاقة دون شبكات قادرة على استيعابها.
تحذيرات دولية واستثمارات مطلوبة
هو تحذير تماهى مع تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة التي طالبت باستثمارات سنوية تصل إلى 670 مليار دولار لتحديث الشبكات المتقادمة التي باتت تشكل العائق الأكبر أمام دخول الطاقة المتجددة إلى الخدمة بشكل مستقر.

وعلى الرغم من أن بريق الهيدروجين الأخضر قد خفت قليلًا في الآونة الأخيرة لصالح إعطاء الأولوية لتغذية الشبكات الوطنية مباشرةً لمواجهة الطلب المتزايد، إلا أن سيمنز لا تزال تراهن على عودته القوية كعنصر أساسي في خفض الانبعاثات، حيث طورت الشركة توربينات قادرة على حرق مزيج يصل إلى 50 بالمئة من الهيدروجين، مع طموح بالوصول إلى التشغيل الكامل بالهيدروجين مستقبلًا.
ويعكس هذا التوجه مرونة الشركة في التكيف مع واقعٍ يفرض فيه الأمن الطاقي نفسه كأولوية قصوى على حساب التحول الأخضر المتسارع أحيانًا، لتبقى سيمنز للطاقة هي اللاعب الذي يحاول الموازنة بين “إطفاء الحرائق” في الشبكات السورية والعراقية وبين بناء منظومة طاقية ذكية تستجيب لاستحقاقات عصر الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ، مؤكدة أن الطريق نحو استدامة الطاقة في الشرق الأوسط يبدأ من إصلاح الأسلاك والشبكات قبل تركيب العنفات والمحطات.
- بعد تفكيك خلية في حلب.. هل يعيد “داعش” تشكيل شبكاته في سوريا؟
- تحركات إسرائيلية غامضة بمحيط المصادر المائية السورية.. هل بدأ الصراع على موارد الجنوب؟
- بين صنعاء وطهران.. من يحدد مسار التصعيد “الحوثي” ضد السعودية؟
- لبنان يرفض تدخل “حزب الله” في اليمن ويدعم حصر السلاح بيد الدولة
- تعز.. قتلى وجرحى بقصف منازل وقرى سكنية

