استلمت وزارة العدل في الحكومة الانتقالية السورية، اليوم الثلاثاء، تقرير لجنة التحقيق الوطنية حول المجازر والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها محافظة السويداء منتصف تموز/يوليو 2025، وذلك قبل أيام من نشر تقرير اللجنة الدولية المستقلة حول الأحداث نفسها، وسط جدل واسع حول مصداقية اللجنة الوطنية وقدرتها على تقديم عدالة موضوعية.
ويثير التقرير الحكومي جدلاً محلياً أسباب عديدة، أهمها، التجربة السابقة للحكومة فيما يخص أحداث الساحل، والتي لم تنشر تفاصيلها حتى اليوم. وإضافة إلى طريقة تشكيل اللجنة التي أعادت إلى الأذهان مخاوف سابقة حول استقلاليتها، وكون الحكومة الانتقالية نفسها طرفاً في الصراع.
السويداء.. الحصيلة الرسمية وأوجه النقد
تضمن تقرير اللجنة الوطنية تنظيم 769 استمارة، تضمنت إفادات 213 شاهداً و437 ضحية وذويهم، وسجل وقوع 1760 قتيلاً و2188 مصاباً من جميع الأطراف، شملت القوات الحكومية، والفصائل المحلية، مع توثيق عمليات تبادل مختطفين ونزوح واسع شمل عشرات آلاف الأشخاص.
وأوضحت اللجنة أنها لم تتمكن من حصر العدد النهائي للضحايا نتيجة نقص المعلومات وعدم قدرتها على دخول مدينة السويداء، لكنها وثّقت 60 مفقوداً من عشائر السويداء و30 مفقوداً من وزارة الدفاع.
وخلصت، استناداً إلى الشهادات والوثائق والمعاينات الميدانية، إلى أن موجة العنف خلال التي وقعت في السويداء شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل العمد، والسلب المسلح، وتخريب وحرق الممتلكات والبيوت والمحال التجارية، إضافة إلى التعذيب والتعرّض بعبارات طائفية وإثارة النزعات الطائفية، في مخالفة لقوانين العقوبات السورية ذات الصلة.
ووثّقت اللجنة نزوح 27,404 أشخاص من بدو السويداء و34,845 من الدروز والمسيحيين نتيجة الاشتباكات والتهجير، حيث توزعت أماكن النزوح على 16 مركز إيواء في درعا و23 مركزاً في السيدة زينب بريف دمشق، إضافة إلى مراكز أخرى في زاكية وجرمانا وقرى جبل الشيخ.
وأشارت اللجنة إلى تعرض عشرات القرى للحرق والتخريب، وتوثيق استخدام خطاب تحريضي وطائفي في بعض العمليات، إضافة إلى صعوبة الوصول لبعض المناطق ومحدودية المعلومات حول الملثمين في الصور ومقاطع الفيديو المتداولة.
وأعلنت أنها توصلت إلى قائمة بأسماء مشتبه بهم من عناصر وزارتي “الدفاع” و”الداخلية”، ومن جماعات مسلحة درزية ومدنيين، بمن فيهم من البدو والعشائر، ممن توفرت بشأنهم أسباب معقولة للاشتباه بارتكابهم انتهاكات جسيمة، كما أحالت مواد مصوّرة لم تتمكن من تحديد هويات الأشخاص الظاهرين فيها إلى النائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وأكدت اللجنة أنها أحالت نتائج أعمالها، مرفقة بكامل ملفات التحقيق والأدلة، إلى النائب العام للجمهورية، مشيرة إلى أن طبيعة الانتهاكات وتكرارها في مواقع متعددة تستدعي مواصلة التحقيقات القضائية لتحديد المسؤوليات.
وفيما يتعلق بمسؤولية الجهات الرسمية، ادعت أنه رغم وجود تعليمات من وزارتي “الدفاع” و”الداخلية” لحماية المدنيين، فإن انتشار السلاح ووجود مجموعات مسلحة خارج السيطرة المؤسسية أسهما في تفاقم الانتهاكات وتعقيد جهود الحماية. كما بيّنت أن الأدلة تشير إلى تورط جهات متعددة، من بينها مجموعات مسلحة غير نظامية، وعناصر من تنظيم “داعش” الإرهابي، وأفراد تصرفوا “بشكل فردي” أو ضمن “مجموعات محلية”، إضافة إلى عناصر من القوات الحكومية.
