أقدمت إسرائيل على تصفية أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والرجل الثاني الفعلي في إدارة الحرب، علي لاريجاني، في غارة جوية استهدفته مع نجله ومساعديه في العاصمة طهران فجر الثلاثاء.
وأعلنت إسرائيل مسؤوليتها عن العملية، مؤكدة أيضاً مقتل غلام رضا سليماني، قائد ميليشيا الباسيج، في سلسلة غارات وصفتها تل أبيب بأنها “الأوسع” منذ بدء الحرب على إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي .
ردود رسمية
جاء هذا التصعيد النوعي بعد أيام قليلة من ظهور لاريجاني على رأس مسيرة حاشدة في وسط طهران بمناسبة يوم القدس، في محاولة لبعث رسالة تحدٍ للغارات التي تستهدف قيادات النظام، ليكشف هذا الظهور العلني وفق مسؤول استخباراتي إسرائيلي، موقعه ويسهل مهمة تحديد مكان اختبائه في الأيام الأخيرة، بالاستعانة بمعلومات من سكان طهران.
وفي تعليق إسرائيل على العملية صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن لاريجاني قد “قُضي عليه” مساء الاثنين، مؤكدًا المواصلة في ملاحقة القيادة الإيرانية، بينما حذر “الحرس الثوري” في بيان صدر، الثلاثاء، المسؤولين عن الهجوم من أنهم “سيواجهون انتقاماً”، مؤكداً أن قوات الباسيج “ستواصل نهج المقاومة وستسعى للثأر”، كما أعلن شن هجمات “مكثفة” ضد إسرائيل “رداً انتقامياً” على مقتله.

ومن جانبه، قال القائد العام للجيش الإيراني، أمير حاتمي، إن رد إيران على مقتل لاريجاني سيكون “حاسماً وموجعاً”، مضيفاً أنه “سيتم الثأر لدماء هذا الشهيد السامي وغيره من الشهداء الأجلاء”، وذلك بحسب ما أوردته وكالة “تسنيم” للأنباء، المقربة من الدولة.
كما صرح قائد مقر “خاتم الأنبياء” المركزي، اللواء علي عبد اللهي، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “عليه أن ينتظر مفاجآتنا”، وأن رد القوات المسلحة سيكون “أكثر تدميراً مما يمكن أن يفعله العدو أو يتخيله؛ وسيستمر هذا المسار حتى استسلامه”، وذلك وفقاً لما نقلته وكالة “تسنيم”.
وفي سياق متصل، قال المستشار الإيراني البارز، علي أكبر ولايتي، إن إيران ستوجه “ضربة قوية للوجه المشؤوم للاستكبار العالمي” – في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل – وذلك بحسب ما ذكرته “تسنيم”.
توازنات السلطة الداخلية على المحك
يفتح هذا التطور الباب أمام تساؤلات متشابكة حول توازنات السلطة داخل إيران، وحدود الرد المحتمل، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تصعيد تدريجي طويل الأمد أم نحو مواجهة أكثر اتساعًا.
قالت الرئيسة السابقة لقسم الأبحاث والتقييم في جهاز الموساد الإسرائيلي، سيما شاين ، إن اغتيال سليماني قد يُضعف قيادة النظام وسيطرته، مضيفة أن هذا إلى جانب الهجوم الذي وقع يوم الثلاثاء على قائد الباسيج العميد غلام رضا سليماني ، قد يدفع كبار قادة النظام إلى التزام الصمت وتقليل التواصل خشية استهدافهم، مما يُصعّب عملية صنع القرار في البلاد، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”.
واتفق معها بالرأي المسؤول السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية والباحث البارز حاليًا في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، داني سيترينوفيتش، الذي أكد على أن اغتيال لاريجاني قد يُضعف قدرة إيران على اتخاذ القرارات، ويزيد من مخاوف القيادة من التعرض للمطاردة، ويُبرز عجز النظام عن صدّ الهجمات الأميركية والإسرائيلية، لكنه أشار إلى أنه على الرغم من أهمية هذا الاغتيال، إلا أنه ليس ضربة قاضية.
ضربة استراتيجية جديدة للنظام الإيراني
في قراءة معمقة لطبيعة التحولات داخل بنية النظام الإيراني، اعتبر الباحث في الشأن الإيراني الدكتور هاني سليمان، في حديث خاص لموقع “الحل نت”، أن اغتيال علي لاريجاني يمثل ضربة قاصمة جديدة تضاف إلى سلسلة من الخسائر الاستراتيجية التي طالت مراكز الثقل داخل النظام، مؤكداً أن طهران تمر بواحدة من أخطر مراحلها، في ظل تزامن ضغوط عسكرية غير مسبوقة مع اختناقات سياسية متراكمة تهدد تماسكها الداخلي وقدرتها على إدارة الصراع.

