في تطور غير مسبوق يعكس حجم التصعيد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، واصل أربع من عمالقة الدول المنتجة للنفط تنفيذ خفض طوعي وكبير في إنتاجها من الخام، في خطوة وصفت بأنها أكبر استجابة ملموسة للإمدادات منذ اندلاع المواجهة العسكرية الموسعة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي دخلت أسبوعها الثاني ممتدة إلى أكثر من اثنتي عشرة دولة.
وكشفت وكالة “بلومبرغ” الأميركية، نقلًا عن مصادر مطلعة على عمليات الإنتاج في الخليج العربي، أن السعودية والعراق والإمارات والكويت شرعت في خفض إنتاجها بمعدلات غير مسبوقة، نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الممر المائي الأكثر حيوية في العالم، والذي تحول إلى منطقة شبه معزولة تمامًا عن حركة ناقلات النفط، ما أدى إلى توقف فعلي للصادرات عبر هذا الشريان الرئيسي.
خفض غير مسبوق
تشير البيانات الأولية التي حصلت عليها الوكالة إلى أن الرياض خفضت إنتاجها بنحو يتراوح بين مليونين ومليونين ونصف المليون برميل يوميًا، بينما خفضت أبوظبي الإنتاج بمقدار تراوح بين 500 ألف و800 ألف برميل يوميًا، وفي الكويت، بلغ حجم الخفض حوالي نصف مليون برميل يوميًا، في حين سجلت بغداد أكبر وتيرة خفض على الإطلاق، قدرت بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا، ما يجعلها الأكثر تضررًا من حيث حجم التراجع في الإنتاج.

وتمثل التخفيضات في كل من السعودية والإمارات والكويت ما نسبته 20 إلى 25 بالمئة من مستويات إنتاجها المسجلة في شباط/فبراير من العام الجاري 2026، وبحسب التقديرات الأولية، فإن مجمل هذه التخفيضات يشكل تقليصًا يصل إلى ثلث الإنتاج الجماعي للدول الأربع، ما يسهم في انخفاض إجمالي المعروض العالمي من النفط بنحو 6 بالمئة، في صدمة عرض جديدة تضاف إلى سلسلة الاضطرابات التي تضرب أسواق الطاقة.
وقد أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث النفط العالمي المنقول بحرًا، إلى امتلاء خزانات التخزين البرية في هذه الدول، ما أجبرها على خفض الإنتاج بشكل قسري، تحول مع مرور الأيام إلى قرار تشغيلي اضطراري، في ظل استحالة تصدير النفط عبر الممرات المائية التقليدية التي باتت ساحة مواجهة مباشرة.
قفزة الأسعار ومخاوف الأسواق
على صعيد التحركات السعرية، فقد استجابت الأسواق لهذه الفجوة في الإمدادات بقفزات سعرية حادة، حيث ارتفعت أسعار النفط لتلامس حاجز 120 دولارًا للبرميل مطلع هذا الأسبوع نتيجة المخاوف من استمرار الاغلاق.
مع ذلك، شهدت الأسعار نوعًا من التراجع النسبي لاحقًا، متأثرة بتصريحات سياسية صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي ألمح فيها إلى إمكانية التوصل إلى نهاية قريبة للصراع الحربي، مما منح الأسواق بارقة أمل مؤقتة في استعادة التوازن.
يضع المشهد الراهن الاقتصاد العالمي أمام تحديات جسيمة، فاستمرار تعطل الممرات المائية الحيوية يفرض ضغوطًا تضخمية هائلة، خاصة وأن المخزونات الاستراتيجية للدول المستهلكة قد لا تصمد طويلًا أمام استنزاف يصل إلى 6 بالمئة من المعروض العالمي، فوجهت شركة أرامكو السعودية، أكبر مُصدر للنفط في العالم، تحذيرًا أكدت خلاله أن أسواق النفط العالمية يمكن أن تتعرض لعواقب “كارثية” إذا استمرت حرب إيران في تعطيل الشحن عبر مضيق هرمز.
عواقب كارثية
قال الرئيس التنفيذي للشركة، أمين الناصر، في مؤتمر صحفي، إن مخزونات النفط العالمية بلغت أدنى مستوياتها في خمس سنوات، مشددًا على أن الأزمة ستؤدي إلى تسارع وتيرة انخفاض المخزونات، وأن استئناف حركة الملاحة في المضيق أمر بالغ الأهمية.

وتابع قائلًا: “ستكون هناك عواقب كارثية على أسواق النفط العالمية، وكلما طال أمد هذا الاضطراب زادت حدة التداعيات على الاقتصاد العالمي”.
وفي ظل غياب الحلول الدبلوماسية التي تضمن أمن الملاحة، يبقى قطاع الطاقة رهينًا للتطورات العسكرية الميدانية، وسط حالة من الترقب لما ستسفر عنه الأيام القادمة من احتمالات لفتح الممرات المائية أو استمرار حالة الجمود التي قد تدفع بأسعار الطاقة نحو مستويات قياسية غير مسبوقة تنهك الاقتصاد العالمي.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