ولفتت إلى أن قوات “الجيش” والأمن العام حاولت منع قوات العشائر من الوصول إلى السويداء لكنها لم تنجح بسبب كثافة أعدادهم، مع تسجيل حالات تراخٍ من بعض العناصر، في حين وثّقت إفادات عن منع الأمن العام للعشائر من التقدم وإجبارهم على العودة بعد وصولهم إلى دمشق.
إلا أن ما قالته اللجنة الحكومية يتناقض مع ما قاله الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في 19 تموز/يوليو 2025، أي بعد وقوع المجازر في السويداء بيومين وانسحاب القوات الحكومية من المحافظة بضغط إسرائيلي.
وثمن الشرع آنذاك، في كلمة مصورة عقب إعلان وقف إطلاق النار بالسويداء، بمواقف العشائر العربية المساندة للدولة، واصفاً إياها بـ”البطولية”، ودعاهم الالتزام بوقف إطلاق النار.
توصيات اللجنة الحكومية
وفي توصياتها، دعت اللجنة إلى إحالة جميع المشتبه بهم، من المدنيين والجهات الحكومية، إلى القضاء المختص، وضمان محاكمات عادلة وفق المعايير الدولية، وتعزيز قدرات الجهات القضائية للتحقيق في الجرائم الخطيرة، إلى جانب الإسراع في تنفيذ إصلاحات تشريعية ومؤسسية تعزز استقلال القضاء.

كما شددت على ضرورة تحديد مواقع الدفن الجماعي المحتملة وحمايتها، والحفاظ على الأدلة، ومعالجة الأسباب العميقة للعنف عبر نهج شامل يجمع بين المساءلة والإصلاح المؤسسي وتعزيز الحوار والمصالحة، إضافة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحماية المدنيين وتعزيز انتشار قوات الأمن النظامية.
ودعت إلى “وضع خطة وطنية لحصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الشبكات الإجرامية، وتعزيز مهنية وحيادية الأجهزة الأمنية، ومنع خطاب الكراهية والتحريض على العنف”، فضلاً عن إنشاء لجنة خاصة لمتابعة قضايا المفقودين، ودعم الحوار المجتمعي وبرامج الدعم النفسي، فضلاً عن توفير المساعدات الإنسانية العاجلة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعويض المتضررين وفق القوانين والمعايير الدولية.
ورغم كل ذلك، يرى مراقبون أن التقرير الوطني يقدم صورة جزئية وغير مكتملة، خصوصاً في ظل تداخل الحكومة الانتقالية في النزاع، مما يضعف الثقة العامة بالنتائج ويحد من قدرة التقرير على تحقيق العدالة أو منع الإفلات من العقاب.
مقاربة اللجان الدولية.. لماذا هي الأهم؟
ووفق نشطاء سوريين أن اللجنة الدولية المستقلة، التي ينتظر نشر تقريرها خلال أيام، تمتاز بموضوعية أكبر، وبإمكانها الاطلاع على كل الأطراف دون قيود، وهو ما لم توفره اللجنة الحكومية.
ولفت النشطاء إلى أن الدور الفاعل للسوريين من مجتمع مدني وقوى سياسية وشخصيات مستقلة يظل حاسماً لضمان مسار عدالة حقيقي، من خلال دعم التحقيقات الدولية ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات بشكل عادل وشفاف.
ويؤكد نشطاء مستقلون أن استمرار الحكومة الانتقالية في التعامل بإجراءات موجزة مع المتهمين، أو في تقييد عمل المنظمات الحقوقية، قد يؤدي إلى إضعاف المسار القضائي والسياسي في مناطق النزاع، ويزيد الاحتقان بين السوريين.
في المقابل، تتيح التقارير الدولية والإشراف المستقل فرصة لمطالبة السلطات بإجراءات واضحة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، ودعم إعادة التوازن الاجتماعي في المحافظات المتضررة.
ووقعت موجة العنف في السويداء خلال اجتياح القوات الحكومية لمدينة السويداء منتصف تموز/يوليو 2025، ويصفه ناشطون بـ”تموز الأسود”.
ويحمل هذا الشهر دلالة خاصة في الذاكرة المحلية، إذ قتل خلال أحداث السويداء أكثر من 600 شخص، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، في واحدة من أعنف موجات التصعيد التي شهدتها المحافظة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى مصداقية العدالة الوطنية محل نقاش، فيما يمثل الدعم المستمر من المجتمع المدني الدولي والمحلي للحفاظ على التحقيقات المستقلة ركيزة أساسية لانتقال سياسي مستدام في سوريا.