وأوضح أن خطورة هذه الضربة لا تكمن فقط في موقع لاريجاني داخل هرم السلطة، بل في توقيتها الحرج، مشيرًا إلى أن النظام الإيراني تعرض خلال السنوات الماضية إلى عملية “تفريغ تدريجي” لقياداته المؤثرة، بدءاً من غياب علي خامنئي، مروراً بمقتل قاسم سليماني، وصولاً إلى اغتيال حسن نصر الله، ما جعل لاريجاني يمثل أحد آخر مراكز التوازن داخل النظام، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل في إدارة المشروع الإقليمي الإيراني وشبكة تحالفاته المرتبطة بالميليشيات العابرة للحدود.
وأشار إلى أن لاريجاني كان يلعب دوراً محورياً في موازنة القرار السياسي في مواجهة تغوّل القرار العسكري الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني، خاصة في ظل غياب واضح لدور مجتبى خامنئي عن المشهد، وهيمنة المقاربة الأمنية على إدارة الأزمة، مؤكدًا أن غيابه سيُحدث فراغاً سياسياً واضحاً، ويُفاقم من حالة الارتباك داخل دوائر صنع القرار، ويدفع باتجاه مزيد من احتكار الحرس الثوري للقرار، ما قد ينعكس على طبيعة السياسات الإيرانية في المرحلة المقبلة، سواء داخليًا أو خارجياً.
سيناريوهات الرد الإيراني
فيما يتعلق بسيناريوهات الرد الإيراني، رجّح سليمان أن تتجه طهران نحو تكثيف الضربات الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة ضد أهداف أميركية وإسرائيلية، ضمن نمط تصعيدي تقليدي يهدف إلى إثبات القدرة على الرد دون الانزلاق إلى مواجهة نوعية شاملة.
هذا الرد، رغم كثافته المتوقعة، لن يحمل طابعاً استثنائياً أو تحوّلاً جذرياً في قواعد الاشتباك، بل سيكرّس مسار التصعيد القائم ويغلق عملياً أي نافذة قريبة للمفاوضات، خاصة وأن استهداف شخصية بحجم لاريجاني، الذي يُعد أحد أعمدة المسار السياسي والتفاوضي، يعكس غياب نية التهدئة لدى الأطراف المنخرطة في الصراع.
الباحث في الشأن الإيراني الدكتور هاني سليمان
وأضاف أن مسار “الحرب بالوكالة” لا يزال حاضرًا، لكنه يعاني من تآكل واضح في الفعالية، لافتاً إلى أن جبهة حزب الله تواجه إنهاكاً عسكرياً وضغوطاً قيادية تحدّ من قدرتها على التصعيد، فيما تشهد الساحة العراقية تحركات محدودة عبر استهدافات متقطعة لمصالح أميركية، دون أن ترقى إلى مستوى تغيير قواعد اللعبة.
وفي المقابل، أشار إلى أن جبهة الحوثيين قد تشهد تفعيلاً أكبر خلال المرحلة المقبلة، وإن كان ذلك أيضاً ضمن سقف محسوب لا يؤدي إلى تحول استراتيجي شامل.
هل يتوسع نطاق المواجهة إلى الخليج؟
حول احتمالات توسيع نطاق الصراع ليشمل دول الخليج، أوضح سليمان أن استهداف هذه الدول يندرج ضمن منطق إيراني قائم على “تعميم كلفة الصراع”، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية، متوقعاً أن يتصاعد هذا النهج خلال الفترة المقبلة عبر استهداف منشآت أميركية أو بنى تحتية للطاقة في الخليج، في إطار سعي طهران لفرض معادلة ردع ممتدة.

ومع ذلك، شدد على أن دول الخليج تميل إلى تبني سياسة ضبط النفس، إدراكاً منها لمخاطر الانجرار إلى حرب مفتوحة، وحرصاً على إدارة الأزمة ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية، بما يحفظ استقرارها ويجنبها كلفة الانخراط المباشر في الصراع.
وختم سليمان تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستتسم بسياسة “النفس الطويل”، حيث تتجه الأطراف نحو إدارة صراع ممتد منخفض الحدة نسبياً، لكنه عالي الكلفة، في ظل تشدد متزايد داخل بنية القرار الإيراني، وتراجع فرص التسوية السياسية، ما ينذر بإطالة أمد المواجهة وتعقيد مساراتها على المستويين الإقليمي والدولي.
تغيير بنيوي في مراكز القرار
فيما رأى الخبير بالشؤون الإيرانية فراس إلياس، أن الفراغ الذي خلّفه اغتيال أو غياب قيادات مثل علي لاريجاني سيفتح الباب أمام تصاعد نفوذ شخصيات ومراكز قريبة من الحرس الثوري الإيراني، مؤكداً أن هذا التحول ليس مجرد تبديل أسماء بل تغيير بنيوي في مراكز القرار داخل النظام.
وقال إنه بينما كان التيار المحافظ البراغماتي يمثل طوال سنوات هامش توازن بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج، يشير الاتجاه الجديد إلى صعود نخب أقل ارتداءً لقناع الاعتدال وأكثر ميلاً لاعتماد منطق أمني وصدامي كأداة استراتيجية دائما.
وشرح إلياس أن استبعاد أو إضعاف مؤشرات التعددية القيادية يعيد تشكيل مشهد القرار إلى إطار يتيح للحرس توسيع سلطته على مؤسسات الدولة، ما سيؤدي إلى تضييق هامش السياسة المدنية والدبلوماسية لصالح منطق أمني صارم لا يبالغ في تقييم كلفة الصراع الطويل.
انعكاسات مزدوجة داخلياً وإقليمياً
أضاف إلياس أن صعود أسماء على غرار سعيد جليلي أو علي باقري كني يعكس اتجاهاً داخل بنية النظام نحو إدارة المواجهة أكثر من إدارة التوازن، وهو ما سيترك انعكاسات مزدوجة، داخلياً مزيداً من الانغلاق السياسي وتزايد الاحتقان الاجتماعي، وإقليمياً نمطاً أكثر حدة في السلوك الإيراني يراهن على تعظيم كلفة الخصوم عبر أدوات مباشرة وغير تقليدية.
أشار الخبير إلى مفارقة مركزية، وهي أن السياسات التي تستهدف تقليص قدر إيران أو تفكيك نفوذها قد تُثمر عملياً نظاماً أكثر تحصينًا أمنياً؛ وأن كل ضربة تكتيكية قد تغذي سردية “الدولة المحاصَرة” وتمنح المؤسسة الأمنية شرعية شعبية ونخبوية أوسع للهيمنة، موضحًا أنه في هذا السياق، يصبح تقليص دور الدبلوماسية ومراكز التهدئة بنحو مستمر عاملاً مساهماً في إطالة أمد المواجهة وصعوبة التوصل إلى تسويات شاملة.
الخبير بالشؤون الإيرانية فراس إلياس
وبيّن أن هذا التحول لا يعزل الجهات الفاعلة الدولية؛ فـالولايات المتحدة وإسرائيل، سواء بقصد أو دون قصد، تساهمان في إعادة هندسة النخبة الإيرانية نحو تشدد أعنف عبر استراتيجيات الاستهداف والضغط، مشيرًا إلى أنه مع اتساع الاعتماد على منطق الردع الكلي، يصبح المسار الإقليمي أكثر امتداداً ويشمل ارتدادات في المحيط، من استهداف منشآت إلى توظيف أذرع مسلحة وحشود بحرية تُعقّد حركة التجارة والطاقة.
اختبار إيران والمجتمع الدولي
حذر إلياس من أن النتيجة المتوقعة لن تكون شرقًا أوسطًا أكثر استقراراً، بل منطقة أكثر توتراً، لافتًا إلى أن خفض هامش المناورة الدبلوماسية مع تزايد هيمنة منطق أمني يعني تراجع فرص التسوية وارتفاع احتمالات صراع طويل الأمد يصعب على أي طرف الخروج منه دون تكلفة باهظة.

وأفاد بأن الحل لا يمر عبر خيار عسكري أحادي، بل عبر مزج ذكي بين ضغوط مدروسة وممرات دبلوماسية متوازنة تعمل على إعادة فتح قنوات التفاوض، واسترجاع دور المؤسسات غير العسكرية في صنع القرار، وتخفيف منطق “المواجهة كخيار أول”.
واختتم إلياس تصريحه بالتأكيد على أن المشهد المقبل سيحمل اختبارين متلازمين، وهما اختبار قدرة إيران على احتواء الضغوط داخلياً أمام صعود المعتدلين، واختبار قدرة المجتمع الدولي والإقليمي على تقديم بدائل عملية تخلق حوافز حقيقية لخفض منسوب العنف السياسي والأمني، مؤكدًا أنه من دون مقاربة سياسية متوازنة تعيد إحياء أطر التفاوض وتحد من منطق الاستئثار الأمني، سيتحول الشرق الأوسط تدريجياً إلى فضاء لصراع ممتدٍ يضاعف كلفة الاستقرار على الجميع.
- فاتورة التخرج بالملايين.. كيف حوّلت الجامعات الخاصة التعليم في سوريا إلى “امتياز للأثرياء”؟
- منظمات حقوقية: “الحوثيون” يحيلون 8 من موظفي المنظمات الإغاثية للمحاكمة
- “فجر اليمن”.. القوات الحكومية تتقدم غرب وجنوب تعز وتوسّع عملياتها ضد “الحوثيين”
- “ذاكرة إبداعية” يوقف معرض “معتقلون ومغيبون” في الرقة بسبب ضغوطات أمنية
- استقالة مدير التربية وتقييم 307 مدارس يكشفان حجم أزمة التعليم في دير الزور

